الرئيسية / أضواء على / Non, on ne va rien oublier

Non, on ne va rien oublier

باريس – كاتيا الطويل
النهار
02102018

شارل أزنافور.

من صفات تاناتوس إله الموت عند الإغريق، أنّه يملك قلبًا من حديد وروحًا من برونز. وهل من أحد يستطيع سرقة أزنافور من هذا العالم سوى مَن له قلب من حديد وروح من برونز؟

على غرار عادته في ذلك، ضرب إله الموت ضربة مؤلمة غير متوقّعة عشيّة الأحد صباح- الإثنين الأوّل من شهر تشرين الأوّل. فقد سلب تاناتوس هذا العالمَ علمًا رائعًا من أعلامه ورجلاً تمكّن بصوته ورقيّه وأناقة كلماته من أن يغنّي الحبّ والحياة والعمر. رحل شارل أزنافور عن عمر 94 عامًا، مخلّفًا عالمًا غير جاهز بعد على المضيّ قدمًا من دونه.

صدمة حزينة هزّت أطراف باريس وجعلت برج إيفل يتّشح باللون الذهبيّ طوال ليلة الإثنين 1 تشرين الأوّل. لون ذهبيّ يمثّل تحيّة من العاصمة الفرنسيّة إلى الرجل الذي حمل اللغة الفرنسيّة والحبّ على كتفيه إلى العالم بأسره. لون ذهبيّ يثير الذكريات في أفئدة الباريسيّين على اختلاف أعمارهم. فالشباب أنفسهم الذين ورثوا حبّ أزنافور من أهلهم وذويهم، عشقوا موسيقاه وكلماته وغنّوها ملء حناجرهم في ساحة التروكاديرو.

فشارل الكبير، كما سمّته الصحافة، الأرمنيّ الأصل، الذي غنّى بلغات متعدّدة، الألمانيّة والإنكليزيّة والإيطاليّة وغيرها، آثر الفرنسيّة التي كتبها وغنّاها وجعل العالم بأسره يعشقها مجدّدًا ودائمًا. لبنان نفسه احتفى به مرّات متعدّدة واستقبله، من بعلبكّ إلى جونيه فجبيل فكفرذبيان، أمسيات كلاسيكيّة مخمليّة استمتع بها اللبنانيّون واستعادوا فيها عصرهم الذهبيّ.

أزنافور الفنّان والممثّل والديبلوماسيّ والرجل الجميل بابتسامته وعشقه للحياة، تمكّن بموسيقاه وكلماته من رسم سماء جميلة فوق البشريّة لنحوٍ من ستّين عامًا. سماء الشباب والحبّ والعشق واللامبالاة والفرح.

أزنافور نفسه توقّف فجأةً ذات صباح ووجد أنّ العمر مرّ وتركه بعيدًا عن سنواته العشرين، سنوات الطيش والشباب،

hier encore j’avais vingt ans

نحن أيضًا يا أزنافور كان لنا من العمر عشرون عامًا في الأمس.

نحن أيضًا لا نعرف كيف غدرت بنا السنوات وتركتنا على ضفافها عطشى للشباب ولسنوات العفويّة.

نحن أيضًا يا أزنافور نستيقظ كلّ صباح ونجد أنّنا ابتعدنا أكثر عن المراهقين الذين كنّاهم ذات صباح.

غادرتنا أيّها الجميل.

Désormais on ne nous verra plus ensemble

للأسف لن يرونا معًا مجدّدًا.

للأسف لن نراك على خشبة المسرح مجدّدًا بأدائك الجزل وتوهّجك الرشيق.

Désormais غادرت من دون أن تتمكّن من الفرار من إله الموت بإحدى ضحكاتك الرنّانة الذهبيّة وبإحدى أغنياتك الساحرة.

Une étoile passe, et je fais un vœu

Nous nous reverrons un jour ou l’autre,

Si Dieu le veut

سوف نلتقي يا أزنافور، نعم. في كلّ مرّة نسمع فيها
la bohème.

في كلّ مرّة يصدح فيها صوتك من إحدى إذاعات الراديو سوف نلتقي.

في كلّ مرّة نغرق فيها في أمواج العشق والوله سوف نلتقي.

وإن كنتَ أنتَ من غنّيتَ،
non, on ne va rien oublier.

فنحن أيضًا يا أزنافور

non, on ne va rien oublier.

اضف رد