الرئيسية / home slide / Le Mal de Vivre

Le Mal de Vivre

28-10-2020 | 00:04 المصدر: النهار

سمير عطالله

الرئيس ماكرون في باريس أمام نعش الاستاذ باتي

  آسف أنني أبقيتُ على العنوان بالفرنسية، لأنني لم استطع الوصول الى ترجمة مرضية. تستعصي اللغة الفرنسية على النقل الى لغة أخرى، بسبب ثرائها الهائل وتورياتها اللطيفة، وليس العكس. وكلمة MAL  يستخدمها الفرنسيون في ألف موقع، كل مرة ببُعد آخر. Le mal francais تعني شيئاً و Les fleurs du mal  تعني شيئاً.  وقد ترجم عنوان مجموعة شارل بودلير هذا “ازهار الشر”، ولا أدري إنْ كان معبّراً أو دقيقاً. فالكلمة تعني مرة الشر ومرة المرض،  Mal du Mer (دوار البحر أو الدوخة)، ومرة السوء، ومرة تُستخدم في تجريد شاعري أمضّ لا شبيه له في لغة اخرى Le Mal Aime. لعل أقرب ترجمة الى Mal de Vivre هي “الضيق بالحياة”. تشكو من هذه الحال الشعوب الكثيرة التفكير. ولذلك، نرى ان شعب الفلسفة المعاصرة هذه، أناس سوداويو المزاج، كثيرو التشاؤم، ميّالون دائماً الى تعرية الضعف البشري من وقاره المزيف. في ستة عقود من متابعة قضايا فرنسا، لم أرَ مرة مثل هذا الإرتباط  والتلاقي، بين قلقها الوجودي العميق وبين القلق العاصف بالدولة التي ولدت في دارها قبل مائة عام. يعدُّ ايمانويل ماكرون لمشاركة اللبنانيين في احتفالاتهم، فيسبقه ويسبقهم، اسوأ انفجار في تاريخ هذا المتوسط الأزرق، الباهي، الزاكي، واصل الحضارات بالحضارات. بسبب فداحة المشهد، ومنظر بيروت الذبيحة، تسرَّع ماكرون في توضيب حقيبة العلاج. لم يتمهل لحظة وهو يدخل ادغال لبنان و “حقول القتل” في رومانسية غابت منذ عقود. جاء باحثاً عن جمهورية شارل دباس وبترو طراد والفرد نقاش وأيوب ثابت، وأرباب الدستور والنظم والشهامات الكبرى، فوجد مجموعة من شهود الزور المحترفين. كنت واحداً من الذين لطموا خدودهم عندما شاهدوا الشاب المندفع بلا حساب، يعانق أهل بيروت على المينا. ألا يتذكر قول مواطنه موليير: “ماذا، بحق الشيطان، جئت تفعل في هذه المتاهة، في هذا المأزق، في هذا الافك؟”. كعادة الفرنسيين المنرفزين أبداً، لم يتمهل فتى الاليزيه. ظنَّ ان المسألة هي حقاً ما “بين القصرين” على قول نجيب محفوظ. قصر الصنوبر وقصر بعبدا.  مضى زمن السياسة في القصور والقرار في الدستور. ميرنا الشالوحي. لبنان المستجد. مشاورات وبيانات ومماحكات منتصف الليل. لكن لا حلّ مع هؤلاء الفرنسيين. مهمة واحدة منذ الثورة. العام 1890 كتب أرنست لافيس أنه فيما كانت مهمة روما السيطرة على العالم، ومهمة المانيا جمع كل ما هو الماني، فإن رسالة فرنسا هي تمثيل روح الإنسانية في كل مكان. حتى في لبنان حيث يمثّل السياسيون المسيحيون، بدورهم، الصورة الأبهى للرسالة الميثاقية. وبُعدها الأقصى. وأقصى أقصى أقصى شهامتها وأخلاقياتها. تتكاثر الهموم حتى تضيق الناس بالحياة، أو تسأم منها كما في بلاغة زهير بن ابي سلمى. فلنحاول هذه الترجمة: شقاء الحياة. وصفَ ماكرون سياسيي لبنان بأنهم “خونة”. ومع ذلك جاء يحاول انتزاع البلد من مخالبهم.  جاء فوجد الناس على الطرقات، تنظف اكياس البلاستيك من فضلات القوت. ولبنان مسافر. والشعب العظيم يرقص طرباً للحاوي الذي ينوِّمه على لحن الدستور، عفن، نتن هو الدستور. المجد لأحرار هذا الزمان. مسكين شعبك الحقيقي، البسيط الجميل غير العظيم. مسكين. لم يعد يحتمل شعبك سأم الحياة، ويعاني من الـ Mal de Vivre ، يضيق بالحياة وتضيق به. شعبك مهاجر ومسافر وبلا سقف وعلى الطرقات. ولنكفّ عن كذبة 30 عاماً. ما شهدنا شيئاً من هذا ولا في 300 عام. ما عرفنا شيئاً من كل هذا السوء إلا في الاعوام الثلاثة الأخيرة. حتى الأغبياء لم يعودوا قادرين على السعادة، يقول المثل الفرنسي المرّ. جئتنا في اسوأ اسوأ ثم اسوأ ما عرفه Le Mal Libanais ، في هذا التاريخ المعذب، حيث السعادة موقتة والوقاحة لا تغلب. حتى الموت سمَّاه الفرنسيون  Le Mal Mort. لم يصدقوا ان فائقاً مثل نابوليون يمكن ان يموت. لذلك، كتب إله الشعر عندهم، فيكتور هيغو، في وفاته، “لقد كنتَ إلهنا”. Le Mal Aime،  يقال في بلاد المسيو ماكرون. عبارة تندرج تحتها كل تناقضات الوجود واحوال البشر. مكروه ومحبوب ومرفوض معاً. الرجال تغيّر دائم ولا يصمد سوى القديسين والابطال. وهذه مرتبة في الناس تأتيهم في الأحلام وتتخلى عنهم في الكوابيس. تعب كلها الحياة، قال زهير بن ابي سلمى، قبل ان يبدع الفرنسيون في اختصار ادق لجميع اعراضها: خيانة، وخداع، وخوف، وألم، ويأس، وبؤس وفقر.  ولقد أسمعت لو ناديت حياً. وبعد ذلك فصّل رئيس الجمهورية اللبنانية اعراض Le Mal Libanais تفصيلاً بالورقة والقلم. فمن كان منا لم يدرك بعد ماذا حل به، وببلده، فقد تم شرحه اعلاه، اما ما هي “الروشته” فسوف يتم توزيعها قبل اغلاق آخر صيدلية في لبنان. محزنة رحلة ماكرون، أو رحلتاه، الى الديار اللبنانية. جاء يؤاسينا في مقتل 200 وإصابة 6 آلاف، وتشرّد 300 ألف، فلم يجد مَن يقدّم إليه التعازي. عاد الى فرنسا ليتقدم جنازة مواطن واحد وانحنى عند نعشه. أما هنا فقد تكفّل الغبار بالموتى والناجين. لا شيء ولا احد سوى الغبار. لا احد. حتى اربعين بيروت مرّ من دون وقفة عزاء وكلمة تعزية. قارئو جوزف كونراد و”قلب الظلام” قد لا يعثرون على وصف لمثل هذه الحلكة البشرية. في اربعين بيروت، كنا نبحث عمن يشفق على لبنان ويجمع بين سعد الحريري  وجبران باسيل. عمن يقنع اللبنانيين ان “حكومة الإنقاذ” ليست حرباً كالحة بين الرئاسات. Le Mal Libanais بل هي التقاء عفوي يعقد في بعبدا عن  الصغائر التي فاض بها البلد، أو البلاد، كما يطيب للوزير سليم جريصاتي ان يسميها. وقبل ان تنال بعض امارات الخليج الصغيرة استقلالها كانت تسمي نفسها ” امارة… وملحقاتها”. العياذ بالله من اليأس إذا ضرب أمّة. فرنسا في مزاج مفزع ليس خوفاً من اللاجىء الشيشاني الذي ذبح الاستاذ باتي. إنها تخاف جماعة لوبن وتصاعد اليمين الفاشي وانهزام  المجتمع المتحضّر. كان عنوان إحدى صحف باريس: “الثلاثينات تلوح أمامنا  من جديد”. تلك المراحل الفاشلة في حياة الأمم عندما يتراجع المثقفون وتخسر النخب وتظهر في الشوارع الهراوات وتعلو الهتافات المريضة على اصوات المفكرين والفنانين وصنّاع الحضارات. إنه Le Mal Humain  سلطة الزند على العقل. وتفسير الدِّين من اجل السطوة، لا من اجل العبادة، وتفسير الدستور وفقاً لاحكام الشهوة وليس وفقاً لأحكامه. ولذلك يتحول عند البعض نتانة تقضّ مسيرتهم الطاهرة.   لا أنسى أفضال المسيو آلان بيرفيت. كان فرنسياً عظيماً مسؤولاً عن الحملات الانتخابية في الحزب  الديغولي. وكنت أجيء من لبنان صحافياً بائساً فيما فرنسا كلها تريد تلبية مطالب صحافييها. ومع ذلك كان المسيو بيرفيت يستقبلني وكأنني من “الموند” وليس من “النهار”، ويطلب لي المواعيد مع المرشحين، ويؤمّن لي حضور المؤتمرات الصحافية، بما فيها مؤتمر عقده المسكين “آلان بوهير” رئيس مجلس الشيوخ، الذي رشح نفسه ضد ديغول. كلما اصدر بيرفيت كتاباً كنت اول من يسعى إليه، وبعضها، مثل  عندما “تستيقظ الامبراطورية الصينية”، ما أزال أعود إليه حتى الآن. وأما تحفته التي يعود الجميع إليها اليوم، فعنوانها:  Le Mal Francais. وقد أضيف إليها مشهدان: الرئيس ماكرون في ميناء بيروت يعانق الخائفين والملهوفين، والرئيس ماكرون في باريس أمام نعش الاستاذ باتي، الذي ذبحه لاجىء من الشيشان.  twitter: @samir_n_atallah