HELAS

سمير عطالله

سمير عطالله
12-10-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

الرئيس ميشال عون.

“أفضل الطرق لأن تفي بوعدك، هي ألّا تعطيه”
بونابرت

يحين الموعد الدستوري لنهاية عهد الرئيس #ميشال عون، من دون ان يرافقه تأكيد للموعد الحقيقي. فالتصريحات التي ادلى بها الجنرال ورجاله في الشهور الأخيرة حول الأمر، تؤكده اليوم وتنفيه غداً. وأما الميثاق، فقد عبّر عن الموقف منه، الرئيس الرديف عندما قال انه “نتن”.

لذلك لا نعرف ما إذا كانت هذه الكلمة في وداع الرئيس، او في بداية اعتصامه مرة أخرى. الذي يعرفه ال#لبنانيون بالتأكيد، أن الرجل الذي اعلن ان أحبَّ الألقاب اليه هو “الجنرال” ضرب الرقم القياسي في حمل الألقاب والحقائب في التاريخ: قائد الجيش، رئيس الوزراء، نائب، وزير الخارجية والداخلية والدفاع، وبضع وزارات أخرى في الحكومة العسكرية الثانية من نوعها، والوحيدة من نوعها من حيث طبيعتها الطائفية.

دفع الجنرال الى هذه المسيرة اقتناع لديه بأنه ذو مهمة رسولية في سبيل لبنان. وهذا الاقتناع تحوّل الى ايمان لدى جماهيره والمحيطين به. وتجلّى في مشاهد حدائق القصر، حيث كانت النسوة يحملن مصاغهن للتبرع به لمجهود الحرية. وكان الجنرال ينظر فرحاً الى جماهيره ويخاطبها “بشعب لبنان العظيم”، وصفقت هذه الجماهير عالياً وهو يبلغها ان “بيروت دُمّرت 6 مرات فما همَّ إن كانت سبعاً”؟ وطوى بيروت تحت جناحيه مرة أخرى عندما ذهب احد مفكري التيار، النطاسي نبيل نقولا، يحتلها مع رفاقه لمدة عامين ولم يتركوها إلا حفراء نفراء هامدة. المؤسف ان المفكّر غاب بعد ذلك مثل غياب وسط بيروت.

ليس في تاريخ العالم السياسي، أو الادبي، زعيم حمل على الوسط والوسطية مثل الجنرال عون. وإلى الآن يحاول كثيرون معرفة السبب من دون جدوى. وفي ذروة حملته الشعواء لم يجرؤ احد من تيارييه المسلمين على لفته الى الآية القائلة “إنّا جعلناكم أمةً وسطاً” وبذلك كانت “خير أمة أُخرِجت للناس”.

لا يتأنى الجنرال كثيراً في اختيار تعابيره. إنه يثق في جماهيره ثقة عمياء، وهي كذلك. ينقلها من أقصى اليمين الى أقصى اليسار فلا ترفّ له جفن ولا تخطر لها خاطرة. هي معه، وهو يقرر ان يكسر “رأس حافظ الأسد”، وهي خلفه عندما يذهب الى براد للقاء الرئيس بشار الأسد، والبحث عن جذور الموارنة واصولهم، ويعلن من هناك أنه إذا كانت “بكركي بطريركية الطائفة”، فإن الجنرال هو “بطريرك السياسة”. كانت هذه الرتبة الوحيدة التي لم يضمها الجنرال بعد، ففعل.

دائماً كان يعتمد على اخلاص مناصريه وحماستهم. وكان بعض هؤلاء يتساقطون من حوله في صراعات لا يُكشف عنها شيء. “يبرطعون” في بداية الأمر ثم ينسون. ضباط ووزراء ونواب واقرباء وانسباء واعزاء. ثم بخاطركم.

عرف لبنان نوعين من الاحزاب السياسية: الايديولوجية، التي ظهرت بعد الاستقلال، والكاريزماتية التي ظهرت في الحرب. انشقّت “القوات” عن الكتائب، اولاً مع بشير الجميل، ثم مع سمير جعجع، ومن ثم برز ميشال عون ومعه الضباط المسيحيون وجزء من الجيش. واستقل بهذا الجزء من العسكريين ليقصف خصمين متساويين: “المسلمين” في اليسار و”المسيحيين” في اليمين. وكان قسم غير قليل من المسيحيين قد ضاق ذرعاً بسلوك “القوات” وخوّاتها وسجونها… و”ضباط جيشها”. وارتفعت صور سمير جعجع وتحتها كلمة واحدة: “القائد”. وفي احد مؤتمراته الصحافية سأله الزميل اميل خوري عن احد خصومه فقال ساخرا: “اسألوه، هيدا بعدو طيب”. الحرب، كانت ما يقوله عنه الفرنسيون:

A LA GUERRE C’EST COMME A LA GUERRE
وحرب المسيحيين كانت هي الاشد مضاضة: مدافع ميشال عون، وضباط سمير جعجع، و”محاشي” ايلي حبيقة المتفجرة كما وصفها الزميل غسان شربل في كتابه الصريح “ماذا فعلت في الحرب”.

وحده الجنرال وصل الى الحكم عائداً عن طريق المنفى في تسوية مع متاريس الأمس. وسمير جعجع كابر فدخل السجن. وايلي حبيقة عقد الصفقتين ودفع الثمنين.

رفض الجنرال اي هدنة إلّا إذا كان هو صاحبها. اعاق انتخاب سليمان فرنجية باعتباره “ثمانينياً”. وشتّت النواب لأنهم قبلوا الطائف، وعقد حلفاً عسكرياً مع العراق متكفلاً اسقاط نظام الأسد. كل شيء عند الجنرال كان امامه. وكل شيء آخر كان خلفه: أرغم الاميركيين على إغلاق سفارتهم لأنهم “لم يمشوا به”. واقام 15 عاماً في فرنسا، “مدرسته الحربية”، ثم عاد الى لبنان، واصبحت وراءه، واعتبر ان كل القضية “مخربطة شوي مع شيراك” وكأن رئيس فرنسا موظف السنترال، وعندما جاء ايمانويل ماكرون الى مرفأ بيروت ليؤكّد للعالم مدى حجم الانفجار الرهيب، وضع الجنرال يده في جيبه، ليس خلافاً لبروتوكول الرؤساء، بل الضيوف.

مهما كبر الانسان، أو مهما بلغ، يأتي يوم لا مفر له من ان يتطلع خلفه. أو على الأقل حوله، وكثيرون من الذين حول الجنرال يدركون انهم لا شيء من دونه. والأمثلة كثيرة وقريبة. وعندما كان الجنرال في عزّه، كان قادراً على ان يجيّر الكثير. لكن الآن، في حتميات الأعمار والاقدار، عسكري متقاعد، ورئيس منتهية ولايته حتى في “الفوضى الدستورية”، ورجل في الثامنة والثمانين، كم يستطيع ان يعطي “ابناءه الاحباء”؟

ليس هناك الكثير مما يمكن ان يُعطى. والذين ينهمكون في إعداد وداع مجلجل للجنرال يعرفون في داخلهم انه كان يفضل على ذلك وداعاً جليلاً، صادقاً ومتواضعاً. وداع تُستذكر فيه الأيام الطيبة والأعمال التاريخية والمشاريع الكبرى والأعلام الكبار الذين اصغى اليهم وافاد من خبرتهم ومشورتهم.

لم يحدث. ضاعت السنوات الست كما ضاع غيرها. جدل وشجار ومبارزات وقصف مدفعي على جميع الجبهات. والجنرال أسير الدور الأول: هوالبطل وهو الضحية. هو الخاسر وهو غير المسؤول، وهو الذي لن يتخلى عن الرئاسة “من اجل محاربة الانهيار”. المهمة المقدسة لا تتفق دائماً مع حسابات الأرض. والتيار ليس حزباً ايديولوجياً بقدر ما هو رجل عرف كيف يشعل جذوة الشباب. المَواكب العاصفة لا تشكل عهداً، ولا دولة، ولا جمهورية. مجرد عاصفة وخيول وسنابك. ومن ثم يحال التاريخ على سجل الحقائق. وهي قاسية للجميع.

كان اول اقتراح للجنرال رئيساً هو جعل بيروت مدينة للحوار العالمي. وقد وافق العالم اجمع على ذلك. لكن في اليوم التالي ركب الفارس حصانه وطاف يبحث عن البلطجية في صفوف اركان الدولة، وعن الاعداء في بشري وعن رفات الخصوم في سوق الغرب. نسي الفاتح في غزوته المباركة ان مبرر المسيحيين الوحيد في الشرق هو مسيحيَّتهم. وحرص على حقوقه لكن وهم يهاجرون بلا عودة. هذه المرة هجران بلا هجرة. والبعض ذهب الى الصومال ولم يعد. فهو سعيدٌ هناك.