الرئيسية / مقالات / 74 جلسة، 450 مسألة، 4 آلاف قرار

74 جلسة، 450 مسألة، 4 آلاف قرار

طُرحت نظريات كثيرة، وأُعطيت اسباب شتى في سقوط الدولة السوفياتية. غالبها، كان غربياً منحازاً وفيه صغر الشماتة وضحالتها البدائية. فالبشر تفرح لسقوط العابرين، فكيف الجبابرة. نظرتُ إلى المسألة الشيوعية دوماً ببساطة القرويين، تاركاً الايديولوجيات لأصحاب الجمل الطويلة والكلمات الصعبة اللفظ: ماذا ادّت للخبز، وماذا فعلت بالحرية. أما الاتحاد السوفياتي نفسه، فكنّا يوماً معه وكان يوماً علينا، نثمّن (بالتعبير الشيوعي) مواقفه في القضايا العربية وشعوب العالم الثالث، لكننا نرى أنه لم يقدم لهذه الشعوب سوى الاسلحة والبيانات المطوَّلة. لا مدارس. لا مستشفيات. لا مشاريع حيوية، كما تفعل الصين الآن، صين ما بعد ماو وقصائده وثورته الثقافية الهمجية.

كان ديمتري فولكوغونوف ضابطاً برتبة عقيد، ستاليني سابق، ومؤرخ شديد المحافظة. لذلك، اخترت نظريته، أو رؤيته، الى اسباب الانهيار. خصوصاً، واعترف بذلك، لأنها تتماشى مع فكرتي البديهية ومبدئي البسيط: “خبز وحرية”.

سبب العودة الآن الى المؤرخ الكبير، التشابه المريع في عناصر الانهيار بين دولة عملاقة كانت تضم 15 جمهورية كبرى وتتحكم في نصف العالم، ودولة صغيرة غير قادرة على لم جمهورياتها، وتعيش مثل المشردين، من يوم الى يوم، ومثلهم تناقش موازنتها وخبزها، على الأرصفة.

يقول فولكوغونوف (عذراً لطول الاسم) “استنفدت البلاد في سنوات ليونيد بريجنيف كل امكانات النهوض بالاقتصاد، واصبحت الادارة البيروقراطية لتمجيد الحزب الشيوعي السوفياتي كاريكاتورية، وتعرضت القيَم الشيوعية للتفتت”. ويضيف: “تدهور النمو في الصناعة الى الصفر، والزراعة في انحطاط مستمر، واخذت البضائع الاستهلاكية تشح أكثر فاكثر، وكل هذا ساعد على الفساد وتفشي الجرائم الاقتصادية”.

أين كان بريجنيف حيال هذا الواقع؟ “لم يرد مكتب بريجنيف السياسي ان يلاحظ انزلاق هذه البلاد الكبرى. وفي الوقت الذي تعاني ضائقة اقتصادية شديدة، عقد المكتب السياسي اجتماعاً في 3 كانون الثاني 1980، واعطى الكلام لمحسوبه ومدلله تشيرنينكو الذي قال: عقد المكتب السياسي العام الماضي 47 جلسة، ونظر في 450 مسألة، واتخذ 4 آلاف قرار، منها 927 قراراً في الاوسمة الحكومية”.

عندما وصل ميخائيل غورباتشوف الى قيادة الكرملين بحيويته وثقافته ورؤيته للعالم، كان أول قرار له الغاء الأوسمة واغلاق فبركتها ومصيغتها. ومنع من المراسلات جميعها اللازمة التي تبدأ بمقدمة “الامين العام يهديكم تحياته”. لكن عندما بدأ الرجل المعتز بأن والديه فلاحان، مسح الصدأ عن النظام، كان الاهتراء قد ضرب جميع مفاصله. كان صديقه وسلفه الذي مهّد لوصوله، يوري أندروبوف، ربما أهم مدير مخابرات في تاريخ موسكو، وقد عرض عليه الحقائق التي قدمها من قبل الى بريجنيف، لكن هذا لم يكن قادراً على استيعابها. وعندما اصبح هو (اندروبوف) زعيماً، دهمه المرض في سرعة، وراح يصدر كل قراراته من سريره.

هل لعب القدر دوره في اسقاط دولة لينين؟ ماذا لو بكًّر أندروبوف قليلاً، أو لو تأخر مرضه قليلاً؟ لربما كان الاتحاد السوفياتي لا يزال حياً، ولربما استطاع غورباتشوف نقل موسكو الى العصر من غير أن تهِّر. لكن لا وجود لأدوات التمني في السياسة ولا في الحياة، إلا ما طُرب له الشعر. والشعر خارج التكوين، كما يقول فيليب روث. فقد خلق الله في كل يوم خلقاً طوال ستة ايام، ولما استراح، لم يكن قد أعطى أي اهتمام للأدب والشعر.

كان فؤاد شهاب يسمّي الناس “الأهالي” لأنه يحبهم. أنهم أهل، هو الذي من أجلهم انكر أهله وأبعد اشقاءه وأعفى قامة مثل عبد العزيز شهاب من حق الرئاسة، خوف الشبهة، في الاسم. لكنه كان يقول في ألم إن بناء الدولة وحدها لا يكفي، فلا بد لها من مجتمع يحميها ويدرك ان مصلحته الكبرى في بقائها، لا في امتصاصها وسلبها، وإلا كان كمن يسرق رزقه ويستولي على مال أولاده.

حاول السوفيات ان يبنوا مجتمعاً يحمي الحزب. لكنهم اكتشفوا ان الحزب اصبح 16 مليون عضو لا عمل لهم سوى الخمول والنميمة والشتم وحصد المواقع من دون أي كفاءة. وأول مجيء غورباتشوف كان يكرر انه لا بد من التزام التواضع، كما علّم لينين. لكنه ما لبث ان وقع هو أيضاً في صناجة الحكم وأناشيد السلطة. وأخذ يصدر كل كلمة يقولها في مجلدات لم تمتد يد واحدة لشراء نسخة منها. حدث لها ما حدث من قبل لـ 700 الف صورة لبريجنيف وزعت على المكتبات ولم يتقدم إنسان واحد لشرائها.

حتى المجتمعات العقائدية لا تستسيغ الدعاية المباشرة والدوغمائية. من المحزن ان تقفل “المستقبل” صحفها وقنواتها لأنها كانت تحافظ الى أبعد حد ممكن على المهنية والسعة والموضوعية. وما من أحد منا يعرف حقيقة ظروف الرئيس سعد الحريري، لكن لم يكن يحق له اغلاق المؤسسة خصوصاً في هذه المرحلة المصيرية التي تمر بها الصحافة. لقد أرسل 280 ساعياً حقيقياً الى البطالة، بينما وظفت حكومته 5300 شخص من قبيل التنفيع الخاص، لا المنفعة العامة.

رفيق الحريري اعتبر ان الاعلام، محلياً وعربياً وعالمياً، هو الصناعة الاكثر جدوى في عالم الحاضر . وقد ساهم هذا الاعلام في رسم صورته على الصعد الثلاثة. وكان حزبه الأقوى في لبنان والخارج، إضافة طبعاً الى مجمل العناصر الأخرى. من المؤلم أن رئيس الحكومة، المحاط بمشاكل وطنية وشخصية كثيرة، لم يدافع ما يكفي في سبيل الفرع الصحافي من أعماله. ليس هذا وقت التخلي عن الناس والبلد في ضائقة لم تُعرف منذ أيام “العثمانيين”. وهذه الضائقة لا تحل مشكلة رغيف واحد منها كل هذه المؤتمرات والادعاءات والبهلوانيات المملة.

أصدر مطران بيروت للموارنة بولس عبد الساتر قراراً يسمح لكل تلميذ غير قادر مادياً على دخول مدرسة الحكمة معفى من القسط مثله مثل القادرين. كل قسط أهم الف ضعف من 450 مسألة و 4 آلاف قرار نظر فيها المكتب السياسي لبريجنيف. انتظرنا سيادتك طويلاً، وتأخر مجيئك كثيراً. كثيرأً. مطارنية بيروت تستحق أميراً من أمراء الكنيسة، رسالته تواضع يسوع، ومحبته للناس، وخادماً للرعية، لا متغطرساً عليها.

اضف رد