الرئيسية / home slide / زمن اعتذار الضحية عن مصابها

زمن اعتذار الضحية عن مصابها

23-06-2021 | 00:58 المصدر: النهار

سمير عطالله

الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري (تصوير نبيل اسماعيل).

قد أتاك يعتذر لا تسله ما الخبر
قد وفى بموعده حين خانت البشر
الأخطل الصغير

منذ أشهر وأنا أضع “السوناتا” الأخطلية أعلاه إلى جانبي استعداداً لبدء المقال التالي. لكن حالة الانتظار طاب لها المقام حيث اعتاد الوطن الإقامة على حافة الجحيم، أو في قلب جهنم، بحسب التفاؤل الرئاسي.

 منذ أشهر استعد للمقال التالي بهذه التعويذة الأخطلية، متوقعاً أن يعلن هذا الصبور الغفور انفلاته من القفص الذي دُفع إليه، وخروجه من صراع الدمى والاشباح، ويأسه من يقظة الحسّ الوطني، الذي رمَّدته القلوب الاصطناعية، وفقاً لشاعر “أربعاء الرماد” تي. اس. ايليوت. لكن صاحب الاعتذار المنتظر لم يأتِ. ظل هائماً بعيداً عن البؤر والأشراك، يطرح على نفسه سؤال العمر السياسي: هل يخسر واقفاً أم ينسحب رابحاً؟ هل معركته مع البيّاضة نهاية سياسية أم بداية جديدة تتجاوز الإرث الذي جاء به، في أهم دراما عائلية من الدمويات التي ضربت أهل السنّة وهم على كرسي المنصب: رياض الصلح، ورشيد كرامي، وذلك الحريق الرهيب في 14 شباط. وماذا عن رصاصة اطلاق الحرب الأهلية، ألم تغدر معروف سعد؟ ألم يقفز القتل فوق المحظورات وخطوط الطوائف ليردي صاحب العمامة السمحاء حسن خالد، مفتي الجمهورية نفسه؟ ورث #سعد الحريري ايضاً مسؤولية الإسم والعائلة والموقع. ليس ملكه وحده أن يبقى أو أن يتخلّى. وليس شأنه وحده، في هذا الحال المتردي من ضعف الجماعة، أن يبدو وكأنه هُزم أمام مذلل الجمهورية، القاضي في مراجعها، القابض على مواقعها. ما هذه الوقعة يا أبا حسام؟

 مثل كل اسبوع من هذه الاسابيع الضالّة، اهيّىء هذه الابيات وانتظر: هل أقدّم بها لاعتذار الحريري؟ لكن السذَّج من أمثالنا لا يدركون ان نهم التسلط لا يرى الاشياء بعيون الاكتفاء والحمد. لم يعد المطلب استقالة سعد الحريري ونزع التكليف منه في اول فعل من نوعه في حروب لبنان، أو تسوياته، بل اصبح المطلب المعلن الغاء حامي الحمل ومجتهد التوازن. مرة أخرى، وبالخفة السياسية نفسها، لا نرى في الرجل الذي ردّ لبنان عن انياب المتاهات، سوى أنه “بلطجي” يواجه مجموعة من الانقياء والأطهار وذوي الفكر النخبوي.

 هيأتُ رباعية الأخطل الصغير هذا الأربعاء وجلست انتظر. مَن انتظر؟ ماذا ننتظر؟ مَن يعتذر لشعب لبنان، العظيم منه والبسيط العادي. مَن يعتذر؟ سرايا بيروت أم مفوضية البياضة؟ الخيار أم الإكراه؟ الدستور نقياً أم مقيضاً؟ قال رئيس الجمهورية للزميل منير الربيع ان السياسي الوحيد الذي يقول الحقيقة هو وليد جنبلاط. أي ان سائر السياسيين كذبة ومخادعون ربما. لكن هل ينطبق ذلك على كل ما قاله وليد جنبلاط في شجاعة ووقفة ضميرية واستعادة لفرائض الإرث وقواعده؟
لم يكن وليد جنبلاط في حاجة الى الافادة الرئاسية. فالرجل شاهدٌ شجاع وحزين لا يكفّ عن الوقوف عند مدخل روما مردداً للمنتصرين العائدين: تذكَّر انك بشر! ولا يُعطى رجل المختارة حقّه بمنحه شهادة الصدق في فيض المستنقعات السياسية، فهو ايضاً حارس المستويات، وعلامة الثقافة والفكر وسط خواء سياسي متدنٍّ، وهوام اخلاقي، وبحر من الذباب البيولوجي والتكنولوجي والجيولوجي، باعتباره – الهوام – اصبح تاماً، مثل ظلام العقول الثأريّة، التي بلغ بها أنها حوّلت المسيح المشرقي الى سيّاف مثل منصور، سياف هارون الرشيد وعبده.

رجاء، لا تسىء فهمي، خصوصاً في ما يتعلّق بالحريّة والعبوديّة. أي بالموت والحياة. بالفرح والذل. لا تنسَ ان منصور كان عبداً وأن فارس الفرسان عنترة بن شداد كان عبداً ايضاً، وهو الذي قال من علياء نفسه: لا يعرف الحقد مَن تعلو به الرتب. 

الحاقد جلاّد. أما المسيح الذي جاءنا قبل دخولنا زمن المسيحية المشرقية، فقال وهو يودّع آخر قدرة على الكلام، “يا ابتاه، اغفر لهم”. انجيل آخر ذلك الذي يقول، اشتموهم واضربوهم وأفلتوا في اثارهم العَطِرة مَن تسميهم رشا الأطرش، “المواكب العضلية”.

 تُعتبر “الأخوة كارامازوف” أهم اعمال دوستويفسكي. والاكثرية تعتبرها أهم عمل أدبي على الاطلاق. وتشبه الرواية سرداً مفصلاً لحقيقة الصورة البشرية، لا بطل واحداً فيها، بل مجموعة اشخاص كل واحد منهم بطل اول. واحد للشر،  وواحد للحكمة، وواحد للتهتك، وواحد للجريمة، محرضا أو مرتكباً.

 غير ان الرمز الأهم في الرواية هو الإهانة. لا احد يستطيع الحياة مع الإهانة. لا، ولا حتى اليوشا، الطفل الذي صفعَ ديمتري كارامازوف والده، ولم يستطع الأب الفقير، أن يردّ الإهانة. سوف تجد في كل اعمال دستويفسكي طفلاً وإهانة. وتجدهم مجتمعين في “مذلّون مهانون”. وسوف تجد ان العيش في الإهانة موت بلا اعلان. لكن الإهانة والاعتذار في “الاخوة كارامازوف” تتخذ وجهاً معاكساً تماماً عندما يصلان الى “معايير” لبنان: هنا يعتذر من يُهان، وتُضرب الأبنة بأيدي ذوي العضل. 

مَن يعتذر؟ يعتذر والد ياسمين المصري. الفتاة التي وقفت في وجه مواكب العرض. لا يعتذر الذي يكبّل لبنان بلا حكومة وبلا أمل وبلا نوم. يستحق والد ياسمين المصري هذا العقاب السفيه. مثله مثل آلاف المذلّين في الطرقات. مثل آلاف المهانين في بيوتهم ومدارسهم ومكاتبهم وطرقاتهم ومستشفياتهم. 

بدل أن يعتذر صاحب المواكب عن اعتداء مواكبيه على امرأة، اراد ارغامها على الاعتذار. في العصور السابقة لهذا العصر، كانت المرأة في هذه الجمهورية تسمى “حرمة”. وكانت أحق بالمسؤوليات الوطنية من رجال كثيرين، وأكثر حرصاً على المصائر، وأكثر شجاعة في حفظ الكرامة الوطنية. لائحة طويلة مثل منى الهراوي، ونايلة معوض، وعنبره سلام الخالدي، وبهية الحريري، وستريدا جعجع، وكلودين عون، وميرنا البستاني، ولور مغيزل. ولن تجد في صفوف هذه الطبقة العالية رجالاً من ذوي المواكب وثقافات العضل. الذي يخاف الحقيقة على لسان امرأة، ليس وطناً ولا دولة. هذا بلد يكابر فيه المرتكبون ويكابد فيه اللبنانيون. ثمة جوهرة تُعلن عن نهاياتها كل يوم في صور كثيرة، وبشاعات غير مألوفة. وما أغرب الزمن الذي يُفرض فيه على والد ياسمين المصري أن يعتذر عن ابنته، ثم أن تُلتقط  الصورة للإعتذار، تلك الصورة التي تعبّر عن شيء واحد: وجه لبنان الذي بلغناه.

 وخلاصة ما بلغناه هو في التردي المشهور. بلد لم يعد يطيق الطيبين والوسطاء ولا سيدات الحرية. دولة لا تطيق رجل دولة في حجم نبيه برّي، او رجل وحدة مثل سعد الحريري. بلد يُجرَّدُ كل يوم من لبنة أخرى ومن قطعة أخرى من فسيفسائه الجمالية. بلد يعتذر عن قيامه وعن بقائه وعن أنه الذئب الذي عكّر المياه على الحمل. 

أكتب هذه الكلمات وأنا لا أعرف مَن يكون قد اعتذر صباح الأربعاء. لكن مع الاستمرار على هذه الوتيرة من معالم الزوال، سوف يعتذر لبنان عن وجوده، ويُطلبُ منه أن يفعل ذلك راكعاً.