“مَن يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير”

20-04-2021 | 00:12 المصدر: النهار

غسان حجار @ghassanhajjar

“مَن يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير”

تداول اللبنانيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة نصاً للأديب سلام الراسي في كتابه “أجناس البشر”، ومما فيه:يُحكى أن السلطان العثماني سليمان القانوني طلب أن يؤتى إليه بمهندس موثوق بعلمه وأمانته. فجيء إليه بمهندس أرمني اسمه سنان المعمرجي، فعهد إليه بهدم إحدى السرايات القديمة وإنشاء سرايا جديدة مكانها… بعد الإنتهاء من تشييد هذه السرايا، إستدعاه السلطان وقال له: عندما كنتَ تهدم السرايا، استخدمتَ عمالاً ثم استبدلتهم بعمّال آخرين في البناء، فلِمَ فعلت هذا؟قال: “ناس للتدمير وناس للتعمير، ومَن يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير…” قيل إن السلطان أُعجب بحكمة المهندس وعيّنه مستشاراً، وقد شيّد لاحقاً أعظم مباني الدولة العليّة.  ويختم سلام الراسي مقاربته قائلاً: “لا تسويات وأنصاف حلول، ولا يجوز أن يتولى الذين دمروا لبنان إعادة تعميره لأن من يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير…” ولا بأس لو اعتبر اللبنانيون من تلك الرواية لحاضرهم ومستقبلهم، فخير دليل على ذلك ما نعيشه اليوم من أزمات متفاقمة، ومن نزاعات ونكايات وصراعات على مقعد من هنا ومصلحة من هناك، لأننا سلّمنا، طوعاً أو غصباً، ادارة شؤوننا الى الذين دمروا وسرقوا ونهبوا وقتلوا، ثم تربعوا على الكراسي يشكون لنا احوالهم، ويشنّون حملات على فساد من صنيعهم، ويسعون، كل في موقعه، الى تقوية نفسه على حساب الدولة، تلك الدولة التي لم يبقوا منها إلا الهيكل المتصدّع. أيّ حكومة ننتظر حالياً؟ حكومة اختصاصيين يسميهم أهل السياسة أنفسهم، أم حكومة مطعمة بسياسيين من تلك الوجوه المستهلَكة بذاتها، أم حكومة مستقلين لا يمكنهم الانطلاق في العمل بسبب معوقات يفرضها عليهم ازلام السياسيين انفسهم.   إذاً نحن في التجربة مجدداً، وقد ضيّعنا كل “انجازات” انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، والتي عرّت “الزعماء” اللبنانيين وأسقطت من حولهم كل الهالات التي اوجدوها لأنفسهم، سواء بالترغيب أو بالترهيب، وسيّجوها بعشرات الموالين البسطاء او المستفيدين الفاسدين على شاكلة زعمائهم. في حينها، سقطت كل المحرمات، وتعالت الأصوات من أجل التغيير، والانتفاضة على واقع مرير. لكن الواقع – المأسوي المؤسف – أن القوى السياسية نفسها، متواطئة، ومتضامنة، ومتفرقة، تمكنت من اختراق تلك الانتفاضة، مؤيَّدة بالأجهزة الأمنية (التي نخر بعضها #الفساد والولاءات النفعية) وعملت على تفكيكها من الداخل، حتى تحوّلت جماعات شغب شوّهت صورة الانتفاضة، وولّدت رأياً عاماً مناهضاً للحراك الشعبي الذي سقط في فخ الفوضى والتخريب، فانسحب اهله يلزمون منازلهم، ومنهم من شرع في إعداد ملفات الهجرة اذا امكنهم ذلك. هكذا تمكنت تلك القوى (السياسية – الحزبية – المذهبية – الأمنية) من إعادة عقارب الساعة الى الوراء، وجُعِلنا مجدداً في قلب المستنقع الموحل، وصرنا اليوم في عمق عمق الجحيم، بحيث ان لا حكومة، بأي شكل، ستكون قادرة على انتشال البلد مما صار غارقاً فيه. ما يتكرر كل يوم أمام أعيننا، ليس سوى مسرحيات سخيفة أبطالها اناس امتهنوا التدمير، ومراكمة الثروات من اموال الشعب اللبناني، فلا يستحقون تولي المسؤوليات، ولا بناء مستقبل للبلد، وناسه، لان مصير المجرمين الطبيعي السجن او الاعدام.