الرئيسية / home slide / زمن الموجتين الإسرائيلية والإيرانية: مراجعة في الأَحجام

زمن الموجتين الإسرائيلية والإيرانية: مراجعة في الأَحجام

10-04-2021 | 00:08 المصدر: النهار

جهاد الزين

سفن حربية

 ستُكتب هذه الصفحات الراهنة من تاريخ المشرق العربي دون شك على أنها سنوات الامتداد الإيراني. لكن تعقيد التاريخ شاء أن يتقاطع فيه تأثير حدث عالمي في الواقع هو تأسيس دولة إسرائيل البنيوي مع تأثير الامتداد الإيراني. الثورة الإيرانية حدث عالمي أطلق الحقبة الخطيرة التي لازلنا نعيش تداعياتها وإن كنا دخلنا على الأرجح مرحلة أفولها، أي مرحلة الإسلام السياسي الأصولي. عام 1979 كان قد مضى على تأسيس إسرائيل 32 عاما عندما انفجرت الثورة الإيرانية. كيف كنا لنعرف أن الموجة الثانية الكبرى في تحولات دولنا قد بدأت للتو وكيف ستتوسّل الموجةُ الثانية (إيران) الموجةَ الأولى (إسرائيل) من موقع العداء فتدخل على الديناميات الداخلية في العراق وسوريا ولبنان بعدما كانت الموجة الأولى الإسرائيلية قد تحوّلت إلى دينامية تغيير متتابعة في كل العالم العربي فتسبّبت في العديد من دوله، وليس في المشرق فقط، بوصول طبقات جديدة إلى الحكم وسقوط طبقات حاكمة. العداء لإسرائيل منذ العام 1947 هو جزء من الموجة الأولى. والعداء لإسرائيل هو جزء من الموجة الثانية. بين #الموجتين الإسرائيلية والإيرانية ينرسم (بالنون) التاريخ الحديث للمنطقة فتمر الموجات الأخرى بينهما وتبدو الآن كأنها، الموجات الأخرى، أصداء وتداعيات بين الموجتين “الرئيسيتين”! ألهذا الحد باتت الموجتان الإسرائيلية والإيرانية تحاصران تاريخنا بعد 1947 وحاضرنا بعد 1979؟؟! أين أصبحت الموجة الناصرية بكل هديرها وحراكاتها الدولتية والدولية والشعبية؟ وأين أصبحت الموجة السعودية بكل قوتها الهادئة المستندة على أعظم ثروة نقدية عربية منذ الخلافة العباسية وعلى دعوة دينية عميقة فعلت فعلها في كل المجتمعات المسلمة؟ بل أين هي الموجة الفلسطينية بكل صخبها وقوتها المعنوية وتمردها وتأثيرها الحيوي و الخطِر والفوضوي ؟ هل كل هذه الموجات الهامة صارت بقايا زبد يرغي على شواطئ متباعدة بينما بقيت الموجتان الإسرائيلية والإيرانية تهزّان كيانات ومجتمعات المنطقة من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا؟ وهل وصل التاريخ ذروته المدهشة في أن تصبح إسرائيل “قوة استقرار” مقابل إيران ك”قوة عدم استقرار” منهجية وفاعلة؟ وهل يمكن أن تكون إسرائيل تكوينياً قوة استقرار؟! أين يخدعنا الزمن السياسي في هذا المشهد وهل ما يبدو دائما في حالة الامتداد الإيراني مجرد سراب باعتبار إيران أيضا، ولو أنها وافدة حديثاً على المشرق العربي، هي جزء أصيل من منطقة هشة وهي بالنتيجة دولة معاصرة متخلفة حضاريا بينما إسرائيل، الجزء غير الأصيل، هي عضويا من المنظومة الغربية المتقدمة الحاكمة للعالم تتمتع بدعمها وحمايتها؟ نحن اليوم في قلب حراك الموجتين وعلى جيلنا أن يعرف أين الحقيقي من الخادع، القوي من الضعيف، الهش من الصلب، المؤقت من الدائم، في هذا التلاطم الحاصل؟ يخوض النفوذ الإيراني في المنطقة أربع حروب أهلية دفعة واحدة وتخوض إسرائيل عسكريا في ثلاث منها مباشرة. يتوسّل الإيراني دخول قوتين كبيرتين إلى المنطقة كانتا مبعدتين عنها هما روسيا والصين. ‏هل يطارد الإيراني أحلامه كنظام شمولي لا يستطيع أن يعيش بلا توتر أيديولوجي ومذهبي مثلما إسرائيل الديموقراطية والعنصرية لا تستطيع أن تعيش بلا توتر عسكري وعنصري وهو، أي الإيراني، بذلك يلاحق كوابيسه الدائمة مثلما كان الاتحاد السوفياتي الذي عاش سبعين عاما بالنتيجة أسير كوابيسه التي كان يطلقها مجرد إضراب نقابي في بولونيا وهو، السوفياتي، القوة الأكبر والأعظم من الجمهورية الإسلامية التي دخلت الآن عامها الثالث والأربعين؟ قصّر التفاهمُ الأميركي الصيني في السبعينات من القرن المنصرم من عمر الاتحاد السوفياتي، وهو التفاهم الذي أقيم أساسا ضد الاتحاد السوفياتي كما فهمه وأراده ماوتسي تونغ منذ اللحظة الأولى، حتى أن ماو، حسب كتاب هنري كيسنجر “عن الصين”، اعتبره تحالفا بين الصين والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة!! لكن التعاون الصيني الإيراني، والحقيقة أنه تحالف جزئي ثلاثي صيني روسي إيراني، لا يستطيع أن يُخرج أميركا من الشرق الأوسط، فحتى لو “خرجت” أميركا من منطقتنا فهي لن تخرج بوجود قوة عظمى تابعة لها كإسرائيل وبوجود بنية البترو دولار الخليجية. ربما يؤدي هذا التعاون الثلاثي إلى تقليص ما للنفوذ الأميركي، لكن السؤال الواقعي هو هل يستطيع هذا التعاون الثلاثي، من الزاوية الإيرانية، أن يكرّس النفوذ الإيراني في منطقتنا، النفوذ الذي يستفيد من الاشتباك الأوسع بين أميركا – أوروبا مع الصين وروسيا؟ لا تبدو الموجة الإيرانية عابرة سريعا إذا لم يحصل انهيار للنظام الديني في طهران نفسها؟ فهل علينا أن نعوّد أنفسنا على استمرارية ما بما يعني مزيدا من المواجهات؟ والسؤال الآن هل لا زالت لإيران مصلحة في تجديد الاتفاق النووي بصيغه المعلنة وغير المعلنة التي تعني استسلام مشروعها النووي العسكري وخروجها من الصراع مع إسرائيل؟ أم أنها الآن تريد تحسينا جذريا لموقعها عبر رفع شامل للعقوبات التي أنهكتها؟ المفارقة الكبرى في رصد الموجتين الإسرائيلية والإيرانية أن إيران رغم نجاح استثمارها اللبناني في “حزب الله” فهي قوة على هامش الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي كان اسمه الصراع العربي الإسرائيلي، وليس في صلبه بمعنى أن سقف نجاحها هذا لم يستطع أن يؤثر في مصير هذا الصراع الأساسي ولا في وجهته المعيارية لموقع الشعب الفلسطيني.. ف”حزب الله” هو اندلاع صراعي على هامش الصراع الأساسي مهما بلغ من تأثير في لبنان وخارجه وقد أصبح وضعه تعبيراً عن الستاتيسكو الإسرائيلي الإيراني المديد حتى إشعار آخر. ستاتيسكو يلعب الروسي فيه دور “المُلطِّف” وليس مستبعَدا أن تصبح الصين “مُلطّفاً” آخر. ليست هناك “فوضى” دول عظمى في المنطقة اليوم. فالإيراني بهذا المعنى يلعب بين الفِيَلَة، الدول الكبرى، مثلما يلعب بين ثعالب مجتمعاتها لكي يقيم توازن مصالح متضاربة، حروب أهلية وحروب غير أهلية يعتقد من خلالها أنه سيصل إلى استقرار نفوذه في محيط غير مستقر؟
 j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein