الرئيسية / home slide / 61 عامًا على غياب سعيد تقي الدين الذي بيته في رأس الضيعة والأدب

61 عامًا على غياب سعيد تقي الدين الذي بيته في رأس الضيعة والأدب

24-09-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

الأديب سعيد تفي الدين.

عاش الأديب والمسرحي النهضوي #سعيد تقي الدين (1904- 1960) على هذه الارض 56 عاماً، وها نحن بعد واحد وستين عاماً على وفاته نؤدي له التحية مثل الأمس وغداً. فهو لم يزل في تمامه، ولم يزل بيته في رأس الضيعة في ال#أدب والسياسة، كما كان يقول شيخ النقاد مارون عبود.

السؤال كيف نقترب من سعيد تقي الدين، القيمة المضافة والظاهرة الماثلة والمتنوع الموهبة والانتاج الأدبي من القصة القصيرة إلى المقالة إلى المسرح إلى الخطاب إلى الرسالة إلى “رفة جناح”، وقد بلغت الآثار التي تركها 25 كتاباً، 13 منها أنجزها في حياته، و12 أصدرها الباحث جان دايه، وعلى الطريق كتاب جديد بعنوان “الأسماء المستعارة”، وُقّعت نصوصه بأسماء حماد وبشار وشمدص وأبو ديانا، وكتاب بالإنكليزية قيد الإعداد، “مقالات ورسائل”. سعيد تقي الدين لا يزال ينتج. فلا غياب ولا من يحزنون.

في زمانه طارت له شهرة في لبنان والعالم العربي حتى كتب عنه الناقد المصري أنور المعداوي “سعيد تقي الدين أعظم أديب فنان في المهجر، شيء واحد أريد أن أقوله لقراء العربية في كل مكان وهو ان يقرأوا كتاب حفنة ريح”.

هاجر سعيد تقي الدين إلى الغربة، واشتغل في كل شيء، في التجارة والأعمال لكي يعيش ويبدع في الشعر والرواية والمسرح ويتحرر في وقفاته ومواقفه وأحلامه. كان جريئاً وكريماً وصريحاً وواضحاً. كان كريما ليس بالمعنى الحاتمي فحسب بل بالمعنى الإغريقي، أي كرم الروح. كان واحدا من هؤلاء الذين إذا مرّوا في الحياة أخذوا معهم الشهب والصدى والرذاذ والهالة والأثر. أي مهمة تلقى على عاتقه، كانت مهمته الكبرى. وأي دور يحفظ له، كان دور البطولة الاولى. وأي قضية يؤمن بها كانت قضية حياته. نتذكره يصرخ: “كل مواطن خفير”. أو “لا يمكن ان يكون المواطن صالحاً إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: أخلاق رفيعة، وثقافة واسعة، واختصاص عالٍ”. او “ليس المهم ان تصرع التنين المهم ان تصارعه”. او في “لبنان ثلاث دروب سياسية: طريق الحكومة وطريق المعارضة والصراط المستقيم”. هذا الكلام عمره من عمر الجمهورية، ولا يزال هو واقع الحال.

نتذكره في مكتبه في رأس بيروت، كما روى لي الروائي الراحل يوسف سلامة، وفي الغرفة مكتبان: مكتب للنضال والجهاد والقضايا القومية، ومكتب للشؤون الحياتية والمهنية والتجارية. فلا خلط ولا مزج بين الشخصي والعام، ولا بين المادي والمعنوي، ولا بين الدين والدولة. عرفنا ما أصابنا جراء ذاك الخلط الفظيع الذي أوصلنا إلى الفوضى والهدر والفساد والتشبيح.

سعيد ابن بيئته، ولطالما تغزل ببعقلين مثلما يتغزل العاشق بمعشوقته. “بعقلين عاصمة الدنيا” او “الجامعة الاميركية في بعقلين”.

كتب سعيد تقي الدين غير مرة إلى شقيقه بهيج بعد فوزه بالانتخابات النيابية: “تذكر يا بهيج، والدك شو كان يقول ما تنام حدّي وايديك موسخين”.

أحب سعيد والدته حباً جماً، ولعل عودته إلى لبنان لم تكن إلا لأجلها هي، أمه التي كتب لها إهداء في أحد كتبه من الفيليبين: “إلى بعض الله الذي انشطرت عنه ولا أزال منه… إلى أمي، إلى التي أحيت ارضاً بوراً في السفح المطل على قريتنا فزرعتها وهي في السبعين سندياناً لن ترى هي ولن أرى أنا أغصانه، إلى أمي هذه الصحائف”. لكننا نحن رأينا السنديانات وقرأنا الصحائف ولمسنا الحب العظيم. كان يقول لإبنته ديانا: “لا أريد أن يقولوا هذه إبنة سعيد تقي الدين بل أريد أن يقولوا هذا والد ديانا”. أخبرني إبن شقيقته، رمزي علم الدين، أنه عندما كان يصطحبه بسيارته من بعقلين إلى رأس بيروت كان يقول له رمزي: “معليش بنزل عالمفرق”. فيرد سعيد: “ما في معليش أطلب من الناس أن يوصلوك محل ما إنت بتريد”.

قوة سعيد تقي الدين في انه كان أكبر من نفسه، أكبر من صورة اللحم والدم، أكبر من الحياة. في مسرحية “المنبوذ” يضع على لسان شخصية رفيق هذا الكلام: “نعم كنز. لقيت كنزاً. لقيت نفسي. كنت قطرة في مياه لا تروي، تتبخر، ولا شأن لها، عندما كنت وحدي. قفزت إلى النهر، فلم أعد ذرة من مياه. أنا بعض هذا النهر. أنا النهر. النهر الغائر الهائج الواضح الهدف، الجارف ما يعترضه، المعلن بهديره ودويه عن وجوده وثروته وعطائه، وعن البحر الذي يقصد اليه”.

ترك سعيد تقي الدين كل شيء في مطرحه في لبنان وعاد إلى هجرته في الفيليبين ليصارع وقد أتعبته الأيام، ومنها إلى كولومبيا حيث توفي هناك إثر أزمة قلبية حادة. كتب الشاعر والأديب الكبير أمين نخلة (1901-1976) في رثائه هذه الأبيات: حفظ التذكر من سعيد صورة/ باتت لأيام الفراق عتادي/ جمعت عليك مآتم الأضداد/ بعد اختلاف عقائد ومبادي/ لما انقضى زهر الربيع بكى له/ في الأرض أهل ربى وأهل وهاد/ زعموك حرب الضاد رغم جهالة/ أتعق ببيتك با بن بيت الضاد/ كولومبيا أرض السواد ثوى بها/ ما شئت من وضح وبيض أيادي”.

وردَ سعيد تقي الدين قبلنا صفاء الماء ودعا الجميع إلى الوليمة ولم يستثنِ أحدا. نتذكره ونسأل لماذا انتمى إلى صفوف النهضة الاجتماعية بعدما صنع اسمه ومجده الأدبي، وعادة يحدث العكس؟ في ظني لأنه كان صادقاً وأراد خلاصاً مجتمعياً لا فردياً، أراد نهضة بلاده، أراد عقلنة الحضارة وعلمنة المجتمع، أراد للقيم والمبادئ ان تكون سياسة. أراد الوفاء الحقيقي لباعث النهضة. سعيد تقي الدين ذلك القادم الينا من منازل الحقيقة ليثبت ان حكاية الانسان على هذه الأرض هي حكايته مع الكلمة، وان للمناقبية والمبادئ حصة المعنى في الحياة وفي ضمير الناس. لذلك كلما قرأناه جعلنا نردد: الله الله ما أشمخ العقل على العمر… الله الله ما أهزل الايام على الذكاء”.

وبعد، أعطانا سعيد تقي الدين هبة من يتمتعون بالضحك على هذا العالم والسخرية منه وهم يعلمون ان المتعة ينبوع لا ينضب. هبة من يعانون لكنهم مصممون على هزيمة المعاناة وتجاوزها واختراع الأمل وإطلاق الأسهم المضيئة لبتديد الظلمة.

سعيد تقي الدين نتذكره اليوم وكل يوم ونحتاجه ونكتب على رسله وننسج من عباءته، ونراه ينهض كالقلعة ويمشي كالجبل، وينظر كطائر حكيم، فإذا الرياح تهب في شراعه كأخضر الرجاء، كأمل يحيي الأمل، ويدلنا بلا هوادة إلى رؤية جديدة وقيم جديدة وانسان جديد وبلاد جديدة.