6 أطباء يتحدّثون لـ”النهار” عن أكثر أنواع السرطانات شيوعاً في لبنان… ماذا لو أصبح “الخبيث” مرضاً مزمناً؟ #ما_تخاف_منو

خلايا سرطانية. (تعبيرية)49

أثارت أرقام منظمة الصحة العالمية وغيرها من الإحصاءات والأرقام، صدمة عند الرأي العام، لكن ما الذي نقوم به على أرض الواقع للوقوف في وجه “السرطان”؟ كيف يخوض الأطباء معركتهم العلميّة والطبيّة للقضاء عليه أو السيطرة عليه على الأقل؟ إنطلاقاً من أنواع السرطانات الأكثر شيوعاً في لبنان، وعلى مقربة من اليوم العالمي للسرطان المصادف في 4 شباط المقبل، كان لنا حديث مع 6 إختصاصيين في أمراض الدّم والأورام في “معهد نايف باسيل للسرطان” في الجامعة الأميركية في بيروت، لإلقاء الضوء على أهم العلاجات والتحديات التي نواجهها في هذا المجال، وكيفية الوقاية من “السرطان” أو ما يعرف بـ”المرض الخبيث”.

سرطان الرئة والقانون الغائب

البداية كانت مع سرطان الرئة، هذا السرطان الذي يُسبّب أعلى نسبة وفيات في لبنان. يشرح الإختصاصي في أمراض الدّم والأورام في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور عرفات طفيلي، أن “سرطان الرئة يحتل المرتبة الثانية من أنواع السرطانات المنتشرة في لبنان. وفق السجل الوطني للسرطان، ارتفعت نسبة الإصابة بسرطان الرئة من 900 حالة في العام 2008 الى 1200 حالة في العام 2015. علينا أن نعرف أن 1 من أصل 7 من المدخّنين يُصاب بسرطان الرئة، لذلك يكون المدخّن معرّضاً لمخاطر الإصابة بسرطان الرئة 15 مرة أكثر من غير المدخّن، وهذا يشمل السيجارة والنرجيلة على حدّ سواء”.

صدرت في السنوات الأربع الأخيرة دراستان تتناولان الكشف المبكر لسرطان الرئة، وتسلّطان الضوء على سكانر للرئة تكشف سرطان الرئة بمرحلة مبكرة. لذلك من المهم جداً عند إجراء هذه الصورة، وجود برنامج كامل متكامل في المستشفى لمراقبة نتائج المريض؛ بموازاة ذلك، يتمّ العمل مع المريض في برنامج التوقف عن التدخين الذي بات متوافراً في مركز الجامعة الأميركية. ويشير طفيلي إلى أن “هناك معايير محددة يجب أخذها بعين الاعتبار، أهمها أن يكون المريض بين 55 و75 عاماً، والمدّة الزمنية، وكمية السجائر المستهلكة يومياً،  حتى يتمكن من الخضوع لهذا البرنامج”.

برنامج متكامل للحدّ من سرطان الرئة

70 % من مرضى سرطان الرئة يكتشفون مرضهم في مراحل متقدمة، لذلك، عن طريق السكانر يمكن كشف السرطان في مرحلة مبكرة بنسبة 90%. وهذا ما يفسّر نسبة الوفيات المرتفعة بسبب عدم التشخيص المبكر له.

هدفنا اليوم تسليط الضوء على أهمية التشخيص المبكر واستشارة الطبيب بعد سنّ الخمسين للوقاية أو حتى التدخّل المبكر في حال الإصابة بالسرطان. صحيح أن هذا النوع من السرطان أصعب من غيره، لكن بوجود العلاجات الجديدة والمتطوّرة، ومنها العلاج الموّجه والعلاج المناعي تظهر الفعّالية في معالجة سرطان الرئة.

وانطلاقاً من ارتفاع نسبة سرطان الرئة، نجدد المطالبة بتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة. صحيح أن وزارة السياحة تسعى الى دعم السياحة وتغضّ الطرف أحياناً، لكن في المقابل تتكبّد وزارة الصحة ملايين الدولارات بسبب الأمراض الناجمة عن التدخين، وعلى رأسها سرطان الرئة.

تحديات وعلاجات لسرطان القولون

من الرئة الى سرطان القولون الذي يندرج أيضاً ضمن أكثر أنواع السرطانات انتشاراً في لبنان، وفق وزارة الصحة. ترى الإختصاصية في أمراض الدم والأورام، الدكتورة سالي تمراز، أنه “بالرغم من عدم وجود أرقام دقيقة في هذا الموضوع إلا أن غالبية حالات سرطان القولون تُكتشف في مراحل متقدمة نتيجة الإهمال وعدم زيارة الطبيب بشكل دوري ومستمر. لذلك نشدّد على أهمية التشخيص المبكر. أما الأعراض التي تدفعنا الى التشخيص والشكّ باحتمال الإصابة بسرطان القولون هي التغيير في العادات اليومية في دخول الحمام (زيادة الإمساك أو الإسهال)، ظهور دمّ في الخراج، خسارة الوزن غير المبررة، بالإضافة الى آلام البطن (ألم خفيف أو حاد).

ما لا شكّ فيه أن “العامل الوراثي يلعب دوراً رئيسياً في الإصابة بالسرطان، والذي يجب أخذه بعين الاعتبار عند التقصّي في التاريخ العائلي للمريض. إذا كان لدى المريض أي فرد أُصيب بسرطان القولون أو سرطان الثدي أو البروستات، تزيد لديه مخاطر الإصابة بالمرض. بالإضافة إلى عوامل أخرى وأبرزها: استهلاك الأطعمة الجاهزة التي أثبتت الدراسات ارتباطها بمخاطر الإصابة بهذا النوع من الأورام السرطانية. في حين تلعب الأطعمة الغنيّة بالألياف والخضراوات والقمحة الكاملة والرياضة دوراً في حماية القولون والوقاية من السرطان.

الفيتامين د والأورام السرطانية

كذلك، أشارت تمراز إلى أن “الدراسات الحديثة أظهرت أهمية الحصول على الفيتامين D، واللجوء إلى مكمّلات غذائية لتعويض هذا النقص، لأنه يحمي من الإصابة بسرطان القولون وغيرها من الأورام السرطانية”. كما تنصح كل شخص ليس لديه تاريخ عائلي، إجراء منظار للقولون في عمر الخمسين، أو فحص (فحص الدّم للخراج). وتكمن أهمية هذه الفحوصات في الكشف المبكر عن ثآليل في القولون أو أي ورم، والشفاء منه بنسبة 80-90 %. أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي ننصحهم بإجراء هذه الفحوصات في عمر الأربعين”.

تعترف تمراز أن ما نشهد اليوم من علاجات متطورة فتحت الباب أمام خيارات واحتمالات كثيرة، حسب كل مريض وحالته. عادة نلجأ إلى جراحة القولون عندما نكون في المراحل الأولى من السرطان، بالإضافة إلى العلاج الكيميائي الوقائي (في حال إصابة الغدد الليمفاوية). أما في المراحل المتقدمة من السرطان، من المهم أن نعرف أنه حتى في انتشاره الى خارج المصران، نأخذ دائماً بالاعتبار خيار الجراحة. وفي هذه الحالة نلجأ إلى العلاج الكيميائي سواء قبل أو بعد الجراحة”. هنا لم نعد فقط نتحدّث عن علاجات جديدة وإنما بات على المريض أن يخضع للجنة طبية تشمل فريقاً متكاملاً من الجرّاحين والإختصاصيين في أمراض الدم والأورام والأشعة للبحث عن أفضل علاج.

من مرض مميت الى مرض مزمن

لا يُخفي الإختصاصي في أمراض وأورام الدم وزراعة نقي العظم، الدكتور جان الشيخ، ارتفاع حالات السرطانات، ومنها سرطان الدم والليفوما. بشكل عام، شهدنا منذ العام 2006 تطوراً كبيراً في أدوية سرطانات الدم مقارنة بباقي السرطانات. فالبرغم من ازدياد الإصابات بهذا السرطان في السنوات الأخيرة، إلا أن الأدوية الموجهة والعلاج المناعي نجحا في الشفاء من سرطانات الدم بشكل ملحوظ. باختصار، واكبَ هذه الزيادة في الإصابة، تطورٌ كبيرٌ في وسائل العلاج، سواء في الشفاء منه أو التعامل مع هذه العلاجات بطريقة أسهل من العلاجات الأخرى، وبالتالي شكّل ثورة في علاج سرطانات الدم.

يغوص الشيخ في شرح هذا التطور الملحوظ للعلاجات بالقول: “كان مرض
“Hodgkin Lymphoma”
مميتاً في السنوات العشرين الماضية ونسبة شفائه لا تتخطّى الـ50%، في حين وصلت نسبة الشفاء منه الى 80ـ90% في 2018، إذا تمّت معالجة المريض بطريقة صحيحة. أما بالنسبة إلى النوع الثاني من الليمفوما
Non- Hodgkin Lymphoma ”
فزادت نسبة شفائها بشكل كبير”.

“لحسن الحظ أن هذه العلاجات متوافرة في لبنان ومعترف بها دولياً، لكن المشكلة تكمن في صعوبة تأمينها من قبل الجهات الضامنة، وبالتالي صعوبة المريض في الحصول عليها”. نفتقر إلى سياسة صحية إقتصادية، تعتمد على إعطاء المريض دواءً مرتفع السعر ومن ثم شفاؤه عوض إعطائه علاجات رخيصة ودخول مستشفى وزيادة نفقات على مدى بعيد. بات لافتاً تحوّل بعض أنواع السرطانات من أمراض مميتة إلى أمراض مزمنة تستلزم أدوية مدى الحياة.

سرطان البروستات… الأكثر انتشاراً عند الرجال

رأت الإختصاصية في علم الأورام الخبيثة في الجامعة الأميركية في بيروت وأستاذة مساعدة، الدكتورة ديبورا مخرجي، أن “سرطان البروستات يُعدّ أكثر الأورام شيوعاً عند الرجال في لبنان، لذلك يكون مفتاح التوعية في هذا النوع من السرطان بالتشديد على أهمية إجراء الفحوصات الدورية وفحص الـPSA لكل الرجال الذين تجاوزوا الخمسين عاماً. أما في حال وجود حالات عائلية، ينصح بإجراء الفحصين بعد تجاوز الـ45 عاماً. إذ إن الكشف المبكّر يساعد في نجاح العلاج وفي تأمين الشفاء والحدّ من الوفيات الناجمة عنه”.

في رأي مخرجي “تكمن المشكلة الأساسية في أن المريض لا يشعر بأي عوارض إلا في مرحلة متقدمة من المرض. وفي هذه الحالة لا يوجد علاج جذري أو شفاء، وإنما توجد علاجات لتأخير احتمال الوفاة. في حين يكون الشفاء ممكناً عندما يُشخَّص المرض في مرحلة مبكرة، وفي هذه الحالة يبحث المريض مع طبيبه عن نوع العلاج سواء أكان علاجاً شعاعياً أم جراحياً (عملية الاستئصال).

وأشارت إلى أن “نوع السرطان ودرجته هما الأساس في تحديد نوع العلاج ونسبة نجاحه. إذا كان السرطان محصوراً في البروستات فإن نسبة العلاج تصل الى حدود 90-95%، أما في حالات السرطان المنتشر، فيمكن اللجوء الى العلاجات الهرمونية والكيميائية، أو العلاج بالطاقة النووية، أو العلاجات المناعية الجديدة التي تحفّز قدرة خلايا جهاز المناعة للمريض على مواجهة الخلايا السرطانيّة. وأدّت جميع هذه العلاجات إلى زيادة أمد الحياة عند المصابين به من عامين بعد انتشار المرض الى نحو 5 أعوام.

العناية التلطيفية

يوضح الإختصاصي في أمراض الدم والأورام والعناية التلطيفية في المركز الطبي، الدكتور أنطوان فينيانوس، أن “هدفنا مساعدة المريض بالأعراض الجسدية التي يعاني منها سواء ضيق التنفس، الآلام، المضاعفات نتيجة العلاجات والمشاكل النفسية والعائلية والاجتماعية التي تؤثّر عليه أو يتأثر بها بعد الإصابة بالسرطان. لذلك ندخل في كل جوانب العائلة حتى نتمكّن من التعامل مع مريض السرطان، وقد جاء برنامج العناية التلطيفية الذي أُطلق في العام 2013 وأثبت فعّاليته وأهميته بعد انطلاقه بزخم في العام 2016 ليكون بمثابة السند المعنوي الذي يساعد المريض وعائلته على التعامل مع السرطان بطريقة أفضل”.

في العودة إلى السنوات الماضية، نلاحظ وفق فينيانوس “زيادةً بنسبة 45% للذين خضعوا لبرنامج العناية التلطيفية من عام 2017 حتى العام 2018. وهذا ما يشير أيضاً إلى تقبّل المريض أكثر لهذا المرض والتعامل معه في بعض الحالات على أنه مرض عادي وليس “هيداك المرض” والخوف من ذكر اسمه.

نقلة نوعيّة في النّظر إلى السرطان

لذلك، خلال تعاطينا مع المريض، نركّز دائماً على أن يذكر المريض تسمية السرطان حتى يتمكّن من وضع الإصبع على الجرح، وبالتالي مواجهته وليس الهروب منه. وبفضل العلاجات المتطورة والفعاّلة ونسبة الشفاء، أصبح هناك وعي عند الناس حول السرطان وإصرارهم على عدم تعذيب المريض بعلاجات لن تجدي نفعاً في حال كان السرطان متقدماً. يُشكّل هذا التقبّل نقلة نوعية في النظر إلى السرطان على أنه مرض يوازي بخطورته بعض الأمراض الأخرى كفشل الكلى والقلب والتي تُسبب أيضاً حالات وفاة”.

ويضيف فينيانوس: “نحن نتابع المريض في المستشفى وفي المنزل، نتحدث مع المريض وعائلته عن كل الخطوات الحالية والمستقبلية. وفي حال كان المريض ساكناً في بيروت، تستكمل جميعة “بلسم”، واحدة من الجميعات التي نتعاون معها، ما بدأناه مع المريض. كما يعتمد البرنامج، في حال وفاة المريض، على متابعة عائلته لمدة سنة للتأكد من عدم وجود أي مشكلة نفسية أو حالة اكتئاب شديدة، والوقوف إلى جانبهم لتخطّي هذه المأساة”.

رؤية علمية في وجه السرطان

قراءة سريعة ومتنوعة لأكثر أنواع السرطانات انتشاراً في لبنان، تُظهر أن الأبحاث والسياسات الصحية والعلاجات المتطورة لم تكن لترى النور لولا العمل الدؤوب والرسالة الإنسانية للأطباء. في لبنان، تلفتنا مساعي وجهود “معهد نايف باسيل للسرطان”، وإطلاقه “صندوق دعم مرضى السرطان” الذي تمّ تأسيسه من قبل البرفسور علي طاهر والسيدة هلا دحداح أبو جابر لمساعدة المرضى البالغين. 

تلمس، حقيقةً، عند الدخول إلى “معهد نايف باسيل للسرطان” في الجامعة الأميركية في بيروت مدى جدية التحدّي، والمعركة التي يخوضها الفريق بكل طاقمه الطبّي والإداري لمواجهة هذا “السرطان”. عندما تصغي إلى مدير معهد نايف باسيل للسرطان وشريك مؤسس “صندوق دعم مرضى السرطان” البروفسور والإختصاصي في أمراض الدم والأورام علي طاهر، تدرك أن ما يحاول بناءه لا يعتمد على الوقت وإنما على الرؤية والأهداف التي تسعى إلى محاربة السرطان علمياً.

ويشرح طاهر عن تلك الرؤية قائلاً: “نسعى جاهدين لترسيخ مكانتنا الرائدة في لبنان والمنطقة لنكون المرجع الموثوق في علاج مرضى السرطان ودعمهم عبر تيسير الأبحاث التي بلغت في العام 2017 حوالى 96 بحثاً علمياً، بعد أن كانت 80 في العام 2016 و73 في العام 2015. تدفعنا أرقام المرضى والزيارات إلى مركزنا إلى زيادة المسؤولية. شهدنا 15 ألف زيارة إلى العيادات و16 ألف زيارة إلى مركز العلاج و4 آلاف حالة جديدة. هذا الواقع يزيد من عزيمتنا وإصرارنا على اتخاذ إجراءات وقائية تجاه مرض السرطان من خلال تعزيز الوعي والأبحاث والعلاجات للقضاء عليه”.

وينهي طاهر قائلاً “هكذا انطلقت مهمتنا في معهد نايف باسيل، واستُكملت في إطلاق صندوق “دعم مرضى السرطان” لتوفير الدعم المادي والمعنوي والنفسي لمرضى السرطان في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت. والأهم من ذلك، نعمل جاهدين على تطوير ودعم الأبحاث المتعلقة بالسرطان، ونشر ثقافة الوعي والتشخيص المبكر لتفادي حالات الوفاة، والتخفيف من هذا الصعود المخيف لحالات السرطان في لبنان”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*