الرئيسية / home slide / “حماس” المصابة بالكريسماس

“حماس” المصابة بالكريسماس

سامي حسن|الخميس24/12/2020
Almodon.com

غزاوية تزيّن متجرها في العيد (غيتي)

في محاولة منها لامتصاص ردود الأفعال الفلسطينية الغاضبة، على تعميمها الصادر بتاريخ 15 ديسمبر 2020 والقاضي بسلسلة من الفعاليات للحد من تفاعل الفلسطينيين مع عيد الميلاد (الكريسماس)، أصدرت وزارة الأوقاف التابعة لـ”حماس” بتاريخ 19 ديسمبر 2020، توضيحاً أكدت فيه أن المسيحيين الفلسطينيين هم شركاء في الوطن، وأن المقصود من التعميم هو أن يعرف الفلسطينيون المسلمون الأحكام الشرعية المتعلقة بمشاركتهم احتفالات وأعياد غير المسلمين، وأن يوضح لهم عواقب ذلك!

إذن، فأحكام شريعة “حماس”، تحرّم على أكثر من 95% من الغزيين مشاركة شركاء الوطن، أعيادهم واحتفالاتهم! ينطبق على “حماس”، وبجدارة، المثل الشعبي القائل “جاءت لتكحّلها، فأعمَتها”. فبدلاً من أن تعترف “حماس” بخطئها وتعتذر عما فعلت وتسحب تعميمها، جاءت بتوضيح يؤكد خطيئتها! فهي تتحدث عن المسيحية وكأنها دين غريب عن منطقتنا، وعن المسيحيين الفلسطينيين كأنهم أتوا من مكان غير معلوم، متجاهلة أن المسيحية ولدت في فلسطين، وأن الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، هم سكان هذه الأرض الأصليين. ربما تنتظر “حماس” منا، أن نشكرها، لأنها لم تأخذ الجِزية بعد من المسيحيين في غزة؟

في ردّه على تعميم “حماس”، أشار الأب ابراهيم فلتس إلى أن “حماس”، بدلاً من أن تسخّر جهودها وإمكاناتها ومواردها من أجل رفع الحصار عن غزة، وإنهاء الانقسام، وتعزيز التكافل الاجتماعي، فقد جنّدتها من أجل الحد من التفاعل مع الكريسماس. وهي بذلك تساهم في تعزيز الانشقاق والشرذمة ونشر الكراهية بين أبناء الشعب الفلسطيني. وتساءل: “لماذا يا حماس؟ ما عساه يخيفكم من مشاركة الشعب الفلسطيني كلّه في مظاهر هذا العيد، والاحتفال به وتزيين شجرة الميلاد وإنارتها؟ أي مظهر ديني من مظاهر هذا الاحتفال يرعبكم؟”. وتابع: “لماذا تحرمون الأطفال فرصة الشعور بالبهجة والفرح، أقله بضعة أيام في السنة، هم الذين يعيشون البؤس والخوف والشقاء طيلة أيام السنة؟”

قد يكون تعميم “حماس” في شأن الكريسماس، مفاجئاً، وربما صادماً للبعض، لكن حقيقة الأمر أنه يأتي في سياق سياسة أسلَمة المجتمع الغزي وفرض أحكام الشريعة عليه، وبالقوة، وهي السياسة التي دأبت حركة “حماس” على تطبيقها منذ استيلائها على السلطة في قطاع غزة في العام 2007. الأمثلة على ذلك كثيرة، ويعرفها جيداً أبناء غزة، منها على سبيل المثال، منع الاختلاط بين الذكور والإناث في المدارس والجامعات وصالات الأفراح، منع المدرسين الذكور من التعليم في مدارس البنات، زيادة حصص التربية الإسلامية في المدارس على حساب النشاط الحر، فرض ارتداء الحجاب واللباس الفضفاض، فرض الحجاب على المحاميات في المحاكم، ومنع ارتداء لباس البحر على الشاطئ، ومنع الرجال من العمل في محلات بيع الألبسة النسائية، ومنع النساء من تدخين النارجيلة في المطاعم. وبلغ الأمر حد تغيير اسم إحدى مدارس الإناث في مدينة رفح، من “الشهيد غسان كنفاني” إلى “مرمرة”!

كما دأبت “حماس” على تقسيم الفلسطينيين، وتصنيفهم، ومنحهم شهادات الوطنية، وتكفيرهم، تبعاً لمعتقداتهم وأفكارهم. فرغم نعيها الراحل جورج حبش، ونعي خالد مشعل لمحمود درويش، فإن ذلك النعي، كان قيل، كان شرّاً لا بد منه، أملَته مكانة الراحلَين لدى الشعب الفلسطيني. أما حقيقة الأمر، فهي أن “حماس” كانت تروّج بين كوادرها وأوساطها، بأن هذين الرمزَين الفلسطينيَين الكبيرَين، كانا كافرَين وملحدَين، لا تجوز عليهما الرحمة! و”حماس”، بموقفها هذا، لا تختلف عن مواقف أخواتها في تنظيم الإخوان المسلمين. ولنا في موقف “إخوان” سوريا من رحيل المفكر صادق العظم، مثال على ذلك.

تدرك “حماس”، حالها في ذلك حال كل السلطات الاستبدادية، أهمية حضورها في الحقل الأيديولوجي، بل وهيمنتها عليه. وأن القمع وحده غير كاف لضمان سيطرتها على المجتمع. فلطالما ثارت الشعوب ضد أنظمتها القمعية، ولعلنا لم نغادر بعد أجواء الربيع العربي، وسقوط الكثير من الطغاة. من هنا، يمكن تفسير موقف “حماس” المتطرف اتجاه كل ما هو وطني أو قومي أو يساري، وكل رأي مخالف لها. فتكريس حضورها بين الفلسطينيين يتطلب الشدّ الدائم للعصبية الدينية الإسلامية، لأن أي رخاوة في ذلك، يعني خروج جمهور “حماس” من دائرة سيطرتها السياسية والإيديولوجية. بهذا المعنى، فإن احتفال الفلسطينيين بأعياد المسيحيين، يعني خلخلة تربة التعصب الديني الذي تتغذى عليه “حماس”. الأمر نفسه يمكن لحظه لدى أي قوة دينية سياسية، في أي مكان، إسلامية كانت أم مسيحية أم يهودية…الخ.

مع ذلك، ورغم كل ما سبق، يمكن القول أن “حماس”، وبدافع من مَصالحها، ولتكريس سلطتها، قد تمارس البراغماتية بأعلى درجاتها، وتتجاهل الاختلافات الإيديولوجية والسياسية؟! الأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها، موقفها من إيران وتابعها “حزب الله” اللبناني. فرغم الصراع المذهبي المعروف بينهما، إلا أن ذلك لم يوقف سيل لعاب “حماس” للمال الإيراني. وينسحب الأمر نفسه على موقفها من النظام السوري، الذي تلوح اليوم بوادر إعادة تطبيع العلاقات معه، رغم ما ارتكبه من مجازر في حق الفلسطينيين ومخيماتهم. بل إن فتاوى “حماس” جاهزة لتبرير عقد التفاهمات والاتفاقات مع الجانب الاسرائيلي!

ليس هناك ما يدعو للتفاؤل بأن تقوم “حماس”، ذات يوم، بمراجعة نقدية لفكرها وممارساتها، لكن التفاؤل كبير بوعي الفلسطينيين وضِمناً الغزيين. فلنختُم بغزة، وبما دوّنه الكاتب الساخر، أكرم الصوراني، في صفحته في فايسبوك” “كيف بدهُمش نشارك أهل البلاد الأصليين أعياد الميلاد المجيد، وإحنا ما بناكل إلا من تحت إيدهم، ورغيف الخبز، والمناقيش بزعتر والكعك بسمسم والقرشلة باليانسون ومخبز العائلات في غزّة، يشهد”.