الرئيسية / home slide / ليحلم الحريري

ليحلم الحريري

نديم قطيش – الأحد 29 تشرين الثاني 2020
https://www.asasmedia.com/news/387512

حين استقال الرئيس سعد الحريري بعد أقلّ من أسبوعين على اندلاع “ثورة 17 تشرين” 2019، قال إنّه فعل ذلك “استجابة لإرادة الكثير من اللبنانيين الذين نزلوا إلى الساحات للمطالبة بالتغيير”، مقرّاً بأنّه حاول أن يجد مخرجاً “نستمع من خلاله لصوت الناس، ونحمي البلد من المخاطر الأمنية والاقتصادية والمعيشية”.

بدا الحريري أنّه فهم أنّ الحلول ستأتي من خارج قوى النظام السياسي التقليدية، أقلّه بمثل ما يحصل في العراق مع حكومة مصطفى الكاظمي..

بيد أنّه وقبل أن يعاد تكليفه، عشية الذكرى السنوية الأولى للثورة، مهّد الحريري لعودته في إطلالة إعلامية مع الزميل مارسيل غانم بالقول: “أنا مرشح لرئاسة الحكومة من دون جميلة حدا”، أي بالاستناد الى قواعد النظام التقليدية، وترؤسه كتلة نيابية تمنحه صفة تمثيلية أكيدة لدى الطائفة السنية.

ثم عاد وأضاف أنّ في باله تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين لفترة ستة أشهر تعيد وضع البلد على سكّة النجاة، منتقداً عدم استقلالية الاختصاصيين الذين شكّل منهم الرئيس حسان دياب حكومته. أي عاد إلى مربع خارج القوى التقليدية للنظام السياسي.

لا يتحمّل الحريري وحده بالطبع مسؤولية الارتباك الذي يعبّر عنه هذا التقافز من داخل تقاليد النظام السياسي إلى خارجها، والعكس. فقوى النظام سقطت، ولم تسقط في الوقت عينه. هذا ما تعبّر عنه هوّة انعدام الثقة الهائلة بين جزء كبير من الناس وبين النخبة السياسية الحاكمة، التي سقط ممثلّوها في امتحان الانتخابات الطالبية الجامعية سقوطاً مذلّاً، ودّالاً على مزاج الناس لو أجريت انتخابات نيابية مبكرة.

عاد وأضاف أنّ في باله تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين لفترة ستة أشهر تعيد وضع البلد على سكّة النجاة، منتقداً عدم استقلالية الاختصاصيين الذين شكّل منهم الرئيس حسان دياب حكومته. أي عاد إلى مربع القوى التقليدية للنظام السياسي

مشكلة الحريري أنّه في هذه اللحظة الجنائزية لقوى النظام السياسي اللبناني، قرّر الدفاع عن النظام وقواه وكأنّه ابن تاريخي لهذا النظام، وهو أقل أبنائه نسباً شرعياً له. بالكاد يمكن اعتبار والده الشهيد رفيق الحريري ابناً للنظام، الذي هبط عليه من خارجه تماماً، وإن أحسن انتحال صفة الانتساب إليه لتمرير مشروعه النهضوي الفريد في تاريخ لبنان، وربما في المنطقة!

فكيف ينصاع الحريري لصوت الناس ويستجيب لإرادتهم، متبرّعاً في الوقت نفسه بإقناع رئيس الجمهورية بتهريب “التدقيق المالي الجنائي” على قاعدة “لا يموت الديب ولا يفنى الغنم”! وأما الديب فهو قوى النظام السياسي مجتمعة برئاسة حزب الله، وأما الغنم فهم الناس الدين فنيت أعمارهم ومدّخراتهم وهم يموّلون شهوات الديب وفساد سياساته.

لمصلحة من يضع سياسي نفسه، في هذا الموقع، بعد أن اكتسب من ثورة اللبنانيين فرصة ثانية، ولو غير مضمونة، لإعادة ابتكار نفسه وتفعيل المخزون المجيد لإرث أبيه؟

لمصلحة من يكلّف نفسه بدور شيخ الصلح بين قوى متهالكة، تستكمل معارك سابقة من ثمانينيات القرن الماضي؟

فهل يملك اللبنانيون أدني الشكوك بفحوى الاشتباك الأخير بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري.. يلوّح الأول بالتدقيق الجنائي، وهو المدان ولو بشكل غير مباشر من خلال عقوبات أميركية على “نصفه الثاني” بسبب تهم بالفساد.. فيردّ الثاني بالتلويح بقانون انتخاب يتوسّل سلاح العدد الشيعي، وذخيرة الاستنفار المذهبي، ومتاريس رعب الطوائف، وهو يلهو بمفردات الدولة المدنية!

مَن من اللبنانيين، الذين يقول الحريري إنّه يريد الاستماع اليهم، معنيّ بهذه المعركة التي تدور رحاها بين قوى مدانة سلفاً، لا يرجو اللبنانيون لها إلا “هلاك الظالمين بالظالمين”؟

لو أنه دخل على خط هذه المعركة بصوت الناس، لاستنزاف مصداقية الاثنين معاً، ولكان فضح الطبيعة الانتهازية الكيدية لهذا الاشتباك.

على العكس، بدا الحريري في موضع الاصطفاف، مع الثنائي الشيعي، وتحديدًا الرئيس نبيه بري، مكلّفاً بالدفاع عن وجهة نظر العنوان الأبرز والأشمل في التجربة اللبنانية لكل ما انتفض اللبنانيون ضدّه منذ أكثر من عام.

خطأ الحريري الثاني الأفدح، إلى جانب موقفه من التدقيق المالي الجنائي، هو الآلية التي اعتمدها في تشكيل الحكومة، على قاعدة مسايرة الشيعة (ووليد جنبلاط) والخضوع لمشيئتهم في تسمية وزرائهم، أو أقلّه إعطاء هذا الانطباع بما يكفي من مصداقية… في مقابل التصلّب بالعنوان نفسه مع المسيحيين وتحديدًا جبران باسيل، ما وسّع دائرة الاستفزاز لتشمل بكركي نفسها، التي وجّهت انتقادات مباشرة لأداء الحريري في عملية التأليف.

أعطى هذا السلوك جبران باسيل صفة الضحية “وإن كانت لا تشبهه إطلاقاً”، ووفّر له ما يكفي من ذخيرة، للشحن المذهبي الذي يجيده، حول عنوان يمتلك مقداراً من المشروعية وسط الجنون المذهبي والهوياتي المندلع في لبنان.

هل يملك اللبنانيون أدني الشكوك بفحوى الاشتباك الأخير بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري.. يلوّح الأول بالتدقيق الجنائي، وهو المدان ولو بشكل غير مباشر من خلال عقوبات أميركية على “نصفه الثاني” بسبب تهم بالفساد.. فيردّ الثاني بالتلويح بقانون انتخاب يتوسّل سلاح العدد الشيعي

سبق ذلك توسّل “مهين” لأسعد حردان بغية تأمين غطاء مسيحي وغطاء رقمي لتكليف الحريري، ما شكّل ذروة اللحظة الدراماتيكية في مسيرة سياسي شاب، وجد نفسه يقدّم أوراق الانتساب للنظام في لحظة موته السريري.

المقرّبون من الحريري يروّجون أنّ بحوزته تشكيلة راقية من أسماء لبنانية لا غبار عليها ومن أصحاب الإنجازات العملية وليس السمعة فقط. ولو قُدّر له أن يقرأ هذه الأسطر، لعرف أنّ عليه إعلان تشكيلته اليوم أمام الرأي العام اللبناني، لئلّا يضيّع فرصة قلّما تتكرّر لسياسي أن يعيد إنتاج نفسه وصورته وسمعته.

هكذا يكون سماع صوت اللبنانيين، وهكذا يكون استخلاص عِبَرَ الثورة ودروسها. الارجح أنّه لن يُسمح للحريري بتكوين “الفريق الحلم”.. أو أنّه هو نفسه لا يرى “حيثيته” المستجدة بالانقلاب على الواقع المليء بالظلم المعنوي والمالي والسياسي و”الدولتي”. الدولة التي يحكم أداؤها الدستور فقط لا غير. فإذا لم تحصل العودة إلى “الكتاب” في ظلّ الانهيار الكامل، فمتى تحدث؟

هي المرة الأولى وربما الأخيرة التي لا يستطيع فيها أحد أن يصادر منه القدرة على الحلم مجدّداً.. في جيبه تكليف يمكن له أن يستخدمه ليعيد الأمل الى اللبنانيين، وأن يقدّم كلّ التشكيلات الممكنة التي تحاكي صورة لبنان الذي يستحقّونه، وأن يسدّد باسمهم ضرباتٍ إضافية لسمعة ومستقبل قوى النظام الكاسرة..

تقول إلينور روزفلت، الناشطة والديبلوماسية والسياسية، وزوجة الرئيس الأميركي العظيم ثيودور روزفلت:

“المستقبل ملك للذين يؤمنون بجمال أحلامهم”..

المستقبل!! يا لروعة الصدف.

عُد إلى الحريرية الأصيلة دولة الرئيس. ما لم تكن الحريرية حلماً، فماذا تكون؟