الرئيسية / home slide / مطاحن سعيد الكفراوي

مطاحن سعيد الكفراوي

 صبحي حديدي
القدس العربي
16112020

«مدينة الموت الجميل» 1985 المجموعة القصصية الأولى للقاصّ المصري الكبير سعيد الكفراوي (1939 ـ 2020) الذي رحل عن عالمنا مؤخراً، تتصدرها قصة بعنوان «لابورصا نوفا»؛ تبدأ من القرية وطقس التعميد في مياه النيل، وتنتهي في القاهرة حيث الحلم رؤيا حسّية وميتافيزيقية في آن معاً. تاريخ كتابة هذه القصة يعود إلى مطلع العام 1974 ومستويات النضج الذي تتصف بها لجهة تقنيات القصّ وبناء المناخات ومغايرة الأماكن وتوظيف اللغة، وخصوصية الانتقال من أسطورة القرية إلى أسطورة المدينة… كانت، وسواها، معطيات ملموسة آسرة تؤكد أنّ الكفراوي تأخّر في إصدار مجموعته الأولى؛ لأسباب لعلّ في رأسها أنه كان يعيش «مطحنة» تجريب عارمة، سوف تنتهي به إلى تباشير أسلوبية أولى متميزة تماماً، وهذه سوف تتكفل بإفراد مكانته الخاصة العالية في النوع الجميل والنبيل والشاقّ الذي نسمّيه القصة القصيرة.
خذوا، على سبيل المثال، مستهلّ القصة: «كان أبي الشيخ قد عمدني ثلاثاً في بحر النيل. كنت طفلاً صغيراً أعشق النهر والحارة وجوادي الأشهب. شرقت بالطمي وصرخت مفزوعاً وأنا أغطس في النهر. صاح بي أبي: اجمد يا ابن الناس. ماء النيل يرمّ العظام، ولا يروي القلوب كمائه. كان ذلك في زمن الفيضان، شربت الماء بطينه وعلى جوانب الصدر تكونت جزر اسميتها «الوطن»». وإذْ يحرص الكفراوي على شحن جملته الشعرية بمعطيات مادية ملموسة، يجيء خلالها النيل «حاملاً الطحلب وورده وجثث المغضوب عليهم»، كاشفاً «قمراً قروياً يلوح مختلطاً بدخان، يركض خلال السحب الشاحبة، فوق الأزقة العتيقة»؛ فإنّ باطن المدينة، عبر حاناتها ومقاهيها ومتاهاتها الليلية، ليست أقلّ من «تمثال قديم من الصخر القديم لإله قديم» تارة، أو تارة أخرى تجسيد عروس النيل العتيقة في إهاب امرأة غامضة تشارك في ضياع الليل البهيم، لا تمنع الكفراوي من ضخّ جرعة واقعية صادمة عن طريق الإتيان على ذكر أسماء مثل محمد عفيفي مطر ومحمود الورداني!

أحد كبار أساتذة القصة القصيرة العربية يرحل اليوم، ومدينة الموت الجميل ذاتها لا تحيا من بعده فحسب، بل تهيل على جسده النحيل مزيداً من طمي بحر النيل

كان لافتاً كذلك، دون أن يبدو مدهشاً أو طارئاً في الواقع، أن يلجأ الكفراوي إلى تقنيات في القصّ تراوغ السرد الروائي، على طراز قريب من الخيارات التي أخذ تيار الوعي يكرّسها في أعمال روائية عربية عديدة، خاصة بعد ترجمة جبرا إبراهيم جبرا لرواية وليم فوكنر «الصخب والعنف»؛ بل لقد استخدم الحرف الأسود للإيحاء بتعدّد الصوت وتغيّر النبرة وتكثّف الشعور. ولم يكن مشهد كتابة القصة القصيرة المصرية في الستينيات، مع أمثال مجيد طوبيا وعبد الحكيم قاسم ومحمد البساطي وإبراهيم أصلان، يتيح هذه الهوامش التجريبية الواسعة، فحسب؛ بل كان يستولد، أيضاً، سياقات تفاعلية مع خصوصيات قصة زكريا تامر في سوريا أو توفيق يوسف عواد في لبنان مثلاً؛ إلى جانب الاستمرار في استدخال منجز نجيب محفوط ويحيى حقي ويوسف إدريس في مصر ذاتها.
ولن يطول الوقت حتى يكتسب الكفراوي خلاصات أسلوبية بالغة الحيوية، ظلت تتطوّر وتغتني باضطراد داخل معترك واسع النطاق من الموضوعات والمناخات والتجارب، فتشكلت تدريجياً تلك «البصمة» التي ميّزت فنّ الراحل على الدوام: المزج البارع، والرفيع، بين الأنماط البشرية التي تحمل عبء تمثيل المشهديات المحلية، في القرية غالباً لكن ليس حصرياً؛ وتكثيف العناصر الداخلية المكوّنة لمعادلة القصّ الإجمالية، البسيطة عن سابق قصد، لكن غير المبسطة البتة. جزء تكويني تالٍ من البصـــمة إياها صنعــــته طرائق فذّة في تحويل المحلّي إلى اجتمــــاع بشـــري مصغّر، مصري بامتياز غالباً؛ ثم إعادة ترحيله إلى نطاقات كونية الدلالة، لا يغيب عنها حرص على تأثيث المكان بتفاصيل طبيعية تلتقي على نحو وثيق مع التفاصيل البشرية، فتغنيها وتغتني بها، بما ينتهي إلى خلاصات عالية الكثافة والثراء والتمثيل.
والأصل في إنسان الكفراوي أنه متغاير ومتبدّل ومتعدّد، لصيق في الآن ذاته بسمات كونية إنسانية يقطّرها الكفراوي بأناة عبقرية في نفوس شخوصه وأماكنه وحكاياه. لا يلوح، مع ذلك، أنه سعى إلى ترسيم أيّ «جوهر» إنساني ثابت تغيب فيه الفروق بين الولادة والموت، أو بين الوجود والعدم، أو حتى بين طقوس القرية ورؤى المدينة. وهنا أيضاً، لعلّ الكتلة الإنسانية العبقرية التي أتاح لها الكفراوي أن تتشكّل، أو بالأحرى تتكوّن، في كلّ قصة قصيرة كتبها؛ هي جماع عناصر لا يحتكرها الكائن البشري رغم هيمنته، بقدر ما تتدخّل في تجسيدها كائنات أخرى تخصّ الحيوان والنبات وروح المكان، في تناغم بارع مع زمان ليس واقعياً تماماً، وليس مطلقاً ميتافيزيقياً فقط، بل هو جماع الأقصيَيْن، ونسيج وحده استطراداً.
ولقد عاش الكفراوي ورحل وهو مطلق الوفاء لشكل القصة القصيرة، وأعترفُ شخصياً أنني أشفقت عليه ذات يوم من الذهاب إلى الرواية، حين تناهى إليّ أنه أنجز قرابة 200 صفحة من رواية بعنوان «بطرس والصياد»؛ وأعترف، استطراداً، أنني سعدت بتخلّيه عن المشروع في نهاية المطاف. كان الكفراوي صديقاً عزيزاً، التقيت به مراراً خارج مصر، قبل لقائنا الأوّل في القاهرة سنة 2001 وأبهجني أنه لم ينزعج أبداً من إشفاقي ذاك، بل اعتبره تحية له، وعبّر عن هذا مراراً في أحاديث صحفية.
أحد كبار أساتذة القصة القصيرة العربية يرحل اليوم، ومدينة الموت الجميل ذاتها لا تحيا من بعده فحسب، بل تهيل على جسده النحيل مزيداً من طمي بحر النيل.

صبحي حديدي