الرئيسية / home slide / شعبُ لبنان وحده الخلاص

شعبُ لبنان وحده الخلاص

15-09-2020 | 23:43 المصدر: النهار

شعبُ لبنان وحده الخلاص

الطاهر بن جلون
النهار
16092020

أُفكِّر ببيروت، تطالعُني صورةُ امرأَةٍ فضيَّةِ الشعر، ذهَبيَّتِه، صبيةٍ أَيًّا يكُن عُمرها، جميلةٍ أَيًّا يكُن شكلُها. 
صورةٌ قد تكون منسوجةً بعاطفة جامحة خيالية، لكنني متعلِّق بها.
حين أَصل إِلى بيروت، تغمُرني رغبةُ الحياة، لا أَيما حياة رتيبة وَضِيعة رضيَّة واقعية بل حياة جمَّة قوية مجنونة تتخطى ما أَنا فيه وتطغى على كل كياني. الموت فيها يزاول رقصة الجاوى الشعبية أَو خطوات السامبا الصاخبة، فيما يوميُّ سكانها يتهادى بين متباطئ ومتسارع، بين تصرُّفٍ مجنونٍ أَو سلوكٍ عاقلٍ موَقَّت كالذي يلتزمه سجينٌ طمعًا بإِطلاقه.
حين أُمضي في بيروت أَيامًا، أُحسُّني في بيتي، أَسكنُ كتابًا، وتحديدًا روايةً، روايةً كبرى ذات أَشخاص يخلعون واقعهم، يلبسون كلماتٍ، ويجيئون ناشبين أَمامك وأَنت تحاور قهوةَ الصباح. أَهي فعلًا رواية؟ أَم هو قاموس يصحِّح معنى كلماتٍ حَوَّرَتها المآسي عن مسارها العادي؟ الكلمات هي أَيضًا تتراقص حين ترتطم بواجهاتٍ تنتصب وسط الطريق، لا تُرى ولو سَطعَت عليها الشمس وتلأْلأَت ظاهرًا.
إنها الحياةُ هنا. حياةٌ ملأَى ثقوبًا يغطيها بخجلٍ حجابٌ شفيفٌ رقيق، يكمن فيها سرٌّ لا يباح به ولو فضحتْه العيون بالنظر إِلى فوق لتقول “لا” كي لا يعود أَحد يجرؤُ أَن يذكر علنًا هذا السر، بل يأْخذ عصًا يلمسه بها يحركه فيزكم أَنفه.
هذه بلاد قائمة على أَخشاب مهترئة، متآكلة من داخلها، لا تصلح حتى أَن تُلقى عليها ورقة شجر يابسة. ومع أَن هذه البلاد مبنية على هذه الأَخشاب المنخورة، لم تتهاوَ بل صمدَت وقاومت زمنًا زعزعتْه أَخيرًا كوارثُ رهيبة. انفجاران في المدينة هشَّما في بيوت البيارتة لا واجهاتها وحسْب بل الأَجساد والحياة والطفولة والذكريات والعادات وشبح موت ملتبس حطَّ في بيروت حقائبه ونعوشه. 
وسوف تعود إِلى التنفُّس بيروت، إِلى مَدِّ المائدة ظُهرًا ومساءً، إِلى احتقار الموت ومُريديه، إِلى افتكارِ كيف تُعيد جَـمْع القطع المتناثرة بصُمغ حياةٍ لم يفْسدْهُ الخجل.
واسعٌ رائعٌ خيالُها بيروت. وستنهض من واقعتها. ولكنْ، قبْلذاك، تحتاج أَن تخرج من استعمارها. سنة 2005 حزمَت سوريا حقائبها وخرجت من لبنان. اليوم يحتاج لبنان رفوشًا ومعاولَ وإِرادةَ الإِجهاز على واقع متعاكسٍ تاريخيًّا، تُسلِّحه وتُـموِّله إِيرانٌ سكرى بجنون العظمة، وتوحي بأَن البلد من دونها ينهار كما قصرٌ من كرتون.
سوى أَن بيروت تهتمُّ بالعالم الذي هرع لمساعدتها. لا تهتم اليوم بأَيِّ شأْنٍ آخر. إِنها أَمام مرآةٍ كبرى تخاطبها: قد تواجهين حربًا مقْبلة، حربًا بدون أَسلحة، بدون ضحايا، بدون دم يَراق، حربًا تُؤكِّدُ القيَم والمبادئ وأَفكارًا نقيةً قديمة كالقدَر لكنها ضرورةٌ للبلاد اليوم. 
التظاهرات التي بدأَت في 17 تشرين الأَول 2019 أَظهرَت كم ممكنةٌ استعادةُ تلك القيم، والذَهاب بها إِلى النهاية، إِلى تنظيف البلاد نهائيًّا من طبقة سياسية جعلت للبنان صورة كازينو أَعوَر موبوء.
الخلاص؟ وحده شعب لبنان، الرائع والنبيل، سيعرف كيف يجد طريقه الأَسلم لاستعادة الإِنسان النقي والبلاد النقية.

¶ صدر هذا النص بالفرنسية في ملحق “الأُوريان الأدبي” نهار الخميس 3 أَيلول الجاري. حقوق الترجمة محفوظة لـ”النهار”.