الرئيسية / home slide / مصارف لبنانية تجد صعوبة في رفع رساميلها… فما مصيرها؟

مصارف لبنانية تجد صعوبة في رفع رساميلها… فما مصيرها؟

14-09-2020 | 23:53 المصدر: النهار

سلوى بعلبكي

استعادة الأموال المنهوبة (“النهار”)

ينوء القطاع المصرفي منذ اندلاع ثورة 17 تشرين، وما قبلها بقليل بحملين يضغطا على كاهل إدارات المصارف، الأول فقدان السيولة بالعملة الصعبة، وانعكاس ذلك على العلاقة مع المودعين، والمصارف المراسلة، وحركة التسليف، وفتح الاعتمادات، والثاني، هو الإنصياع لقرارات مصرف لبنان وتطبيق التعاميم التي تصدر عنه. فالمصرف المركزي طلب منذ اندلاع الازمة من المصارف زيادة رأسمالها في خطوة تهدف الى إعادة بعض الثقة والقدرة الى القطاع المصرفي، وفتح كوة في جدار الأزمة النقدية تسمح بإعادة فتح الاقتصاد وإطلاق عجلة النمو. هذا التدبير بالرغم من قساوته على موازنات المصارف ومساهميها يعيد تزييت ماكينة الصناعة المصرفية التي توقفت شبه كليا تقريبا، عند بدء الانهيار، ولا تزال تكابد وتصارع، بما بقي لديها من امكانات للخروج من العناية الفائقة. وليس خافيا ان  مصرف لبنان من خلال هذه التعاميم اعادة بناء قدرات المصارف واستعادة مجد ضاع، ما بين تمويل الدولة بشكل مفرط، وثقة بإصلاح الخلل والعجوزات المتكررة، في موازنات تراكمت فيها بنود الهدر، ومشاريع التمويل سنة بعد سنة، الى يوم استفاق اللبنانيون على تجميد حركة ودائعهم، وضياع قيمة مدخراتهم، بسبب إنهيار سعر الليرة، وتنصل الدولة من مسؤوليتها، لا بل ساهمت عشوائية قراراتها بتفاقم الأزمة ورمي المسؤولية كاملة كما إيجاد الحلول على كاهل مصرف لبنان.
لذا كان واضحا حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بإعلانه أن “البنك المركزي يريد من المصارف زيادة رأس المال بنهاية شباط 2021 وإلا فسيكون عليها “الخروج من السوق”. وخروج البنوك من السوق سيكون بإعطاء أسهمها إلى البنك المركزي مع صيانة الودائع”. هذا الكلام وفق تأكيد الحاكم أن “للبنك المركزي هدفين هما خلق السيولة للبنوك اللبنانية لدى بنوك المراسلة وإعادة رسملتها”.
واللافت أن تعاميم مصرف لبنان كانت موضع نقاش خلال الزيارة التي يقوم بها وفد من جمعية المصارف باريس، وقد كان رأي الجانب الفرنسي واضحا بأهمية تجميع القطاع المصرفي (تصغيره)، إذ وفق الفرنسيين أن 64 مصرفاً، هو عدد مفرط بالنسبة الى حجم البلد. وحتى ولو كانت 10 من أصل الـ 32 مجموعة مصرفية التي تنتمي اليها هذه المصارف الــ 64 تمثّل 85% من القطاع المصرفي، فلا بد من أن تكون لدى جمعية المصارف رؤية أو تصور حول كيفية إجراء هذا التجميع أو إعادة الهيكلة (بطريقة مرتجلة مع مصرف لبنان أو بطريقة أكثر تنظيماً) كما حول موضوع إعادة الرسملة.
ولكن رأي الوفد كان مختلفا، إذ أكد أن “القطاع المصرفي هو أقل تضخّماً مما يزعمه البعض (موازنة تعادل 4,5 مرّات الناتج المحلي الإجمالي، 64 مصرفاً الخ..). ففي الواقع، يتكوّن هذا القطاع من 32 مجموعة مصرفية يشكّل العشرة الأوائل منها 80% من القطاع المصرفي. ويفسر حجم هذا القطاع بغياب السوق المالية (أسهم  أو سندات دين) في لبنان، ثم أن هذا الحجم آخذ في التقلّص بسرعة (تراجع الودائع بقيمة 500 مليون دولار شهرياً منذ بداية الأزمة).
كما رد اعضاء الوفد على الاسئلة الفرنسية حيال حول تعاميم مصرف لبنان الأخيرة، بالاشارة الى أنه في حال حصول زيادة رساميل (+20% بموجب التعميم رقم 154)، لا ينبغي المجازفة بأن تقضي عليها أيّ خطة حكومية. وقد طرحت الجمعية أسئلة قانونية حول شرعية هذا التعميم، لأنه لا يمكن إدراج التبييض بوجه خاص ضمن هذا السياق لجعل هذا “الحثّ” إلزامياً، مؤكدين أن المبالغ المتوقّعة من إجراءات إعادة الأموال هذه أقلّ مما هو مأمول.
في المقابل كان لافتا تقرير “بنك أوف أميركا” الذي استنتج أن تعاميم مصرف لبنان قد تنجح في اعادة هيكلة المصارف، إلا أنها ستفشل في المقابل في إعادة الثقة في القطاع. وينطلق التقرير من تحليل مفصل للتعميم الإشكالي رقم 154 الذي يهدف إلى استرداد ما بين 15 و30 في المئة من الاموال التي تفوق الـ 500 الف دولار تم تحويلها إلى الخارج منذ حزيران 2017. وبدء عملية تحويل الودائع إلى أسهم in bail وزيادة رساميل المصارف بنسبة 20 في المئة. فالتعميم وفق “بنك أوف أميركا” هو محاولة لتحقيق الاهداف من خلال التقديرات والإقناع الأخلاقي بدلاً من وضع إطار قانوني مفصل. بما يعني وفق التقرير أن التزام البنوك أو المودعين بالتعميم قد يكون جزئياً. ليخلص الى ان الآلية المعتمدة “تفتقر إلى الشفافية وتنطوي على قدر كبير من حرية التصرف من قبل صانعي السياسات. ومن المحتمل أن القطاع المصرفي سيبقى بحاجة إلى رأس مال أكبر لاستعادة الصحة المالية بما يفوق الهدف المعلن من مصرف لبنان”. واعتبر التقرير هذا التعميم بمثابة “برنامج عفو”، علما ان مثل هذه التدابير لاقت نجاحاً في بعض الأسواق الناشئة، حيث دعمت الحسابات المالية وحسابات ميزان المدفوعات. إلا ان تطبيقها في لبنان يحتاج الى إجماع، وطموح أكبر، وأن يكون قائماً على أسس قانونية واقتصادية سليمة بشكل حازم.  
ماذا يمكن أن نستخلص من كلام الحاكم وتقرير “بنك أوف أميركا”؟
وفق مصادر مصرفية فإنه وعلى الرغم من أن النموذج المصرفي اللبناني كان متينا في الفترات السابقة، إلا أن الازمات المتتالية أضعفته وحدت من قدرته على الصمود بسبب استناده إلى استراتيجيتين: تمويل مستمر لعجز موازنة الدولة اللبنانية طمعاً بالفوائد العالية، والتوسع الكبير داخليا وخارجيا، والذي يفوق بكثير حاجة الاقتصاد اللبناني وبالنسبة للأمر الأول، فقد سبب الإنفاق غير المضبوط والهدر الكبير إلى عجوزات كبيرة في الموازنة، ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى الاقتراض بشكل دائم وخصوصا من المصارف المحلية. في السياق نفسه، أدت تدفقات الأموال الكبيرة من الخارج، إلى “تخمة” ودائع لدى المصارف ما دفعها إلى استثمارها في سندات الدين اللبنانية. أنتج اقتراض الحكومة من المصارف كتلة دين هائلة، سببت انكشافاً خطيرا للمصارف على الدين السيادي اللبناني (سندات خزينة وشهادات إيداع) وتعريض نفسها للخفض المستمر في تصنيفها الائتماني، وربما لاحتمال الإفلاس.
أما بالنسبة للانتشار الداخلي والخارجي، يتألف القطاع المصرفي اللبناني من 65 مصرفاً مسجلاً على لائحة المصارف لدى مصرف لبنان، الا ان المصارف العاملة فعلا هي 61 مصرفاً. كما تنتشر المصارف اللبنانية في 26 دولة حول العالم بشكل شركات تابعة او فروع. ويمتلك 13 مصرفا 41 شركة تابعة في 21 دولة. ويبلغ عدد فروع المصارف اللبنانية في الخارج، مباشرة او عبر شركاتها التابعة حوالي 330 فرعاً.
وبسبب الانكشاف الكبير على الدين العام (بشقيه سندات الخزينة وشهادات إيداع مصرف لبنان) والخسائر الكبيرة المسجلة في محافظها الائتمانية بسبب التراجع الكبير في النشاط الاقتصادي والافلاسات بالجملة، سجلت المصارف اللبنانية خسائر ضخمة، بلغت بحسب الورقة الإصلاحية التي قدمتها حكومة الرئيس حسان دياب في نهاية شهر نيسان 2020 نحو 186 تريليون ليرة. هذه الخسائر الكبيرة ستؤدي الى افلاس عدد كبير من المصارف اللبنانية. ولكن تجدر الاشارة إلى أنه حتى وإن تحققت جميع هذه الخسائر والتي تفوق إجمالي رأسمال القطاع المصرفي اللبناني بستّة أضعاف، لا يُمكن الحكم أن جميع المصارف اللبنانية سوف تصل إلى الإفلاس، اذ يتوقف ذلك على حجم سندات الخزينة وشهادات الإيداع التي تحملها في ميزانيتها من جهة، وحجم رأسمالها من جهة أخرى. وبالنسبة إلى تعرض المصارف للدين السيادي (بشقيه الحكومي ومصرف لبنان)، فهو يختلف بشكل كبير بينها. فضمن ما يسمى بمجموعة ألفا، تظهر بيانات الفصل الثالث من العام 2019 ان نسبة تركّز الدين السيادي من مجمل الموجودات تراوح ما بين 36.5% لدى بنك البحر المتوسط و4.2% لدى بنك الاعتماد المصرفي، وهو ما يظهر برأي المصادر المصرفية عينها “التفاوت الكبير في الخسائر الناجمة عن شطب مطلوبات مصرف لبنان وسندات الخزينة على المصارف”. ووفق المصادر فإنه “في حال تم شطب سندات الخزينة وشهادات إيداع مصرف لبنان، سيؤدّي ذلك إلى شطب 36.5% من موجودات بنك البحر المتوسط، و34.2% من موجودات انتركونتيننتال بنك، و31.8 %من موجودات فرست ناشيونال بنك، و28.4% من موجودات بنك بيروت والبلاد العربية، و26.3% من موجودات بنك بيروت، و26.1% من موجودات البنك اللبناني السويسري، و25.3% من موجودات فرنسبنك، و22.4% من موجودات بنك عوده، و22.2 %من موجودات الاعتماد اللبناني، و18.9% من موجودات البنك اللبناني الفرنسي، و18% من موجودات بنك سوسيتيه جنرال، و16.8% من موجودات بنك بيبلوس، و11.9 %من موجودات بنك لبنان والخليج، و9.2% من موجودات بنك لبنان والمهجر، و7.5% من موجودات بنك سرادار، و4.2% من موجودات بنك الاعتماد المصرفي”. هذه الأرقام تدل على الفارق الكبير في توزيع الخسائر الناجمة عن إعادة هيكلة الدين العام ومطلوبات مصرف لبنان الواردة في خطة الحكومة على المصارف. وفي حين يمكن لعدد من المصارف استعياب تلك الخسائر، فإنّ عدداً آخر لن يتمكّن من ذلك، وسوف يكون مصيره التصفية أو الاستحواذ من قِبل مصرف آخر.
لذا ترى هذه المصادر ضرورة إعادة هيكلة المصارف اللبنانية وضرورة تعزيز رسملتها بشكل كبير عبر ضخ أموال ضخمة لإعادة التوازن في ميزانياتها (طبعا مع إعادة الاحتساب طبقا لنتائج الميزانيات في نهاية 9201)، ما يعني أنه قد يكون مستحيلا لعدد من المصارف رفع رساميلها إلى المستويات المطلوبة عبر إصدارات أسهم، لذا لا بدّ من أمرين: تحويل جزء من الودائع إلى أسهم  Bail in، أو دمج تلك المصارف تفاديا لتصفيتها.

salwa.baalbaki@annahar.com.lb