تاريخ الملابس العربية: من بردة النبي إلى الجينز في القرن العشرين

منذ 10 ساعات

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
29082020

في عام 1841، كان المستشرق الهولندي راينهارت بيتر آن دوزي قد بلغ الحادية والعشرين من عمره، وكان، كغيره من مستشرقي تلك الفترة، مولعا بالدراسات الفيلولوجية، وسيقوده هذا الاهتمام، في وقت مبكر، إلى الحفر في عالم التراث العربي والإسلامي، ليكتب لاحقا أولى دراساته، التي حازت العديد من الجوائز، حول أسماء الملابس العربية، مثلما وردت في المصادر الأدبية العربية والأوروبية، وجاءت الدراسة على شكل معجم سماه «المعجم المفصل لأسماء الألبسة العربية»، وضمت حوالي 275 مدخلا، تتراوح ما بين دراسات موجزة لمرادفات مفردات تخص نوعيات من الألبسة العربية، أو شرح موجز لكلمات أخرى. وقد بقي معجم دوزي لفترة طويلة مصدرا وحيدا يغطي تاريخ اللباس في العالم العربي.
ومع فترة الخمسينيات من القرن العشرين، سنشهد موجة أخرى من الاهتمام بتاريخ اللباس العربي، جاءت على شكل مقالات ودراسات، بيد أنها ستفجر تاريخا آخر حول الإسلام، إن صح التعبير، وهو تاريخ يعنى باللباس وتفاعلاته مع المجتمع، والدين، والبيوتات السياسية، والأوضاع الاقتصادية، وكمثال على هذه الاهتمامات، يمكن الإشارة لدراسة فرانز روزنتال «ملاحظات على المنديل»، إذ قام بعمل دراسة مسحية شاملة عن المنديل، مثلما جسد في الفن والأدب، ثم شرع في الحديث عن القماش والمادة الخام والتطريز والزخارف. ومع مرور الوقت، ازدهرت المراجع والمصادر الرئيسية في هذا الحقل، وبالأخص في ما يتعلق باللباس في العصر العباسي والعصور اللاحقة، كما سيتنبه المؤرخون إلى أن النصوص الأدبية تعج بالإشارات والمراجع عن الألبسة، ولذلك انكبوا على دراسة وتحقيق هذه الكتب، كما في مخطوطة كتاب «الموشى أو الظرف والظرفاء»، التي صدرت في ليدن 1886، وألفها شخص يدعى أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوشاء، كان قد عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وأوائل القرن الرابع الهجري، ويقال إنه عمل نحويا ومعلما في بغداد.


في هذا الكتاب، يناقش الموشى قضايا تتعلق بطعام وعادات ولباس بعض أهل المدينة، ويقص عادات بعض الرجال في تجنب الملابس الزاهية «لأن ذلك من لبس النساء»، كما أظهر لنا أشكال نعالهم وألوانها.
وبالعودة للقراءة الاستشراقية لتاريخ اللباس الإسلامي، نلاحظ استمرار هذا الاهتمام في فترة السبعينيات والثمانينيات، ويمكن القول إنه في هذه الفترة ستظهر أولى خطوات باحثة، سيكون لها تراكم كبير في هذا الحقل، وهي المؤرخة الأمريكية يديدا كالفون ستيلمان، التي ستعد كتابا في نهاية السبعينيات بعنوان «الأزياء والمجوهرات الفلسطينية»، قبل أن تعرف لاحقا بعد إعدادها مقالا في الموسوعة الإسلامية بعنوان «اللباس» 1986، التي شملت بالتحليل تاريخ اللباس العربي عبر الزمن، بما في ذلك المناطق الواقعة في الأندلس. وقد أثار هذا المقال اهتماما كبيرا، ويقال إن برنارد لويس أثنى عليها، ودعاها إلى المزيد من البحث في هذه العوالم. وبالفعل، بقيت ستيلمان تحفر في هذا الجانب، وخلال ثلاثين سنة من البحث في تاريخ الزي العربي، كانت تعمل على إنجاز كتابين: يعنى الأول بكتابة تاريخ قصير لهذا الزي، بدءا بفترة ما قبل الإسلام حتى ثورة الجينز في شوارع المدن العربية، أما الآخر فيعنى بتأسيس معجم جديد حول اللباس العربي، بيد أن الأقدار لن تتيح لهذه العاشقة للقماش والتطريز الإسلامي والعربي أن تكمل ما حلمت به، فبعد سنوات قصيرة، وفي أثناء إعداد كتابها الأول، ستصاب بمرض السرطان، لتتوفى في عام 1998 عن عمر قصير (54) سنة. وبعد وفاتها، سيقرر زوجها نورمان ستيلمان، وهو مؤرخ في جامعة أوكلاهوما متخصص في تاريخ اليهود الشرقيين وصاحب مؤلف»يهود الأراضي العربية في العصر الحديث»، تحرير ما كتبته زوجته، بالإضافة إلى إعادة كتابة أحد فصوله، ليصدر في كتاب عن دار بريل الشهيرة بعنوان «الملابس العربية.. تاريخ قصير من فجر الإسلام إلى العصر الحديث». في هذا الكتاب، الذي ترجم للعربية، ستكشف لنا ستيلمان عن تواريخ غنية للباس، وعن أسماء العمامات التي ارتدوها، وأيضا أشكال الزنانير والقمصان، ومن كان يصنعها.
وكحال أي مؤرخ، كان لا بد لخبيرة اللباس العربي أن تقسم التاريخ لحقب، كي تتمكن من الإحاطة بأسواق اللباس في كل فترة، وقد بدت رؤيتها أو تقسيماتها قريبة من التقسيمات التي طرحها مؤخرا المستشرق الألماني توماس باور في كتابه الماتع «لماذا لم توجد عصور وسطى إسلامية؟» إذ لاحظ الأخير، أن القرون الثلاثة الأولى الإسلامية لم تكن سوى امتداد وتفاعل مع إرث العصور العتيقة المتأخرة (اليونانية/الفارسية)، وهي فكرة تميل لها ستيلمان، كما يبدو في سياق حديثها عن اللباس العربي/الإسلامي، إذ ترى أن المسلمين تأثروا كثيرا بثقافة الأزياء الهلينية والفارسية، وأن هذا التأثر بقي سائدا حتى قدوم العساكر الترك والمماليك من آسيا، الذين جلبوا معهم قوالب وثقافة جديدة للباس.
تعتقد المؤلفة الراحلة، أن العرب عاشوا ضمن الأطر الثقافية لواحدة أو أكثر من الإمبراطوريات الكبيرة آنذاك، ولم يستطيعوا الفكاك من التأثر بأزياء الحضارات الأخرى، ولذلك نجد مثلا أن سكان الواحات في الصحراء السورية، لبسوا أزياء على الطريقة اليونانية، أو حسب أذواق العالم الهيلينستي الشرقي، بما في ذلك السترة والأزرار والعباءة. ومع قدوم الإسلام، بقي طراز الثياب في المجتمع الإسلامي الأول امتدادا لما سبقه، وإن طالته بعض التعديلات، جراء الاعتبارات الأخلاقية الجديدة التي كرسها. كانت القطع الرئيسية للثياب في عصر النبي تتكون، لكلا الجنسين، من لباس تحتي وقميص سابغ أو ثوب طويل، وثوب خارجي كعباءة أو معطف، وما يغطي القدمين من حذاء أو صندل.. وكان الإزار هو الثوب التحتاني الرئيس، الذي اعتاد العرب ارتداءه، أو ارتدوا سراويل (كلمة سروال أتت من اللفظة الفارسية القديمة زاراوارو والحديثة شالوار) وهي تعني الألبسة التحتانية، وهذا ما اعتاد العرب استعماله قبل أن يفتحوا إيران، لكن لم يكن كل الناس قادرين على شراء سروال تحتاني.

في المعارك كان المسلمون، إضافة إلى الخوذات، يلبسون دروعا معدنية، وقد ظنها الباحث تيودور نولدكه ذات أصل إثيوبي، لكن تبين لاحقا أنها مأخوذة عن الفرس.

وكان القميص هو الرداء الفوقاني الرئيس، كما اقتضت الطقوس أن يرتدي الرجال والنساء عباءة فوق ما يلبسونه، حين يظهرون للملأ، وقد ورد أن النبي قد لبس البرد والحبرة (وهي ثوب مخطط أشبه بالبرد) وكانت الثوب الأثير إلى نفسه، وكان من المعتاد أن يعتمر الرجال والنساء على السواء في منطقة الشرق الأدنى القديم أغطية للرأس، تحشما ووقارا، لكن في تلك الفترة لم تكتسب العمامة رمزية مقارنة بالفترة اللاحقة. وفي المعارك كان المسلمون، إضافة إلى الخوذات، يلبسون دروعا معدنية، وقد ظنها الباحث تيودور نولدكه ذات أصل إثيوبي، لكن تبين لاحقا أنها مأخوذة عن الفرس. وهنا ترى ستيلمان أن الطابع التقشفي لمرحلة تكوين الأمة الإسلامية في المدينة المنورة، لم يشجع المسلمين على ممارسة الترف من أي نوع أو قبيل، لكن مع انتقالهم خارج الجزيرة، شرع الأمويون في تجاهل حياة التقشف التي اتبعها الأولون، متأثرين بشكل واضح، بالثقافة الإمبراطورية، التي سادت في البلاط البيزنطي والقصور الساسانية، مع ذلك، كانت ملابس معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الخلافة الأموية، متواضعة وبسيطة. ووفقا لبعض المصادر كان هشام بن عبد الملك أول الخلفاء الذين ارتدوا ثيابا مزركشة ومطرزة بالزخارف، التي صنعت خصيصا له. ويمكن القول إن الملابس ذات الصبغة اليونانية الهيلينية، التي صنعها الخياطون السوريون، كانت تجسد رؤيتهم للأزياء الحديثة، خاصة أن معظم هؤلاء كانوا يدينون بالمسيحية. ولكن مع مرور الوقت، دمجت الثياب الهيلينة مع غيرها من الثياب في بنية الثقافة الإسلامية السائدة، ومع نهاية العهد الأموي، كان العرب الذين ذهبوا إلى خراسان، قد اندمجوا في بنية المجتمع الفارسي المحلي، وأصبحوا يرتدون الثياب نفسها المخصصة لسكان البلاد الأصليين.

زي إسلامي عالمي

في ظل الخلافة العباسية، أصبحت الظروف، كما تقول المؤلفة، مهيأة لظهور لباس إسلامي عالمي يجمع بين الحضارة العربية الإسلامية من ناحية، والحضارات الإيرانية والتركية والهيلينية المتوسطية من ناحية أخرى، وعجّل العديد من العوامل بنشوء هذا الزي الجديد، ومن بينها: تزايد أعداد المسلمين من الموالي، وتأسيس عاصمة جديدة للخلافة في بغداد، وظهور طبقة من الكتبة من ذوي الأصول الفارسية الذين عملوا كتّابا وكان لهم تأثير فعال على نمو أنماط ثقافية وأذواق اجتماعية جديدة. وحسب ما جاء في كتابات الموشى، كان بعض الرجال يرتديون قميصا داخليا أنيقا واسعا، يسمى «غلالة»، وفوقه قميص مبطن، وفوق هذين القميصين دراريع البرادجر والإسكندراني، والذي كان يصنع من الكتان الفاخر، أو الحرير الخالص، ثم يضع فوق رأسه عمامة، أو طيلسانا نيسابوريا (غطاء رأس)، ولم يكن من المستحسن لبس الثياب المتضاربة الألوان.. كما انتشرت في تلك الفترة الجوارب المصنوعة من الحرير، أو صوف الماعز، وظهرت ألبسة جديدة للنساء، مثل القماش المقصب المزخرف بخيوط الذهب والفضة، ونعال مصنوعة في الهند ومطعمة بالفراء.. ومما تذكره أن سعر الثياب الرجالية الفاخرة، في أسواق بغداد في القرن التاسع/الثالث، يتراوح ما بين خمسة إلى ثلاثين دينارا، بينما كان أجر العامل اليدوي لا يتجاوز الدينارين ونصف الدينار في الشهر.

ولكن ماذا عن العامة؟

في هذا السياق، تبين ستيلمان أن ألبسة العامة من الناس، كانت تتكون من ثياب قصيرة، على عكس الملابس الطويلة الفضفاضة الخاصة بالنخب، وثمة لوحات لثلة من العمال اليدويين، وهم يرتدون سراويل فقط أو سراويل فوقها عباءات قصيرة. وكان البحارة والملاحون والخدم والعاملون في الحمامات العمومية يرتدون سراويل تحتانية قصيرة تسمى تبابين (جمع تبان) أثناء أداء عملهم، كما أن الطبقة الفقيرة كانت ترتدي الملابس المصنوعة من الصوف، مثلما يفعل اتباع الطرق الصوفية الدينية، التي تحض على التقشف والزهد.
وفي العهد الفاطمي، سيصل الاهتمام بالأزياء والألبسة إلى قمته، وستظهر الملابس البيضاء المطرزة بخيوط من الذهب والفضة، مجسدة خيال الفاطميين عن الضياء المقدس، وكانت عمامة الخليفة هي أغلى ما في ثيابه، التي تتكون من قبعة شاشية تلف بمنديل يليق بمكانة الحاكم، وكانت مرصعة بالكامل بالأحجار الكريمة والمجوهرات.

كان اللباس العسكري الجديد الذي فرض على الجنود الأتراك جزءا من التغيرات الجارية، فإضافة إلى السترة والبنطال، أصبح الجندي يرتدي حذاء محكما مربوطا بخيوط جلدية، وبدلا من السروال الذي يشبه البالون ويعيق حركة الجند، باتوا يرتدون البناطيل الصوفية، التي تمكنهم من القيام بالمناوروات.

ومع قدوم الأيوبيين والمماليك لاحقا، سنشهد انتشار ثياب جديدة من خارج إطار النظام السائد، وهذا ما يوافق ملاحظات باور التي ذكرناها سابقا، فقد جلبت النخب الجديدة كثيرا من أنماط اللباس من آسيا الوسطى، ولاسيما الملابس العسكرية، ولو عدنا إلى ما أظهرته النخب التركية الحاكمة، من ميل إلى العسكرة، لعثرنا على شعارات تزين أخفافهم، وكانت هذه الأحذية تصل عادة للركبة، وغالبا ما تصنع من الجلد الأسود أو البني أو الأحمر، وقد تزود بمسامير معدنية في الأمام. وترى صاحبة الكتاب أن كلمة قماش قد ظهرت للمرة الأولى في القرن العاشر، لكنها لم تنتشر على ما يبدو إلا في العهد المملوكي. ولا تخصص فصولا للقرون الأولى من الفترة العثمانية، إذ تركز على القرن التاسع عشر، الذي شهد عملية تغيير كبيرة، عندما تخلت النخبة عن الملابس التقليدية/ وشرعت في ارتداء الثياب الأوروبية، وكانت السلالة الخديوية أولى النخب العربية الحاكمة التي تبنت اللباس الأوروبي الغربي، وقد حذت حذو السلطان العثماني محمود الثاني، الذي تبنى الملابس الغربية في بزاته العسكرية وملابسه غير العسكرية. وكان اللباس العسكري الجديد الذي فرض على الجنود الأتراك جزءا من التغيرات الجارية، فإضافة إلى السترة والبنطال، أصبح الجندي يرتدي حذاء محكما مربوطا بخيوط جلدية، وبدلا من السروال الذي يشبه البالون ويعيق حركة الجند، باتوا يرتدون البناطيل الصوفية، التي تمكنهم من القيام بالمناوروات، كما لعب الطلاب العرب في أوروبا دورا في نشر الزي الغربي، لكن المؤلفة، ترى أن الرجال هم من بدأ بالتخلي عن الزي التقليدي، وترد ذلك لكونهم كانوا أكثر تقبلا للأفكار الجديدة، وهو استنتاج نراه غير دقيق، إذ تبين الباحثة التركية ميديا أوغلو، مثلا، في سياق دراستها للعلاقة بين النزعة القومية ومسألة الجنوسة في تركيا الكمالية، أنه على الرغم من التغيرات التي أجراها الأتراك الجدد على صعيد حقوق المرأة، بقوا ينظرون للمرأة بوصفها تمثل الخصال الروحية للأمة، التي يجب حمايتها، وحتى في حال خروجها، فهي ليست في النهاية سوى الأم التي تمثل روح الأرض (الوطن) والحشمة.
كما يبدو أن مرض المؤلفة، أو اعتمادها فقط على النصوص كمصدر رئيس للتوثيق جعلها أحيانا لا تدرك الصورة على الأرض جيدا، إذ ترى مثلا أن الرجال في معظم البلدان العربية قد أصبحوا يرتدون الملابس الأوروبية، مع ذلك فإن غطاء الرأس الرجالي ظل قائما حتى لحظة وفاتها. كما حاولت في الفصل السابع، الذي حرره زوجها، قراءة تاريخ الحجاب، وترى أن الحجاب في الماضي كان يختلف من بلد إلى آخر في العالم الإسلامي، وفق اختلاف التقاليد الشعبية، بيد أنه تحول اليوم إلى موضة متشابهة ونمط واحد في جميع البلدان الإسلامية. كما تلفت النظر إلى أن بنطال الجينز في السنوات الأخيرة لم يعد مجرد لباس حديث، بل أصبح أداة للتمرد على سلطة الأهل والتقاليد. ولعل دنو الأجل لم يسعف المؤلفة لإكمال مشروعها، وربما لو أتيح لها العمر لكانت قد درست تاريخ بنطال الجينز في العالم العربي، كما فعل أنثربولوجيون كثر مؤخرا وهم يراقبون خطوط الصراع بين الجينز والدين والتقاليد في الشرق الأوسط.

٭ كاتب سوري