الرئيسية / home slide / هل أنهت خمسة لقاءات “عداوة” باسيل وسلامه؟

هل أنهت خمسة لقاءات “عداوة” باسيل وسلامه؟

لم يكن هدف “الموقف هذا النهار” منذ بدء رحلتي معه عام 1980 دفع اللبنانيّين إلى اليأس أو إلى التشاؤم كما يعتقد البعض أو يروِّج رغم معرفته ضمناً عدم صحّة ذلك. بل كان تزويدهم أخباراً وتحليلات عن الوضع في بلادهم وتشعّباته الخارجيّة وعن تطوُّراته الكثيرة السطحيّة منها والجذريّة كي يقوِّموا ما يجري بعقل وموضوعية وحكمة، وكي لا “يَنْغشّوا” بالانفراجات القليلة الأمنيّة والسياسيّة أيّام الحرب وبعد انتهائها بقيام دولة الطائف، وأخيراً كي يعرفوا إلى أين سيصلون إذا استمرّوا مُنقسمين، ومعتبرين زعماءهم آلهة يُعبدون يُقارب كلامهم كلام الكتب السماويّة. علماً أنّهم باستثناء قلّة منهم لا يعرفون بل لا يسعون إلى المعرفة، إذ أن جلّ همّهم المحافظة على المواقع وعلى المكاسب سواء بقيت البلاد أو فرطت الدولة، كما سواء افتقر الشعب بسببهم أو تقاتل من أجلهم.

انطلاقاً من ذلك سيختار “الموقف” المذكور أعلاه تطوّرات أو أموراً حصلت ظاهرها يوحي بانفراجات نقديّة واقتصاديّة وربّما بأخرى سياسيّة تمنع استشراء الفوضى، التي بدأت بعد تعثُّر “الثورة” الشعبيّة أو بالأحرى فشلها في تجاوز الطوائف والمذاهب والقبائل والأحزاب والزعامات، الأمر الذي أعاد سطوة هؤلاء على شعوبها كما أعاد غالبيّتها أدوات تنفيذيّة لهم.

التطوُّر الأوّل هو الإيحاء الرسمي للبنانيّين وخلال أيّام قليلة أنّ الولايات المتّحدة انتقلت من قرار رفع مستوى الضغط على “حزب الله” في لبنان كما على أبنائه إلى أقصى حدٍّ ممكن والتبشير بذلك سواء من واشنطن مباشرة أو من سيّدة سفارتها في عوكر، إلى قرار السماح لدول ثريّة حليفة لها في المنطقة بتزويده مبلغا ماليّا غير معروف الحجم يمكّنه من الصمود. هذا الإيحاء يعني إمّا أنّ المسؤولين يحاولون تهدئة غضب الناس بأخبار غير دقيقة لأن أميركا لا تزال على مواقفها رغم استعدادها لتساهل محدود ومحسوب إذا قدّم “حزب الله” المُتحكِّم موجباً له، وإمّا أنّهم اتّفقوا مع صاحب النفوذ الأكبر عليهم على “الاعتدال” في موقف من قضيّة معيّنة من القضايا الخلافيّة، قد تكون ترسيم الحدود مع إسرائيل برّاً وبحراً. في الحالين يبقى التروّي أفضل لأنّ النجاح في ذلك تُواجهه عقبات عدّة، ولأن الدول التي تُعاقب لبنان مباشرة شقيقة كانت أو صديقة لها حساباتها ومخاوفها وشكوكها. وهي لن تُسارع إلى التصدّق عليه بسهولة إذا لم تطلب واشنطن ذلك منها صراحة لأنّها على خلاف مباشرة مع حكّامه وسياساته. طبعاً يتمنّى “الموقف هذا النهار” نجاح اللواء عباس ابرهيم موفد رئيس الجمهوريّة إلى الكويت وغيرها، لكن لا بُدّ من عدم المُبالغة في التبشير بذلك لأنّ أعصاب الناس تلفت إذ صارت مثل “اليويو” تُشدّ تارة وتُرخى طوراً، ولأن المعلومات الواردة من هذه الشقيقة تنفي قراراً لها بفتح حنفيّتها ولم تؤكِّد حتّى بعد ظهر أمس احتمال لقاء ابرهيم رئيس الدولة فيها.

التطوُّر الثاني هو المبالغة في إظهار الانخفاض المحسوس لسعر الدولار في مقابل الليرة اللبنانيّة خلال الأيّام القليلة الماضية، والبدء بإعطاء أسباب غير واقعيّة له منها أن السياحة عادت وأنّها ستُعيد كلّ شيء إلى حالته الاولى. صحيح أنّ لبنانيّين يعودون ليزوروا عائلاتهم وقد يجلبون معهم كميّات مُتنوِّعة من الدولارات لإنفاقهم الشخصي ولمساعدة أهلهم. لكن الأمل في سياحة في ظلّ صعود “الكورونا” إلى الذروة واستهتار الناس بالوقاية منه وإحجام الدولة منذ البداية عن إلزامهم تطبيق قراراتها منعاً لانتشاره، فضلاً عن الفوضى الأمنيّة السياسيّة والجوع والفقر والسرقات والسطو الذي سينتظم قريباً، لكن ذلك لا يُشجِّع اللبنانيِّين ولا سيّما الأغنياء منهم على السياحة في بلادهم فما بالك بالغرباء والأشقّاء. فهم لم ينسوا بعد ولن ينسوا إغراءات المصارف لهم لإيداع مبالغ مُهمّة من ثرواتهم فيها التي “خربت بيوتهم”. وأقلّ ما يُقال هنا أن الغش كان مقصوداً. طبعاً يقول خبراء جديّون في الوضع النقدي – المالي – المصرفي أن أحد أسباب الانخفاض المحسوس المُشار إليه هو تلبية مصرف لبنان “الطلب المُزمن” لرئيس الحكومة حسان دياب استعمال بعض احتياطيه النقدي بالدولار على قلّته لخفض سعر الدولار. وتحقَّق ذلك، لكن السؤال هو هل سيستمرّ الانخفاض أو سيزيد؟ والجواب الأكثر ترجيحاً هو كلّا. إذ أنّ أسباب امتناع حاكمه رياض سلامه عن ذلك في السابق لا تزال هي نفسها، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل إذا كان سيستطيع الاستمرار في التدخُّل في السوق؟ والجواب هو كلّا أيضاً. لكنّ تساؤلاً آخر يُطرح هنا هو: هل ستعود قيمة الدولار إلى الارتفاع “الفاحش”. والجواب هو: نعم على الأرجح. أمّا أسباب التجاوب المتأخّر لسلامه مع دياب فيعرفها وبدقّة مُتابعو حركة الأوّل في اتجاهات الداخل السياسي الذي يُقرِّر بأجنحته المُتنوِّعة النافذة وهي معروفة، أبرزها تحسّن العلاقة بين حاكم المركزي ورئيس “التيّار الوطني الحر” جبران باسيل الذي كان يريد إزاحته من منصبه وكان مُتمسّكاً على الأقل حتّى نهاية الأسبوع الماضي بالتحقيق الجنائي مع مصرف لبنان ومع غيره اقتناعاً منه بأن في ذلك ما يُدينه رئيساً وأعضاء وما يفتح الباب أمام التغيير. طبعاً كان “حزب الله” حليفه غير مُمانع في تغيير “الحاكم” وفي فضح كل شيء بواسطة التحقيق. لكنّ شريكه في “الثنائيّة الشيعيّة” الرئيس نبيه بري عارض ذلك وأقنعه بالأخطار المُتنوِّعة لذلك وطنيّاً وغير وطنيّاً، ثم قبل انفتاح باسيل عليه. فضلاً عن أنّ العلاقة بين سلامه وباسيل تحسَّنت إذ عقدا أخيراً نحو خمسة اجتماعات. وما يتمنّاه اللبنانيّون هنا هو “أن يُديم الله الوفق” بين المختلفين وأن لا يكون على حسابهم، وأن يُحسِّن أوضاعهم أو على الأقل أن لا يزيدها سوءاً. طبعاً يعتقد المُتابعون المُشار إليهم أعلاه أن سلامه كان “أميركيّاً” بحسب أقوالهم والآن صار “شيعيّاً” لأنّ للثنائي كلمة أساسيّة في البلاد أو الكلمة. فهل هذا صحيح؟ وهذا الأمر لا يبدو أنّه يُعجب قسماً مُهمّاً من المسيحيّين، لأنّ شيئاً قريباً منه يحدث تدريجاً في المؤسَّسات الرسميّة المُهمّة التي يترأّسها مسيحيّون.

ماذا عن التطوُّرات الدوليّة التي يتفاءل بها لبنان الرسمي رغم عدم حدوث ما يُبرّر ذلك؟ وإلى أين سيذهب لبنان؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb