الرئيسية / home slide / هذا الشرق غربي

هذا الشرق غربي

دعكَ من بعض الأيديولوجيا الدعائية التي تمسك بخناق اليوميات اللبنانية الحالية، ففي لا امتدادهم إلى الغرب البحري، اللبنانيون هم الأكثر امتداداً ثقافيا وتربويا في الغرب عبر المدارس والتعليم والدياسبورا التي ساهمت ذات يوم، من جبل لبنان، في هز أركان الامبراطورية العثمانية.

هذه ليست مبالغة. اقرأوا المؤرخين الأتراك عن الحقبة العثمانية الأخيرة ومنهم إنجين أكارلي وحسن كيالي لتعرفوا كيفية نظرة اسطنبول يومها للنخبتين اللبنانية والشامية. الإعدامات التي شهدتها دمشق وبيروت عامي 1915 و1916 كانت تعكس استشعار القادة العثمانيين، وليس جمال باشا وحده، خطورة دور النخب اللبنانية (جبل لبنان) في انكشاف الداخل العثماني قبل وخلال الحرب العالمية المندلعة وهم، هؤلاء القادة والجيل السابق لهم بقيادة السلطان عبد الحميد، اختبروا منذ برلمان (مجلس مبعوثان) 1876حجم تأثير تحالفات هاتين النخبتين داخل العاصمة اسطنبول في وقت كان البريطانيون قد أصبحوا حقيقةً عسكرية راسخة في مصر، والفرنسيون حقيقة ثقافية واسعة التأثير في سوريا ومتصرفية جبل لبنان حقيقة دولية منجَزة. هذا ليس مساهمةً في نقاش تائه أو يبدو أحياناً أنه تائه بين شرق وغرب بينما كل الشرق أصبح غربياً إذا شئنا أن نصف الصعود الصيني العملاق. نحن في الغرب ولو كان علينا اليوم وليس غدا أن نستجدي وبلا تردّدٍ قيامَ الصينيين بتأسيس مشاريع ضخمة كمصانع الكهرباء و سكك الحديد بل والمزيد من هذا النوع من المشاريع في البنية التحتية التي انصرف عنها السياسيون اللبنانيون الفاسدون إلى النهب والهدر وتهريب الأموال. هل هناك غرب غربي سياسيا أكبر من المملكة العربية السعودية، وهي التي تشكّل الصين مستورِداً ضخما لبترولها؟ الصين حاليا هي أحد أكبر الشركاء التجاريين للبنان.

قد يكون ضروريّاً دعوة أنفسنا نحن الجيل اللبناني الراهن إلى عدم الاستخفاف بما تستطيعه “قلعة” غربية مثل لبنان في استنزاف بطيء للطموحات الجيوسياسية الإيرانية ومن داخل المنظومة المعقدة التي بنتها إيران في منطقة المشرق العربي وهي تعقيدات لديها هشاشات كثيرة اقتصادية وسياسية وطائفية وعسكرية.

لبنان صار في قلب آتون الاندفاع الإيراني داخل إقليم منهار. ويجب أن يعرف النظام الإيراني أنه غير قادر على تحقيق وضع “مستقر” في لبنان دون ثمن باهظ يدفعه بلدنا الصغير لكن الذي يشكّل البلد الأكثر ارتباطاً ثقافياً بالغرب في كل المنطقة. هل هناك في طهران من يمكن أن يفعل ما فعله الرئيس عبد الناصر حين خفّف وبوعي من عبء سياسته العربية على لبنان؟ المبادرة المفتاح هي إعلان انسحاب عسكري لحزب الله من سوريا.

الأعجوبة المنتَظَرة هي في مبادرة إيرانية تخفّف من حِمْلِ بلدنا وتفتح الأفق لمعالجة تجعل بعض التغيير ممكناً.

من سوء الحظ أن حكومة الدكتور حسان دياب لا تعطي انطباعاً إيجابياً عن القدرة على بعض التغيير الداخلي ولا أقول الإصلاح الداخلي لأن الإصلاح في لبنان مهمة مستحيلة في ظل هذه الطبقة السياسية رغم أن حكومة دياب نظيفة الكف من حيث السمعة الحسنة لرئيسها والعديد من وزرائها. ربما لو أمكن لها في الأشهر الماضية أن تنطلق في خطوات إصلاحية جدية ولو متدرّجة تتجاوز فيها العقبات الوقحة التي تضعها أمامها قوى سياسية من داخلها ومن خارجها لكانت أثارت اهتمام القيادة السعودية ببناء علاقة معها. الضعيف لا يستدعي أي علاقة. القوي أو الصاعد هو الذي يستدعيها. ثم أن المملكة عبر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أظهرت قابليتها لعدم ربط سياستها اللبنانية بقوى محددة دون غيرها وأظهرت قابلية للانفتاح على كل الموزاييك اللبناني الذي لها معه تاريخ طويل، فيما لو تمكن الدكتور دياب، وهو رجل محترم، من تحقيق استقلالية حكومته الفعلية عن الطبقة السياسية. ولعل هذه كانت فرصة ضاعت مع تشكيل الحكومة نفسها لو أصر الرئيس دياب على عدم تمثيل أي فريق سياسي دون غيره تمثيلاً مباشرا داخلها. طبعاً هذا موقف كان يمكن أن يطيح بموقع الرئيس دياب نفسه يومها. لكن المجازفة كانت أفضل من أن يجد نفسه عاجزاً أمام نمط من هم “حلفاؤه” شكلاً فيما هم أقرب بل أكثر اندماجا بالطبقة السياسية التي تعارضه.

إن بعض المبادرات في الإدلاء بمواقف مستقلة في السياسة الخارجية كما حيال الوضع في اليمن يمكنه إعطاء الحكومة فرصة لتحريك قابليات إيجابية مفاجئة في السياسة السعودية حيال لبنان. فالحرب في اليمن حتى لو أنها تبدو وهي تراوح مكانها وتشهد بعض التصعيد بين الحين والآخر هي عمليا حرب “منتهية” عسكرياً وتنتظر نوعا من التسوية المتدرجة التي سبق لليمن، تلك البلاد المصابة بلعنات لا تنتهي، أن شهدت مثلها.

حركة السفير السعودي في بيروت مؤشر إيجابي على استمرار اهتمام المملكة العربية السعودية بلبنان. لأن ما يخيف هو إهمال المملكة للبنان وليس اهتمامها به. والحال أن استقبالات وزيارات السفير وليد البخاري هي شاهد على تقييم سعودي متواصل للبنان كساحة جذب واستقطاب ضروريّين في المنطقة والإقليم.

النافذة السعودية على العالم هي أوسع من نافذة بالنسبة لنا في هذا البلد البائس بطبقته السياسية المزرية. منذ زمن طويل لم تعد السياسة السعودية مشجِّعةً للسلفيين السنّة ولا طبعا للإخوان المسلمين المتدفِّئين بتركيا الأردوغانية بينما إيران لا تزال تشجِّع بل تربط سياساتها بالأصوليين الشيعة الذين يشبهونها.

من السذاجة طبعا أن يأمل اللبنانيون بفكاك سريع للمصادرة الدولية الإقليمية لصراعاتهم. هذه هي المعضلة الراهنة لجيل 17 تشرين الذي يواجه تَلازمَ انهيار ِ الدولة من داخل فسادها ومن خارج ارتهانها مع صعود الصراع الدولي والإقليمي. القلعة اللبنانية في خطر داهم. من المستفيد إيران أم الولايات المتحدة الأميركية؟ لنبحث عن إجابة في لحظة استراتيجية.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein