الرئيسية / home slide / لبنان بيهز و… بيوقع

لبنان بيهز و… بيوقع

يتردّد القول المأثور عن الكرة الأرضية “بتهز وما بتوقع”، وكان اللبنانيّون يردّدون هذه العبارة كلّما واجهتهم محنة أو مصيبة أو حرب أو ما شابه من النوائب التي تتكرّر في حياتهم. وكانوا يردّدون أيضاً أن الغرب، وأميركا، وأوروبا، ودول الخليج العربي، وغيرها، لا تريد للبنان أن ينفرط عقده، وانها دول صديقة له وحريصة على أمنه واستقراره. هذه الثقة بالنفس وبالبلد، كانت على الدوام المادة المخدّرة للبنانيين في سعيهم الى اقناع ذواتهم بأن بلدهم غير مقبل على خراب كلّي، وأن في وسعهم استمرار العيش فيه، وبناء مشاريعهم واحلامهم. ثمّ جاءت نكبة اللاجئين السوريين، بعد الفلسطينيين، ليقنع اللبنانيون أنفسهم مجدداً بأن أزمة النازحين تقيهم شر الخراب خوفاً من تدفّق هؤلاء الى الشواطئ المتوسطية في دول أوروبا.

لكن الواقع بدا مختلفاً حالياً. البلد ينزلق بسرعة الى الانهيار، والدول الصديقة في حالة من ثلاث: واشنطن تريد معاقبة لبنان الرسمي على انتهاجه سياسة قريبة من المحور الإيراني – السوري، وتهدف الى معاقبة “حزب الله” وحصار طهران، عبر عقوبات واجراءات صارمة تصيب اللبنانيين جميعاً. وقد انطلقت بالفعل وبدأنا نلمس نتائجها الكارثية طبعاً.

وأما باريس، فلا حول لها ولا قوة، أمام الضغوط الأميركية، خصوصاً أنها تبدو يائسة من الطبقة السياسية اللبنانية بعدما اختبرتها مراراً وتكراراً. وفرنسا لم تقصّر يوماً في دعم لبنان ومساعدته من مؤتمرات باريس 1 و2 و3 وصولاً الى “سيدر”. لكن الجانب اللبناني أساء إليها باستمرار وأضاع الفرص وسرق معظم الأموال، وحاول استبعاد شركات فرنسية من اعمال استثمارية.

وأما الدول الخليجية، والعربية عموماً، ففي موقفها الحيادي من لبنان، وانقطاعها عنه، نوع من العداء، إذ إن بلد الأرز اعتاد وقوف أشقائه العرب الى جانبه، وخصوصاً المملكة العربية السعودية. وهذه الأخيرة هي الأكثر استياء من إساءات أفرقاء لبنانيين لها، وتمضي في “معاقبة” جميع اللبنانيين أيضاً.

إذا كانت كل الدول الغربية والعربية مستاءة من لبنان، وإذا كانت كلها حجبت مساعداتها عنه، أفلا يُسأل عن السبب؟ هل كل الدول مخطئة بحق لبنان، أم أن الوطن الصغير أخطأ بحق الجميع، وأساء الى نفسه قبل الآخرين؟

ما يجري اليوم في لبنان هو ثمرة عقوبات، صحيح، لكنه أيضاً ثمرة زرع اللبنانيين من كبيرهم الى صغيرهم. فالكبار ارتكبوا الكبائر، وخربوا البلد، واما ذلك الصغير العاجز فعلاً عن التأثير في القرار، فهو قادر على التصويت لأناس جدد غير أولئك الذين افتعلوا الحروب وسرقوا ونهبوا وقتلوا، ثم تربعوا على العروش ليكملوا ما بدأوه زمن الحرب، ولكن “مع بدلة وكرافات”. لكن “الصغار” ايضا لم يمارسوا دورهم، بل باع جزء منهم ضميره عند باب غرفة الاقتراع.

المتابع أمس للمؤتمر الصحافي للمدير العام للمال آلان بيفاني يدرك عمق المأساة، واستحالة الحلول، مع طبقة سياسية هي “حاميها حراميها”. أمام الواقع اللبناني يمكن أن تتبدل العبارة المأثورة “بتهز وما بتوقع” لتصير “بيهز… وبيوقع”.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar