بيروت في البال: ليو تولستوي في لبنان وصوره في زحلة بفضل امرأة

ليو لتولستوي (الصورة من دار الرافدين).

ينجرف عماد الدين رائف، الباحث والصحافي المخضرم، في شغفه الكبير لترجمة مخزون مفكرين، روائيين، فلاسفة وفنانين رياديين روس قصدوا بيروت الملهمة لهم، إلى درجة أنهم أبقوا من ذاتهم وفنهم فيها.

عماد الدين رائف، الذي تمرس في اللغة الروسية، واكتشف عظمتها، وثقافتها المتنوعة جداً، أراد من خلال بحوثه وترجمتها إلى العربية أن يقرب المسافات بين حضارات عدة، لا بل أن يعطيها فرصة “حية” للتفاعل نحو الأفضل، نحو نقطة انطلاق لملاقاة الآخر في محور خاص هو الإنسان.

مداواة الوجع

صورة لمدينة زحلة (الصورة من موقع موسوعة المعرفة).

مواضيع ذات صلة

يداوي الوصف الدقيق للهامات الثقافية الروسية، التي يشارك رائف القارئ بها، الوجع الكبير، الذي يسكن قلوبنا لما آلت إليه الحال في مدينتنا بيروت.

هي جرعات أمل بأن لبيروت وضواحيها فصولاً مهمة جذبت كباراً أمثال ليو تولستوي، والذي حل رائد لغز قدومه من خلال كشفه مضمون هذا السر من خلال ترجمته بعض ما جاء في كتاب “تولستوي والشرق” للباحث الروسي ألكسندر شيفمان (1907-1992) عن تولستوي، على أن “يخصص له حيزاً لا بأس به في كتابه الثاني ” تولستوي عالم كامل في العام 1976″.

دور شيفمان

وشدد رائف على أن شيفمان كرس عمله العلمي “للتخصص في أعمال تولستوي وإبداعاته، ولاسيما أنه مال إلى كشف مسيرته الأكاديمية عن الكثير من الخفايا الخاصة في حياة تولستوي، ونشر بحوثه بين العامين 1933 و1983 في روسيا، وكان آخرها “صفحات من حياة تولستوي” (موسكو 1983).

منكب على قراءة بريده (الصورة من موقع موسوعة المعرفة).

في هذه المجموعة، التي أصدرها عماد الدين رائف، في كتاب “من بيروت…وعنها – أوراق أوراسية في التفاعل الحضاري” الصادر عن دار المصور اللبناني، جانب خاص عن “ليو تولستوي في لبنان”.

لنوضح اللغز الخاص بتولستوي. في التفاصيل، وفقاً لما كشفه رائد خلال ترجمته، أن شيفمان “عثر على الجواب من خلال دراسة أرشيف مراسلات سكان المشرق العربي، مع الكاتب ليو نيكولابافيتش تولستوي”.

رامزة هواويني

الحبكة ارتكزت، وفقاً لسرد رائف، على وصول رسالة من سوريا إلى منطقة یاسنایا بولیانا، مكان إقامة تولستوي، كتبتھا باللغة الروسیة فتاة شابة اسمھا رامزة ھواویني.

هواويني وجهت الرسالة في 26 تشرين الأول 1904، وفقاً لرائف، من مكان إقامتها في زحلة نقلت فيها طلباً واحداً وعدت أهالي زحلة بنقله إليه، ألا وهو “أن تتفضلوا بإرسال صورتكم الشخصیة الغالیة، وسیكونون في غایة الامتنان، حیث إنھم غالباً ما یجدونھا تظھر على صفحات الجرائد العربیة بشكل رھیب وغیر واضح”.

وطلبت منه “أن يغفر لي أن أتوجه إلیكم بھذا الطلب، الذي آمل ألا ترفضه وھو أن ترسل صورتكم العزیزة علینا كي نعلقھا في بیوتنا، التي تكن لكم المودة، وكذلك لنشرھا في الصحف والمجلات المحتاجة إلیها”.

الرسالة إلى تولستوي

وعرّفت عن نفسها مشيرة الى أنها “عربیة المولد من سوریا، من مدینة دمشق. تخرجت من دورة ’معھد فیلاریت الأبرشي المسكوبي للنساء‘، وعدت إلى الوطن، حیث أقیم مع والدتي في بلدة زحلة، القریبة من مدینة دمشق”.

تأخر رد تولستوي، لأكثر من عام، على رسالة هواويني. وهذا يعود، وفقاً لرائف، إلى كثافة بريد تولستوي.

في التفاصيل، أنه لم يجد الوقت المناسب للرد فوراً على طلب هواويني، إلى أن أرسل في 11 شباط 1905 صورة له، أدرجها في رسالة عبر فيها عن شديد “الأسف سیدتي العزیزة، حیث لم أحقق حتى الآن رغبتك ورغبة طالباتك، المنصوص علیھا. إنني أبعث إلیك بصورتي المتوفرة لدي، وأرجو منك قبول عذري على عدم فعل ذلك سابقاً”.

هدية عظيمة

بالنسبة لرائف، “كانت صورة تولستوي المرسلة من روسیا، ھدیة عظیمة لسكان بلدة زحلة، تم استنساخھا، لتظهر على صفحات الجرائد والمجلات العربیة، وذلك كله بفضل الشابة رامزة ھواویني، كما ذكر شیفمان”.

رد ھواویني على رسالة تولستوي جاء حاراً، حيث عبرت فيه عن “امتناننا الكبیر لتحقیق رغبتنا المشتركة”. وأشارت في قسم من الرسالة إلى أنه “ما إن رأیتھا حتى طرت من الفرحة، تقبلوا عذري مرة أخرى، مع خالص الامتنان لذكراكم الطیبة”.

المعلمة وطالباتها

صورة “بورتريه” ليو تولستوي (الصورة من موقع موسوعة المعرفة).

ولم تكتمل القصة إلا في محاولة رائف معرفة المزيد عن رامزة ھواویني، حيث ذكر أن المعلومات عنها قليلة جداً”، مشيراً الى أنه “ربما هي المرأة العربية الوحيدة في زحلة، التي كانت تجيد الكتابة بالروسية في تلك الفترة”.

ونقل رائف عن شيفمان أن هواويني “مارست التعليم في بلدتها لمدة طويلة، فكانت تعلّم طالباتها، إلى جانب المواد التعليمية الأساسية، حبها الحار للأدب الروسي”. وأضاف: “سافرت إلى دمشق، وبعدها إلى القاهرة، ومن غير المستبعد أن كانت لها مساهمة في نشر بعض أعمال تولستوي بالعربية”.

وذكر رائف، نقلاً عن كتاب “المدارس المسكوبیة في لبنان” للباحثة الروسیة اللبنانیة تاتیانا كوفاشیفا أن “هواويني قد تكون علّمت في مدرسة البنات في زحلة بعد عودتها من الدراسة في موسكو”. مع الإشارة الى” أن مدرستین للبنین والبنات كانتا في عھدة “الجمعیة الأمبراطوریة الأرثوذكسیة الفلسطینیة” في زحلة – المعلقة في تلك الحقبة”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel