العودة إلى الكتاب تُجنّب مئويّة لبنان الحديد والنار

“حرائق” بيروت (تصوير مارك فياض).

إنّها مشهديّة بيروت تحتَرق في عيد لبنانِها المئة. كما أيّ عاصمة مقهورة، كان عليها أن تحتفل بيوبيلها فتُضيء شموعاً لا تنطفئ إلّا على أمنيات، لكنّها اصطدمت بأفعال تعاويذ نزعت الشموع عن حلوى العيد وحوّلتها إلى أداة نشر لهيب يحرق العيد بكيانه وأهله. ولعلّ أخطر تحدٍّ يواجهه لبنان الكبير في مئويّته هو هذا التّيه الذي يصيب أولاده المشتّتين بين شرارات شعارات متقابلة، ما يُحتّم عودة الجميع إلى كتاب الدستور واستخلاص الاستنتاجات والعبر حول كيفية سلوك طريقٍ واحد نحو لبنان موحّد في الفعل لا القول.

هذا الطريق تُعبّده إضاءات واضحة وعلميّة استقتها “النهار” من المرجع الدستوري الدكتور صلاح حنين، الذي يطرح مجموعة نقاطٍ لا بدّ من سلوكها للسير على الخطّ المستقيم، وهي كالآتي:

أوّلاً: نصّ الدستور اللبناني بوضوح على مبدأ المناصفة في مجلس النواب بين المسيحيين والمسلمين، ما يستوجب انتخاب 64 نائباً مسيحيّاً و64 مسلماً في ظلّ برلمان مُشكّل من 128 نائباً. ويجب مراعاة مبدأ التوازن الطائفي في تأليف الحكومات ولا يمكن الاحتكام إلى منطق الاستثناء.

ثانياً: إنّ تشكيل مجلس نواب غير طائفي واستحداث مجلس شيوخ مسألة متعلقة بتطبيق المادة 95 من الدستور، والتي تُعتبر أساس إيجابيات يمكن أن تصدر بالنسبة إلى كيفية إدارة الدولة. ويُترجَم هذا المسعى عبر إلغاء الطائفية أولاً وإلغاء الطائفية السياسية ثانياً. وتُلغى الطائفية من خلال استحداث قانون أحوال شخصيّة مدني موحّد ومعتمد للجميع، وتشكيل هيئة من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة من شأنها أن تدرس سُبل إلغاء الطائفية، والتي تتحقّق من خلال إجراءات يستوجب اتّخاذها وفقاً للآتي: 

– منع الأحزاب الطائفية وضرورة اتّخاذ الأحزاب صفة الوطنية غير المبنيّة على أسس دينيّة.

– وضع شروط وقوانين للأحزاب القائمة ما يسمح باستمرار الجامِعة منها وحلّ الأحزاب الطائفية ذات الشعارات الدينية. 

– تشكيل أحزاب قائمة على شعارات وطنية تمثّل جميع الطوائف والمناطق، ما يساهم في انتفاء الشعارات الدينية لدى الأحزاب وانتفاء تدخّل رجال الدين من المشايخ أو الاكليروس في الشؤون السياسية.

– يمكن تشكيل أحزاب على أساس صيغة مشابهة لتلك التي اعتمدت في زمن الاستقلال من خلال نماذج حزبية جامعة شبيهة بحزبي الكتلة والدستور.

ثالثاً: تتحدّث المادة 95 من الدستور اللبناني عن بناء الدولة وفق معيارَيْ الكفاية والاختصاص في تعيينات الإدارة العامة. 

رابعاً: اتُّفق في الميثاق الوطني بعد التعديلات الدستورية التي تبلورت سنة 1943 على مبدأ حياد لبنان من خلال شعار “لا للشرق ولا للغرب” الذي لم يُكتب على صيغة مادة دستورية، لكنّ ترجمته الفعلية تكمن في تبنّي الحياد الذي على أساسه يُبنى لبنان، إلا أنّ الأوضاع اتّخذت اتجاهاً آخر.

خامساً: اتّفق في الميثاق الوطني على توزيع مواقع رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء بحسب الطوائف، لكن لم يُكتب هذا الاتفاق في الدستور بعد تعديلات سنة 1943، لأنها مسألة تناقض مقدّمة الدستور التي تنصّ على أنّ اللبنانيين سواسية في الحقوق والواجبات. ويناقض هذا الاتفاق المنطق الدستوريّ، لكن اتفق عليه ولا يزال قائماً حتى اللحظة.  

سادساً: لا ينص الدستور على منصب نائب رئيس الجمهورية ولا حاجة لاستحداث هذا المنصب الذي يؤدي إلى مشاكل بدلاً من حلول، ما يؤدي إلى الدخول في تعديلات دستورية لا نهاية لها ولا فائدة منها. 

سابعاً: الطريق إلى ترجمة المادة 95 لإلغاء الطائفية يبدأ من النفوس قبل النصوص – كما يقول البطريرك مار نصرالله بطرس صفير – ويمكن بعد إلغاء الطائفية من النفوس، تحقيق إلغاء الطائفية السياسية التي تعني إلغاء المعايير الطائفية في مؤسسات الدولة. 

وتتحول الدولة عندئذٍ إلى مدنيّة وتساهم في إنتاج مجلس نواب وتأليف حكومات خارج القيد الطائفي. ويمكن استحداث مجلس شيوخ يُمثّل الطوائف، لكن الوصول إلى دولة مدنية حقيقية يساهم في تحقيق المبتغى وإلغاء العامل الطائفي، ما يؤكّد عدم الحاجة إلى تشكيل مجلس شيوخ. إلّا أنّه لا يمكن استحداث مجلس نواب خارج القيد الطائفي في وقت لا تزال الغالبية في لبنان تسير خلف الطوائف.

من جهتها، تضيء الدكتورة في العلوم السياسية فاديا كيوان أفكاراً على خطى الطريق الصحيح للوصول محطّة بناء الدولة، من خلال تبنّي ممارسة سياسية لا طائفية تطرح قضايا مجتمعية بعيداً عن الطائفية، مشيرةً إلى إمكان طرح الموضوع السيادي باعتباره سياسيا بامتياز.

وتركّز على “ضرورة بلورة وجوه قيادية توحي بالثقة المفقودة مُجتمعياً، في وقت تحضر فيه النماذج الممتازة، لكنها قد تفتقر إلى النضج السياسي الذي يخوّلها اتخاذ مبادرات وتشكيل تحالف سياسي نظيف وترجمته في الانتخابات مع ضرورة فتح نقاش حول أفضل قانون انتخاب يساهم في إضفاء تعديل جوهريّ على وجوه المجلس النيابي ويُحفّز على طرح برامج سياسية. وترى ضرورة طرح نقاشات، إذ يمكن توصل مجموعات الانتفاضة إلى تجمعات جديدة حول الموقف من الموضوع السيادي والمالي، ويمكن التوصل إلى مواقف سياسية قوية وجريئة وسط رؤية متكاملة تساهم في تشكيل نواة تغييرية وقيادات محلّ ثقة، في وقت تغيب فيه الوجوه القيادية التي تدافع عن حقوق الناس باستثناء بعض المحامين”.

وتخلص كيوان إلى “ضرورة رفع صفة التعميم التي تتبناها مجموعات في الانتفاضة ما يؤدي إلى تشنج داخل القوى السياسية التي تحوي من ضمنها وجوهاً فاسدة وأخرى نظيفة”، مصوّبةً على “أهميّة وضع آلية داخل الاحزاب السياسية التقليدية تساهم في مساءلة وجوهها القيادية وإنتاج قيادات جديدة ضمن الأحزاب نفسها ما يحقق تجديدها وتنظيفها، في وقت تُطرح شكوكٌ حول القدرة على إنتاج قيادات خارج الأحزاب التقليدية فيما يجب أن تطاول عملية الإصلاح المؤسسات عبر إصلاح البئر المالي المفخوت وتوقيف الهدر أولاً ومن ثم المحاسبة من خلال الاحتكام إلى القضاء”.

وتكمن الإشكالية الأبرز في عدم بلورة قيادات ومجموعات جديدة بعد مرحلة الانتفاضة، وهنا تطرح كيوان تجربة تونس كمثال، في قولها إنّه “بعد سقوط نظام بن علي وإجراء انتخابات نيابية خاضها حزب النهضة في وجه مئة حزب وحزب بعدما عمد كل فريق من عشرات الأشخاص إلى تشكيل مجموعة خاصة بدلاً من التوحّد، ما أدى إلى فوز حزب النهضة. وشكّلت هذه التجربة درساً بعدما أدركت الأحزاب التونسية الصغيرة أن عدم وحدة الصفوف أدت إلى خسارتها الانتخابات ما دفعها إلى التجمع عبر “نداء تونس” فعادت وقلبت المعادلة لمصلحتها”. 

majed.boumoujahed@annahar.com.lb