“بيروت في البال”- ذكريات ملحّة عن ساحة البرج والسينمات: دنيا، الريفولي، كابيتول وفينوس

ساحة البرج وسينما الريفولي 1956 (صفحة قديماً).

رسم آخر سينما ميتروبول شارع غورو على يمين الصورة فلافل فريحة وخلفه شارع المتنبّي أو سوق الأوادم 1952 (صفحة ” التراث اللبناني”)

من منا لا يحلم فعلياً أن تعود به عقارب الساعة الى ما قبل الـ 1975، وتحديداً في بيروت الجميلة، التي لم نتعرف إليها إلا بمشاهدات حاول نقلها لنا بعض رواد الأمكنة، التي جرفتها نيران الحرب المجنونة.رسم آخر سينما ميتروبول شارع غورو على يمين الصورة فلافل فريحة وخلفه شارع المتنبّي أو سوق الأوادم 1952 (صفحة ” التراث اللبناني”).

في كتاب “بيروت والذكريات” لكامل العيتاني الصادر عن دار بيسان، فصل خاص عن دور السينما. تقرر بحماس أن تقرأ ذكريات العيتاني “عن صالات السينما، التي أدمن على دخولها، ولأول مرة في سن السابعة تقريباً، مع والدته لمشاهدة فيلم لمحمد عبد الوهاب” مشيراً الى أنه “كان معروضاً في سينما رويال، التي كانت أول شارع بشارة الخوري قبل شقه”.

خمس عشرة صالة

مواضيع ذات صلة

لقطة فوتوغلاافية بالأسود والأبيض لسنيما متروبول بيروت الاربعينات (صفحة “التراث اللبناني”).

تفاصيل الوصف دقيقة، وتجذب القارئ لمعرفة هذا الشغف لدى العيتاني، عن البرج، الذي يعني بالنسبة إليه، “السينمات”. وأشار الى أن “دخول السينما كان سلوى الناس الوحيد ولهوهم البريء، لا يكلفهم سوى مبلغ بسيط”.

ما هي أعداد الصالات في حينها؟ تطبع السينمات ذاكرة العيتاني الى درجة أنه يحصي عددها “كان في البرج خمس عشرة صالة سينما على ما أذكر”. وصف واقعها في حينه بأن “كلها تعمل وتدرّ أرباحاً كبيرة لأصحابها، لعدم وجود تلفزيون أو فيديو أو أي وسيلة تسلية خرى، كما هو موجود اليوم”. قال:” وأتكلم عنها، لأني للأسف لم أكن مشغولاً بمطالعة الدروس أو الذهاب للمدارس أو الجامعة، كما شرحت من قبل، لعناد الوالد، الذي كان يفضل المهن والشغل على العلم والمعرفة…”.

رسم لمسرح شهرزاد شارع بشارة الخوري هدم بعد الحرب، المكان خالٍ اليوم (صفحة “التراث اللبناني”).

دور السينما

الى حبكة ذكرياته: دور السينما. وفي مضمون وصفه، أفاد العيتاني القارىء أنها “كانت مصنفة، منها للأفلام الأجنبية وهي دونيا وروكسي، متروبول، أمبير، وكابيتول، التي كانت تغير البرمجة في أعياد المسلمين”، مشيراً الى أنها تتواضع وتعرض الأفلام العربية الجديدة طمعاً بالربح ويرتادها البيارتة، على أن تعود بعد الأعياد عروض الأفلام الأجنبية”.

رسم لسينما دنيا في شارع الأمير بشير بين ساحتي البرج والدبّاس في العام 1963 (صفحة “التراث اللبناني”)

وانتقل الى فئة السينمات، التي “تعرض الأفلام العربية باستمرار فهي سينما هوليوود وسينما كايرو بالاس (أوديون سابقاً)”، موضحاً أن “سينما الريفولي كانت أحياناً وأوبرا (فيرجين الآن) يعرضان الأفلام العربية الناجحة”.

التصنيف

وإستمر العيتاني في وصف تصنيف السينمات، متوقفاً عند “سينما شهرزاد وغومون بالاس، اللتين كانتا تعرضان الأفلام الفرنسية”. ولفت أيضاً الى أنه “كذلك كان لرواد الأفلام الهندية دار سينما خاصة في ساحة دباس”.

رسم لسينما أوديون شارع بشارة الخوري مقابل ساحة الشهداء في العام 1954 (صفحة “التراث اللبناني”).

رسم سينما الجندول شلرع بشارة الخوري ساحة البرج 1972 (صفحة “التراث اللبناني”).

للأفلام الكاوبوي حصة في سينما راديو سيتي (ماجستيك سابقاً). وشرح العيتاني أن هذه السينما “هي و”أمبير” كانتا لآل حداد وإدارتهما واحدة، وكانتا بمساحات داخلية كبيرة ومقاعدهما بالمئات،” مشيراً الى أن “كلاً منها بثلاث طبقات مع مقصورات خاصة بتذكرة أغلى سعراً، للذين يفضلون الجلوس براحتهم على كراسٍ مختلفة عن التي في الصالة”.

وتضج ذاكرة العيتاني بأسماء أخرى لصالات سينمائية حيث يسكن الحماس بعض المشاهدات، فيقول:” من الذاكرة، إني شاهدت افتتاح سينما دنيا والريفولي والكابيتول والمتروبول. بعض دور السينما لها ملحق دار سينما صغيرة بنفس المبنى، تعرض الأفلام الناحجة عرض ثانٍ وثالث طالما تدّر أرباح، منها سينما دنيا معها الشهرزاد، الكابيتول معها سينما أمير، أوبرا معها سينما ريو، أما السينما التابعة للمتروبول فلم أعد أذكرها…”

تذكرة لسينما “كابتول” ( صغحة “التراث اللبناني”)

سينما فينوس

لم ينس العيتاني خلال سرده “سينما قديمة لآل كريديه من أوائل دور السينما، هي الكريستال في سوق النورية، كما كانوا يملكون أيضاً سينما صيفية تطل على البحر في منطقة الزيتونة هي ريالتو تحولت بعد سنين الى ملهى ليلي عربي باسم أوبيرج”.

الإعلان عن فيلم ” اللحن الأول” لكل من نجاح سلام ووديع الصافي (صفحة ” التراث اللبناني”).

وأسف العيتاني لدار سينما ظهرت في العام 1975 “قليلة الحظ” كما وصفها، هي سينما فينوس، مشيراً الى أنها “لم تدم سوى أسابيع وكانت في أسفل فندق هوليداي إن، الذي كان ساحة للمعارك في بداية الحرب اللبنانية”. وصف العيتاني قام المقاتلون بنهب الفندق وحرقه مع السينما، التي كانت من أفخم الصالات في بيروت، بمقاعد وثيرة فوتيه مخمل أحمر، وبافتتاح فيلم لبريجيت باردو”، موضحاً أنه “لم يعد لها أثر الآن، أو ما يشير الى وجود سينما في الماضي، سوى وقوف هيكل الفندق الذي يدل على تخلف وتعصب وجنون اللبنانيين، مع الأسف”.

“حفلة 6-9”

تذكرة عرض سينما (صفحة “التراث اللبناني”).

ماذا كان يفضل رواد السينما وفقاً للعيتاني؟ الجواب السريع والصريح هو “حفلة 6-9″. قال:” يخرجون منها دفعة واحدة ويسببون ازدحاماً لمدة لا تتجاوز ربع ساعة بعد ان يكون البعض استقل التران والبعض سيارات السرفيس، و5 في المئة من الرواد وهم “الذوات” الذين يملكون سيارات يركنونها في موقف وحيد في البرج كان في أسفل بناية سرسق”.

إعلان عن فيلم سينمائي جديد” كينغ كونغ” على مسلرح الكريستال (صفحة ” التراث اللبناني”).

وحرص العيتاني على نقل الأجواء المرافقة لعروض السينما “من نوادر ما كان يحصل في السينما، في احدى الليالي وأثناء مشاهدتنا فيلماً عربياً، وكان الرواج عليه كبيراً والصالة مظلمة، أحدهم يقف في الممر وينادي بأعلى صوته “يا عبد” ويكرر النداء الى أن سمع أحدهم يجيب “هون بالبلكون”، ويعاود الأول “وين بالبلكون؟ حتى صدرت كلمة من أحد المشاهدين، قليل الذوق، عندما استشاط الواقف بالممر غضباً وأخذ يهدد من وصفه بقلة الذوق، وبما أن العتمة أنقذت المتذمر، أخذ “القبضاي” يتوعده وبلقائه خارج الصالة عند نهاية الفيلم”.

سينما “غومون بالاس” ( صفحة “تراث لبنان أنيس موسى”).

وأكمل وصفه “إنه نادرة ثانية، كنا نتابع أحد الأفلام العربية، أيضاً، طوال الوقت نسمع من خلفنا حديث امرأة ورجل، وغالباً كانا حبيبين أو عروسين، من الحوار المسموع، وفوق ذلك صوت أفواههما تأكل ولا تمل، مخلوطة وشوكولا ونشم بعدها رائحة خضار لم نتوقعها إلا عند الإضاءة والأرض ملآنة بقشر الفول الأخضر”.

المتروبول وعجقة ناس وأعلانات أمام الباريزيانا سنة 1952 (صفحة “تراث لبنان أنيس موسى).

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel