الرئيسية / مقالات / شمّاعة “حزب الله” الاقتصاديّة: “التوجّه شرقاً” إفلاسات وعقوبات

شمّاعة “حزب الله” الاقتصاديّة: “التوجّه شرقاً” إفلاسات وعقوبات

نصرالله (أرشيفية).

الوصفة الشعبيّة التي لا ينفكّ “حزب الله” عن اقتراحها في غير مناسبة والتي كرّرها الأمين العام لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله في مقابلته الاخيرة تحت شعار أنّ “الحلّ الاقتصاديّ موجود وعلى لبنان التوجّه شرقاً”، لا تتلاقى مع معايير علميّة موضوعيّة تثبت نجاعة وصفة مماثلة، لا بل إنّها أثارت موجة انتقادات واسعة شملت بعض المؤيّدين لـ”الحزب”، منهم اعتبروا أنّه ليس من المنطقيّ التعامل مع الاقتصاد كما لو أنّه معركة حربيّة سريّة. يذكر أنّه بعد تشكيل الحكومة الحالية، سرّبت الممانعة أخباراً عن استعداد دول حليفة منها روسيا لتقديم وديعة في المصرف المركزي، وما لبث أن تبيّن أنّها “خبرية” عارية من الصحة.

يعبّر الواقع القائم بوضوح عن غياب أي مشروع اقتصاديّ لـ”حزب الله” سوى إخراج طروحات تحمل أبعاداً سياسيّة من الأكمام، كالدعوة إلى التطبيع مع النظام السوري والانسياق الكامل في محور ايران. العودة علميّاً إلى الأرشيف تظهر أن طهران كانت عمدت في الماضي إلى تقديم مساعدات عينيّة شحيحة إلى الدولة اللبنانية خارج إطار دعم “حزب الله”. والمقصود هنا، أنّ لا شيء كان ليمنع إيران أو سواها من دول الممانعة من تقديم المساعدة للدولة اللبنانية في الأيام الخوالي، وأن المسألة لا تتعلّق بـ”شمّاعة” طلب المساعدة التي ينادي بها “حزب الله”، خصوصاً أن المساعدات المقدّمة سابقاً لم تطلبها بيروت بل قدّمتها طهران من تلقائها، وهي بالكاد شكّلت خلال العقود الثلاثة الماضية رقماً رمزياً، شمل على سبيل المثال 25 مليون دولار لإعادة بناء طرق وترميم البنية التحتية في لبنان عام 2007، ومعونات ومساعدات غذائية قدّمت من طريق “الحزب”، ومشروع هبة لإنشاء سد للمياه بقيمة 40 مليون دولار.

أوضاع “الوجهة الشرقية” باتت أكثر حراجة اليوم، إذ تحتاج بذاتها إلى وصفة غير شعبية بعدما طلبت طهران مساعدات بقيمة 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي قبل أسابيع، وفي وقت رجّح فيه معهد التمويل الدولي تراجع الاحتياطات الرسمية من النقد الأجنبي إلى 20 مليار دولار في 2023 (دراسة نُشرت قبل أزمة “الكورونا”).

أبعد من ذلك، فإن دعوات “الحزب” المتكرّرة إلى التطبيع مع المحور الممانع ليس من شأنها أن تأتي بنتيجة في ظلّ إفلاسات اقتصاد دول هذا المحور وحسب، بل إنها دعوة مشبوهة نحو العقوبات.

وهنا لا بدّ من التذكير بما ينصّ عليه قانون قيصر الأميركي لحماية المدنيين السوريين (Caesar Syria civilian protection act of 2019 من عقوبات على النظام السوري وكلّ من يدعمه مالياً أو عينياً أو تكنولوجياً، إذ يشتمل في بعض مواده على عقوبات متعلقة بالبنك المركزي السوري وعلى محظورات في ما يختص بنقل الأسلحة إلى سوريا. وينص القانون على عقوبات إضافية وقيود مالية على المؤسسات والأفراد المرتبطين بالصراع السوري. ويفرض القانون عقوبات على الأشخاص الأجانب الذين يقدمون دعمًا كبيرًا أو يشاركون في صفقة كبيرة مع الحكومة السورية أو أولئك الذين يتصرفون نيابة عن سوريا أو روسيا أو إيران، أو مسؤولون على علم بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد الشعب السوري. ويفرض مشروع القانون أيضًا عقوبات على أولئك الذين يقدّمون عن علم سلعًا أو خدمات متنوعة إلى سوريا، مثل الطائرات للجيش والتكنولوجيا اللازمة لإنتاج النفط المحلي الحكومي. وتشمل العقوبات أيضاً منع المعاملات المالية ومنع الدخول إلى الولايات المتحدة.

في مقاربة ذات بعد قانونيّ – علميّ خارجة عن إطار الآراء السياسية الداخلية المؤيدة منها أو المعارضة التعاون مع النظام السوري، يرى رئيس مؤسّسة “جوستيسيا” القانونيّة الدكتور بول مرقص أن “قانون قيصر هو من ضمن القوانين الأميركية التي تعاقب كلّ من يسهّل التمويل والتموين لأفراد أو كيانات، سواء كانت شركات أو دول خاضعة للعقوبات، ذلك أن قيام أي دولة بمساعدة دولة أخرى تحت العقوبات مسألة من شأنها أن تعرّض الدولة الأولى للعقوبات أيضاً، انطلاقاً من مجموعة قوانين لا يمكن التفلّت منها بسهولة، ومن يستطيع التفلت من قانون ما سيعلَق في قانون آخر”.

بعبارة أكثر وضوحاً، يجيب مرقص ردّاً على أسئلة “النهار”، أن “الدعوات إلى تعاون غير محسوب النتائج مع الدولة السورية في الوقت الحالي يعرّض لبنان لمزيد من العقوبات الموسّعة، في وقت تطال مجموعة عقوبات أصلاً أسماء شركات وأفراداً لبنانيين لأسباب متعلّقة بالتعامل مع حزب الله”. ويوضح أنه “لا يمكن التوقّع المسبق لأسماء الذين يدرجون على لوائح العقوبات، ذلك أن توقّعات من هذا النوع تعتبر غير دقيقة ولا يمكن أحد أن يعرف أو يحتكم إلى التنبّؤ في هذا الموضوع. وقد أثبتت التجارب السابقة هذه المعادلة، حتّى أن المحامين الذين يتعاملون مع مكتب مراقبة الأصول والموجودات الأجنبية (الأوفاك) في الولايات المتحدة الأميركية، لا يستطيعون تسطير إجابة مسبقة عن هذا السؤال. ويمكن معرفة أسماء المدرجين على لوائح العقوبات في أحسن الاحتمالات، إذا ما اطُّلع عليها قبل ساعات قليلة من إعلان الخزانة الأميركية عنها”.

تدفع هذه المعطيات إلى الاستنتاج أن دعوة نصرالله إلى التوجه شرقاً وسعيه إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري وصولاً إلى طهران، هي بمثابة دعوة مباشرة كانت أم غير مباشرة إلى تصفية لبنان اقتصادياً. وتجدر الإشارة إلى أن تضاعف نفوذ “حزب الله” داخلياً وتوسّع رقعة سيطرته على مؤسسات الدولة وإمساكه بزمام القرار السياسيّ، كان له أن أنتج عزلة لبنانية عن الدول الشقيقة والصديقة وقلّص حجم المساعدات الدولية.

يشرح مرقص مقاربته في هذا الشأن، مشيراً إلى أن “العقوبات على حزب الله انعكست على نحو غير مباشر، ولكن على نحو فادح على لبنان، في ظل تقلّص المساعدات الدولية إلا باستثناءات قليلة، إضافة إلى محاذرة الأسواق المالية العالمية ولا سيما المصارف الدولية المراسلة التعامل مع القطاع المالي والمصرفي في لبنان، حتى أنه بات من الصعب فتح الاعتمادات مع هذه المصارف، وباتت بعض المصارف العالمية تطالب مصارف محلية لبنانية بإقفال الاعتمادات وإلغاء الكفالات المعطاة لها خارجياً ما انعكس على بيئة الأعمال في لبنان بشكل سلبي”.

majed.boumoujahed@annahar.com.lb