الرئيسية / مقالات / “رجعة” لبنان، وليس إعلانه

“رجعة” لبنان، وليس إعلانه

(عن الانترنت).

ما دام هذا العام هو مئوية الأول من ايلول 1920، فلا بد من استعادات دائمة للتأمل في ما حدث. لكن الاستعادة بغير شجاعة تكرار للخطأ. والندم في صمت ليس توبة تستحق الغفران. وقد عبَّر رشيد درباس، العفوي والنزيه والطيّب، عن جيل من الحزانى والأحزان عندما حاول التخفف من أثقال خيبة عقود ضاعت في الأحلام العظيمة والنتائج السقيمة. جيل تاه في أمته، وضاع في شعبه، ولم يلقَ امامه شيئاً سوى الانكسار والخيبة والسقوط العام.

ولا عزاء. كلما قلبتَ مقالة أو بياناً أو خطاباً، وجدت تحذيراً من الأسوأ. وكلما تراءى لك شيء من الماضي المدهش، شعرت ان الحداد سوف يكون أبدياً. هل تعرف لماذا سمّى ميشال شيحا “اعلان لبنان الكبير”؟ سوف تبكي من جديد، وتظل تبكي، على ذلك المرسل الفكري، عندما تبحث في عقله الرؤيوي السامي، عن نظرته الى الحدث: لقد اعلن الجنرال غورو “مفوض فرنسا السامي في أراضي المشرق، رجعة الوطن اللبناني”.

ليس إعلاناً، ولا ولادة، بل عودة طبيعية كأنما من غياب موقت. كتب الكلداني الفائق الالهام تلك الكلمات في ايلول 1936. وكتبها بأسلوب من نسجه وحده، شيء من نشيد الإنشاد، شيء من بول فاليري، شيء من غنى والتقاءات المتوسط. دائماً كان لا ينسى أن يكرر، ما ألطف المتوسط (1).

وما أبهى عبقريتك. وما أحزنَ البلد الذي بشَّرت به ولم يستطع ان يكون. لم تكن المسألة سهلة، لكنها تستحق العناء في كل حال. ألست أنت القائل: “كل ما تربحه الفكرة الطائفية، فالأمّة هي التي تخسره”؟.

استخدمتُ، عفوك، مصطلح البلد. هذا هو الشائع عند الدهماء اليوم. أنت، الاثيني، الارسطوي، المنخرط في حياة الناس بعقل أسمى من عقولهم، كنت تصطلح دائماً على عبارة “المدينة”. لعلك تقصد الملتقى. البوتقة. مركز التفرع، ودائرة الجمع. لعلك. ما من عبارة مرتجلة. ما من كلمة تسبق العقل والنبل.

كم نتذكرك في هذا الانحلال “المواطنون الذين لا يبالون بالشأن العام، يُحرَمون حقهم في المدينة”. لكنهم لا يبالون، “لا ترى غير اللامبالاة. وبعد قليل تمتلىء المدينة الهادئة ضجة وتضطرب جنباتها بالحركة، بل تحاذي الجنون. فترى مائة الف من الكائنات العاقلة والقصبات المفكرة، وقد اندفعوا يبحثون عن الكسب وهم متعطشون للربح، طمّاعون، مسترقون، لا يخطر لهم الله ولا الوطن ولا الواجب ببال، ولسان حالهم يقول إن موت المدينة أهون عندهم من ان يبذلوا في سبيلها دقيقة من الوقت، أو بضعة أفلس”.

نحن، في هذا الوطن المتضارب والمتنافر والواقع على المفترق في دروب الأمم، أمام حقيقتين بغير زوال: “ليس وطناً للبيع” و”خيارنا الوحيد إما التآخي أو الموت”. العنصريون، لهم قارعة يغنّون عليها، وطبلة عابرة، مهما ظنوا أنها السمفونية التاسعة: إنها ليست السمفونية التاسعة. مجرد عزف منفرد على الربابة.

“فما ألطف المتوسط”! وفي العام 1944 كتب ميشال شيحا: “لبنان عليه واجبات حيال الجنوب وحيال البقاع ايضاً. وكلاهما مهمل الى حد لا يجوز قبوله. هذا مع آن لنا أن نستخرج من التراب ومن الليل، في هذا وفي ذاك، جملة ثروات مادية روحية”.

هل يذكّرك هذا الكلام بشيء؟ أنا يذكّرني بالعناية الشخصية والرسمية التي اولاها فؤاد شهاب للجنوب والشرق. يذكرني بالمعلم والطالب. ومثل هذا السمو الوطني يولّد مثل هذه الرفعة الوطنية. لم يستطع فؤاد شهاب أن يطبّق كل ما قرأه عند شيحا، لكنه حاول. وكانت محاولته يتيمة عظيمة مثلما عند شيحا. يتامة الكبار. لكن اليأس لا يدفع بالكبار الى الصغائر: هكذا بقي شيحا في منزلته الفكرية الروحية الوطنية (وليس السياسية)، وهكذا ظل صاحب العهد الفريد.

أصر شيحا في أطروحته على اهمية مجلس النواب باعتباره “عنصراً جوهرياً في الحياة السياسية لأن الاقليات الطائفية المتشاركة محتاجة، لتبقى متشاركة، الى تمثيل جماعي… ولقد اثبت تاريخ لبنان المعاصر بوضوح ما بعده وضوح، أنه كلما اختفى المجلس مرة من الوجود، كانت السلطة الطائفية تحل محل المجلس، وكان يولد آلياً مجلس ملّي من الطراز اليهودي، أو اكثر”.

يعود شيحا إلى الكتابة عن رجعة لبنان العام 1944: “لبنان في هذا الأول من ايلول، يحمل نقاء الوجه الذي يبديه في هذه الأيام، الى جملة المواقف القومية والدولية في الشرق الادنى. هو يتقدم في صورة المودة والأخاء، على انه ضرورة تاريخية وإنسانية، وهو في صورته هذه، يحل على الرحب أخاً بين أمم العالم”.

بفكره الرائي، حاول ان يوسّع الرقعة الصغيرة من اجل ان تتسع للرسالة الكبيرة: لبنان عقد بين اقليات متآخية: “وهو ارحب بما لا يقاس، من رقعة الأرض التي يعطيها، لأن قدره أحلَّه مكان القلب من العالم القديم”.

ليس بين المفكرين الذين عايشوا “رجعة” لبنان وادركوا استقلاله، من حملَ من المحبة والرؤية والحلم، مثل ميشال شيحا. كان كثيرون يرون رأيه، لكن احداً من مجايليه، أو من مريديه، بلغت عبارته التاج الذي بلغه. فقد كان يغرف من ثقافات كثيرة ومعارف بلا حدود، وخصوصاً من أفق إنساني شبيه بتنقل الملائكة بين بساتين القطاف وتقسيم المواسم.

هؤلاء كانوا الآباء الدستوريين، كما يقال في الآباء المؤسسين. وقد تصرّفوا على هذا المستوى من الخلق والفكر والسلوك الحسن. كوكبة فيها بشارة الخوري ورياض الصلح وسليم تقلا والفرد نقاش ومحمد الجسر وعبد الحميد كرامي وبكركي دوماً. يوم الفكر والرحابة اساس في العمل السياسي، والخطاب شعلة، لا شرارة، كما يشترط شيحا في اهل المواقع، معتبراً أن البرلمان هو المنتدى الدائم لشؤون البلاد، يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية، ويخاطب الناس في شؤونهم وشؤون دولتهم ووطنهم.

وكان يرى أن مخاطبة المجلس للناس يجب أن تكون اسبوعية على الأقل، وبألاَّ تكون هناك عطلة صيفية لا معنى لها. وأوصى لذلك بالانتقال الى الجبل، تفادياً للحر والضيق واغواء الخمول. بمثل هذا الرقي من توقير الدستور والمهمات المربوطة بمؤسساته، ينتظم العمل الوطني بدل ان يتصادم، ويتحول الى تضافر بدل التقافز والنّط والتنافس على معاني الدستور وتأويل البنود وزرع الفتن.

المادة الدستورية التي تحتاج الى فرقة من المفسرين، يجب ان تعدَّل أو أن تُلغى. الدستور هو مجمل حقوق الناس، وما لا تفهمه العامة، يكون خدعة لفظية.

تشبه الفتنة اصحابها كما الجمال يشبه الأنفس الأبية وقد أعطيناه: مناخاً مشمساً، وزيتوناً وبرتقالاً وتوتاً وكرمة و”كل ما يسبغ على ارجاء بلادنا صفة بروفانس المشرق” HELLAS, CHER MAITRE لا بروفانس ولا باريس ولا سويسرا، تلك التي كنت تقول ان كانتوناتها هي طوائفنا، وفي مثل انتظامها ودقة ساعاتها، يجب أن نتوزّع الواجبات: “غرض السياسة الأول هو جعل المواطنين والشعوب يعيشون في وئام، وأن واقع الحياة هو من يتولى تخطئة الذين يكونون على خطأ”.

يتأمل ابن منطقة عاليه كل البقاع الأخرى ولا يرى سوى الجمال مكبراً ومضاعفاً اكثر مما رآه آباؤه الآتون من العراق ولوحات نينوى. يتأمل جبل لبنان وصلته بالساحل، ثم يوجه الدعوة عامة للذهاب الى الجنوب “لمشاهدته في هذا الفصل. فهو شيء من الفرح يسيل في الوادي الضيق العابق بالعطر. فالتاريخ في تلك الاصقاع مدرج في المشهد، وكل صخرة ذكرى وكل ضيعة مملكة”.

كل جمال كان هنا. وأربعة فصول وأربعون موسماً. كان ينقص فقط أن يرتقي المواطنون الى رفعة الوطن. وأن تدرك القيادات ما قد وُهبت في مجانيات الخلق والحظوظ.

ثمة رواية شهيرة عنوانها “أن تقرأ لوليتا في كابول”. أي ان تقرأ الرواية التي كانت مثالاً للتحرر الأدبي، في عاصمة الملّا عمر وتقاليد قندهار. هكذا تبدو قراءة ميشال شيحا في المدينة اليوم. كان يفكر يومها في اثينا ولطافة المتوسط وألوان البروفانس في مثل هذه الأيام من نوّار. وقد كانت خيانتنا عظيمة للآباء المؤسسين. كان ميشال شيحا يرفض حتى كلمة انتداب، لأنها لا تليق بتقدمنا في الأمم. وظل يعاتب فرنسا على الخطأ. ولم يعش، رحمه الله، ليرى.

(1) ميشال شيحا، “في السياسة الداخلية”، دار “النهار”، النص العربي بقلم أحمد بيضون.

Twitter: @Samir_N_Atallah