الرئيسية / مقالات / لا تعدموا المدرسة الخاصة… لانكم ستندمون

لا تعدموا المدرسة الخاصة… لانكم ستندمون

تعيش الحالة التربوية في لبنان ما يقرب من الاختناق الكلي. فاذا كان رئيس الجامعة الاميركية، وهي المؤسسة التربوية التي تتلقى اكبر قدر من الهبات والمساعدات سنويا، يطلق نداء يعبر فيه عن قلق على المصير، في ظل الضائقة التي تحاصر البلد بجامعاته ومدارسه واعلامه وتجارته، فكيف تكون اوضاع المدارس التي، وان اعتبر الاهل انها مكلفة، لم تعد اقساطها تكفي لتوفير رواتب المعلمين والموظفين.

اخطأت مدارس خاصة كثيرة عندما تحولت بقصد او بغير قصد، الى مؤسسات تجارية، وحاولت اخفاء بعض ارقامها، ولو كان المراد خيرا للتوسعة والتطوير بما لا يسمح به القانون، لان التحايل على القانون يجعلها في موقع المشتبه به، ويسقط القيمة الرسالة عنها.

وربما تعاملت مدارس مع تلامذتها بفوقية، من موقع القوي، وقال مسؤولون فيها لذوي تلامذة غير مقتدرين “اذا مش عاجبكم خدوا ولادكن وفلّوا”، ولم تتعاطف مع حال الفقير والمعدم والمستضعف. لكنها تبقى حالات افرادية لا يجوز تعميمها بما يؤدي الى الانتقاص من تلك المدرسة ودورها التاريخي في بناء الانسان اللبناني والمحافظة على لبنان الرسالة.

لكن احوال المدارس تبدلت اليوم بشكل جذري، مع تبدل كل الاحوال. ودخلت في صدام مع الاهل والمعلمين، وقت صدور سلسلة الرتب والرواتب، وخصوصا الدرجات الست، التي دمرت علاقة انسانية وجعلتها في الحضيض. وزادت هذه العلاقة تأزما في الزمن الكوروني والانهيار الاقتصادي حيث تعجز المدارس عن الايفاء بالتزاماتها، و”يتشاطر” الاهل المقتدرون على الادارات لعد تسديد الاقساط، فيما يعجز اخرون بالفعل. ويشعر هؤلاء واولئك بانهم في الموقع الاقوى، وانهم قادرون على تسديد ضربة في مرمى الخصم.

واذا كانت المدرسة الخاصة ليست في افضل حال على الصعيدين المالي اولا، والتربوي ثانيا، بعدما اكتشفت عدم قدرتها على مواكبة العصر وتخلف المناهج والبرامج، فان الاكيد ان المدرسة الرسمية التي يفاخر بها اهل الحكم، بلغت اليوم، في عز الازمة الكورونية، الحضيض، ولن تقوم لها قيامة في المدى المنظور.

لذا، فان التضحية بالمدرسة الخاصة، سيقضي على المنظومة التربوية في لبنان بشكل كامل، خصوصا المدرسة الكاثوليكية التي نشرت التربية والتعليم في المناطق اللبنانية النائية، وهي اليوم تتابع رسالتها المناطقية مع تلامذة لا يتجاوز المسيحيون بينهم العشرات، لكنها لا تزال تزرع بذور الحوار والانفتاح والتربية والفكر اللبناني الاصيل.

في هذه الظروف، يكون الاحتكام الى العقل هو الخيار الافضل، لان الوقت ليس لتصفية حسابات، غالبها مبني على سوء تفاهم، وضعف تواصل. ولعل لبنان التوافقي هو خير مثال للعلاقة في هذه المرحلة، اي العمل لبلوغ التسويات والتوافقات بحيث لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم، لان الخسائر التي حصلت الى اليوم، والمرشحة للتفاقم بسبب الازمة، ستصيب كل الاطراف المعنية. تهديد المدارس بالاقفال خسارة للرهبانيات والمؤسسات، وقضاء عليها، لانها ستتفكك من جراء زلزال بهذا الحجم، والاقفال سيودي بالنظام التربوي في لبنان ويقضي على مستقبل الاجيال. التوافق مطلوب قبل فوات الاوان.