الرئيسية / مقالات / الرسن والخناق

الرسن والخناق

الرسن والخناق، لوحو لمنصور الهبر.

التعيينات ستكون اليوم الخميس إلى طاولة مجلس الوزراء، والفوز فيها لن يكون بالنقاط بل بالضربة القاضية – وهذا مفروغٌ منه – وسيكون هذا الفوز، كما هي الحال دائمًا، في يد مَن يمسك بالرسن الذي يشدّ على الخناق، مثلما يليق بكلّ رسنٍ يشدّ جيّدًا، وبشكلٍ محكمٍ ومكينٍ، وربّما… بشكلٍ لائقٍ أيضًا، على كلّ خناق.

هذا ليس ترجيحًا. بل يقين: ولا استثناء.

على سبيل التدارك: كلّ مسرحيّةٍ بخلاف المذكور أعلاه، إنّما تندرج في باب الإلهاء والتخريج، حفظًا للمواقع والوجاهات و… مياه الوجوه.

الرسن يكون في العادة، في يد واحدٍ أحد. كما هي حال السلطة عندما تكون في يد مَن يحكم بيدٍ من حديد. وإنْ على الطريقة التي أعلنها زياد ابن أبيه في خطبته “البتراء” المشهورة، يوم عُيِّن واليًا على البصرة الخارجة على حكم الأمويّين: لينٌ في غير ضعف، وشدّةٌ من غير عنف.

أمّا النتيجة فستكون واحدة.

وهذا لا نقاش فيه.

ثمّة التفاصيل بالطبع، أي التفاصيل المتعلّقة بالهمروجة من جهة، والتعيينات من جهة، مَن يحظى بهذا المركز، أو بذاك.

التفاصيل هذه، رؤيتُها الإجماليّة، هي شغلُ أناسٍ أصحاب سطوةٍ ما بعدها سطوة، وأهل حنكةٍ ما بعدها حنكة. وهذا كلّه، يُحاك نسيجُهُ، ويُدَبّر، في الحين نفسه، معًا وفي آنٍ واحد.

هذا أيضًا نتيجته ستكون واحدةً، لا لبس فيها، ولا جدال.

كلّ مَن يساوره ظنٌّ أو وهمٌ، بأنّ شدّ حبال المماحكات والمنازعات والخلافات هو على غاربه بين الأطراف الذين يتألف منهم الوئام (أو الوحام) الحكوميّ، فإنّي أقول لمَن يساوره مثل هذا الظنّ أو الوهم، إنّ غد التعيينات لناظره قريب.

ومَن انتظر دهرًا، يمكنه أنْ ينتظر يومًا بعد دهر.

هذا التبسيط اليقينيّ الوارد أعلاه، مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بفهم طبيعة المكوّنات التي يقوم عليها الهرم الحاكم.

ثمّة مَن بيده السلطان (أي الرسن)، وثمّة الباقون، أي الذين يلوذون بحكم السلطان، ويفيئون إلى ظلّه، وهؤلاء حصصُهم من التعيينات، كلٌّ بحسب مكانه ومقامه في هذا الهرم الميمون.

هذا الموضوع، كما غيره من الموضوعات، لا يحتاج إلى كثير شرحٍ، ولا إلى سفسطة التفاصيل.

أمّا وزراء الحكومة هؤلاء، برئيسهم والأعضاء، وخصوصًا المستقلّين منهم والاختصاصيّين، فلن يتجشّم المرء – إذا كان عاقلًا – أنْ يسألهم سؤالًا واحدًا على سبيل الاستجواب، ما داموا قد ارتضوا لأنفسهم ولاختصاصهم ولاستقلاليّتهم، الانضواء في معيّة المرشد وأعوانه وحلفائه، كلٌّ بحسب الموضع الذي هو وحده ارتضاه له، أكان ذلك في الحكم أم في الحكومة.

وهنا أيضًا، لا استثناء.

يمكن مَن يتابع مجرى الأمور، ومَن يتوقّع حصول التعيينات غدًا، أنْ يعرف من الآن (بإذنه وحده) مَن هم نوّاب حاكم المصرف المركزيّ.

هذا، سيجري بالطبع وفق الأعراف المعمول بها، وبحسب ما تقتضيه التوازنات الطائفيّة والمذهبيّة، التي يعرفها السلطان جيّدًا، وتمليها أهواء أطراف الحكم فحسب، وليست تمليها الكفاءة المستقلّة قطعًا. وخصوصًا إذا انوجدت هذه الكفاءة المستقلّة عند أناسٍ لا ينتمون إلى السلطان وأهله وحاشيته وأطرافه وهلمّ.

هل يجب أنْ أفتح سيرة الودائع الموقوفة؟ أم سيرة الأموال المهرّبة؟ أم سيرة الأموال المسروقة والمنهوبة من خزينة الشعب؟!

وهل، هل يجب أنْ أفتح سيرة المساعدات للجمهور المحجور عليه بحكم الوباء، المتوجّس الوجِل القلِق الجائع الفقير العاطل عن العمل، مَن ينظّمها، ومَن يُفتي فيها، ومَن ومَن، وكيف تبقى محرّرةً من هيمنة هذا وذاك، أو من تدخّل ذاك وهذا؟

أم هل يجب أنْ أرفع غطاء السؤال عن مصير التعيينات القضائيّة، ومسألة استقلال القضاء عن السياسة والسياسيّين، وعن السلطتَين الموقّرتَين، التشريعيّة والتنفيذيّة؟

أفتح “لسان العرب” و”محيط المحيط”، على الرسن والخناق، فأقرأ ما يأتي:

الرسن: الحبل وما كان من زمامٍ على أنف.

الخناق: ما يُخنَق به من حبلٍ وترٍ ونحوه. وأخذه بخناقه أي بحلقه.

المسألة في كلّ حال، لا أعتقد أنّها تحتاج عندنا، لدى ممارسة السلطان والسلطة، إلى رسنٍ، ولا إلى خناق.

هذا مثلٌ يُتمَثّل به، للإفهام، ليس إلّا.

كلٌّ، عندنا، يعرف حدّه ويقف عنده.

… وكلٌّ يعرف حصّته. والسلام.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد