الرئيسية / مقالات / إيّاكم أنْ تكتفوا بالتذمّر

إيّاكم أنْ تكتفوا بالتذمّر

لا أريد أنْ أتفلسف على أحد. لا من فوق، ولا من تحت.

أنا متذمّر، لكنّي لا أكتفي بالتذمّر، ولستُ من دعاته، لا سلبًا ولا إيجابًا، أكان ذلك بسبب ضيق الحال والإفلاس وتهريب الأموال وسرقة الودائع، أم بسبب الإجراءات الوقائيّة المتفاوتة المستوى، تراخيًا واستخفافًا من جهة، وصرامةً وقسوةً متشدّدةً من جهةٍ ثانية، وبين بين من جهةٍ ثالثة.

وعليه، فإنّي أدعو مواطنيَّ بإلحاح، إلى التخفّف من التذمّر، لهذا السبب أو ذاك. لأنّه لا يفيد في شيء.

إنّه يحرف العقول عن المشكلة، أيًّا كانت، ويدلّ في أحواله كافّةً، على قلّة الحيلة، والوقوع في شراك ردّ الفعل، وغواية السلب، وربّما الاستسلام للأمر الواقع.

يجب أنْ أقول إنّ الاكتفاء بالتذمّر هذا، إنّما يعبّر في حقيقته الأساسيّة عن مأزقٍ فادحٍ مزدوج؛ طرفُهُ الأوّل هو السلطة، وطبقتها الحاكمة، ومكوّناتها السياسيّة والطائفيّة والماليّة والأمنيّة والقضائيّة، باعتبارها راعية الناس والشأن العامّ، ووليّة الإدارات والمؤسّسات، وطرفُهُ الثاني هو الجمهور، في انتماءاته المتنوّعة والمتنافرة، وفي اصطفافاته، وأفعاله، وردود أفعاله، موالاةً ومعارضات.

أسوأ ما يمكن أنْ توصف به السلطة، أنّها لا تملك من مقوّمات السلطة إلّا ما هو نقيضها: انعدام الرؤية.

انعدامُ الرؤية هذا، هو مدعاةٌ للوقوع في التردّد، والتخبّط، والارتباك، والتشرذم، والتشتّت، والتأخّر عن المواءمة بين الحدث وما يستدعيه من إجراءات، ومدعاةٌ للوقوع في ما لا تُحمَد عقباه. وهو هذا الذي نحن واقعون فيه الآن.

لا يعنيني في شيء أنْ أقع في التذمّر – على رغم أنّي متذمّرٌ حتّى النخاع الشوكيّ – أكان ذلك بسبب الفساد وانهيار المناعة الماليّة أم بسبب الوباء: من مثل أنْ أكيل السباب والشتيمة للسلطة، أو أنْ أهجوها. إنّما يعنيني فقط أنْ أصفها بما هي عليه، واعيًا الأسباب الموضوعيّة الشتّى لما هي عليه من شفاءٍ مستحيل، ومدركًا أنّ وعي هذه الأسباب الموضوعيّة يفترض تعيينها بالكامل، دون إغفالٍ أو نقصان، واتّخاذ الموقف العملانيّ المناسب حيالها… للخلاص منها.

هذه السلطة لا شفاء منها، إلّا بالانتهاء منها.

هي سلطةٌ فاسدةٌ، وطائفيّةٌ، وتحاصصيّة، صحّ. لكنّ فسادها وطائفيّتها وتحاصصيّتها، هي الجانب المرئيّ من جبل الجليد.

إنّها، في الجانب غير المرئيّ (ربّما بل الأرجح أنّه مرئيٌّ أيضًا) من جبل الجليد، سلطةٌ لقيطةٌ، غير شرعيّة، لأنّها ليست وليدة الدستور وتعديلاته، بل وليدة الاغتصاب المتواصل لهذا الدستور، على أيدي المغتصبين الإقليميّين وأذرعهم الأمنيّة وأدواتهم السياسيّة المحليّة، منذ وقف الحرب اللبنانيّة، وإقرار اتّفاق الطائف الذي بقي حبرًا على ورقٍ مبلول.

هذه هي حال السلطة الآن، وقد وصلت الأمور المأسويّة إلى مواصيلها المعروفة، انهيارًا اقتصاديًّا، وإفلاسًا ماليًّا، وإفقارًا، ونهبًا، وفسادًا، وأوبئةً، وإلحاقًا بالراعي الإقليميّ المعروف، وجهازه المحليّ الحاكم.

يجب أنْ نعي حال هذه السلطة وعيًا عقلانيًّا ونقديًّا، وأنْ نتّخذ الموقف العملانيّ المناسب حيالها (أكرّر: الموقف العملانيّ المناسب)، لا أنْ ننصرف إلى التذمّر من جرّاء هذا المأزق الذي نحن فيه، ولا من جرّاء مفاعيله وانعكاساته كافّةً.

حال الفساد والفقر والإفلاس، إنْ هي سوى نتيجةٍ حتميّةٍ لواقع استمرار هذه السلطة.

أمّا حالنا مع الوباء، فإنْ هي سوى نتيجةٍ طبيعيّةٍ وموضوعيّةٍ لانكشاف الغطاء عن مأساة اهتراء البنى الأساسيّة المكوّنة للإدارة والمؤسّسة والسلطة والدولة.

إيّاكم أنْ تتذمّروا بسبب أحوال السلطة. وأنْ تكتفوا بالتذمّر.

يجب أنْ نعي أنّ المأزق الذي نواجهه هو مأزقٌ مزدوج، طرفُهُ الثاني هو هذا الجمهور المتذمّر، المكتفي – الآن، أي في هذه اللحظة المأسويّة بالذات – في غالبيّته الساحقة بإبداء التذمّر، والمراوحة ضمن حلقته المفرغة.

هذا الجمهور المتذمّر، سلبًا أو إيجابًا، موالاةً أو معارضات، يتحمّل، هو أيضًا، مسؤوليّة ما نحن فيه. لأنّ هذا الجمهور قادرٌ – عجبًا – على تحمّل استمرار هذه السلطة في السلطة، ولأنّه لم يحوّل غضبه الثوريّ إلى قوّةٍ خلّاقةٍ قادرة على إزاحة هذه السلطة.

إيّاكم أنْ تتذمّروا، إفلاسًا، وفقرًا، وجوعًا، ومرضًا، وهلعًا ممّا نحن فيه من وباء.

نحن في مأزقٍ مزدوج، طرفاه السلطة والجمهور.

السلطة الغارقة والمستغرقة في انعدام الرؤية، تردّدًا، وتخبّطًا، وارتباكًا، وتشرذمًا، وتشتّتًا، وتأخّرًا عن المواءمة بين الحدث وما يستدعيه من إجراءات، ووقوعًا في ما لا تُحمَد عقباه، هذه السلطة ثمّة مَن “يرى” جيّدًا كيف يديرها، وثمّة مَن يعرف إلى أين يريد أنْ يصل بها، من حيث التصوّر، ومن حيث الهوّيّة، ومن حيث المصير.

أمّا الجمهور المتذمّر، بسبب الإفلاس أو الفقر أو الوباء، فمسؤوليّته القصوى أنْ يخلع التذمّر، وأنْ يعي مسؤوليّته، وأنْ يدرك أنّ الانتهاء من السلطة، من هذه السلطة، لا يكون بردود الأفعال، إنّما فقط بوضوح الرؤية السياسيّة والوطنيّة المتكاملة، وما يستدعيه هذا الوضوح المتكامل من لزوم التوصّل إلى إقرار خطّة طريق لإنهاء هذه السلطة ولاستعادة الدولة.

أنا متذمّر. كلّنا متذمّرون. لكنْ، إيّانا أنْ نقع في هذا الفخّ المخادع. وإيّانا أنْ نكتفي بالتذمّر.

وضوح الرؤية هو الحلّ.

… وخطّة الطريق!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد