الرئيسية / مقالات / إنّه الحزب يا ثورة

إنّه الحزب يا ثورة

من المواجهات الأخيرة. (تصوير نبيل اسماعيل)

قامت مشروعيّة ثورة ١٧ تشرين منذ بداياتها على قاعدة تبنّيها للشعار الوحدويّ “كلّن يعني كلّن”، وابتعادها عن أيّ عنوان خلافي قد يقسم اللبنانيين على أسس طائفيّة او عقائديّة. لذا كان القرار منذ الايام الاولى هو عدم ابراز مسألة سلاح “حزب الله،” برغم كونه ركنا أساسيا من الانهيار الاقتصادي الذي بدأ يصيب لبنان في العام ٢٠١١. الان وقد قاد الحزب – بنجاح نسبيّ – المرحلة الاولى من مشروع الثورة المضادة، مخرجا جمهوره العريض منها، ومضعفا عزيمتها بالعنف الأهلي المنظّم، ومشكّلا حكومة يتحكّم بكامل مفاصلها، حيث اخرج خصومه السياسيين منها والتفّ على مطلب الثورة بحكومة أخصّائيين مستقلين، لا بدّ من مصارحة داخل الثورة حول تكاليف واضرار دور “حزب الله” المنتفخ اقليميّا ومذهبيّا على الاقتصاد اللبناني. ليس ذلك من باب جردة الحساب على الوضع الذي وصلنا اليه، ولا لإعفاء المجموعة السياسيّة السياديّة من المسؤوليّة الاكيدة عن الفساد وسوء الإدارة، انّما لنفهم جميعا ان لا أموال ستأتي الى لبنان ولا من يحزنون، الا إذا تبنّت الدولة اللبنانيّة سياسة الحياد الجدّي والمعلن في العلاقات الخارجيّة.

لنعد الى الوراء قليلا. متى بدأت فعليّا الازمة الاقتصاديّة اللبنانيّة؟ ان ايّ مراجعة علميّة للأرقام والمؤشّرات الاقتصاديّة (وارقام النموّ المتهاوي والعجز المتزايد ليست وجهة نظر) تأكّد ان الهبوط الحاد بدأ في العام ٢٠١١، واشتدّ مساره الانحداري بعد العام ٢٠١٦. ماذا حصل في العام ٢٠١١؟ كان هذا العام المشؤوم بداية الإمساك الفعليّ لـ”حزب الله” بكلّ مفاصل النظام السياسي اللبناني، بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، والذي لا يشمل فتات الحصص والمنافع التي حافظ عليها خصومه باندفاع وتفان متقن. فقد لبنان يومها التمييز – ولو المصطنع – بين الدولة و”المقاومة”، ودخل في منحى انعزالي (بالمعنى الحقيقي للتعبير، و ليس التهمة الزائفة التي اتّهمت بها الجبهة اللبنانية تاريخيّا) قوامه التوأمة العضويّة مع محور سوريا – ايران – فنزويلا (وربّما كوريا الشماليّة).

بعد عام من انقلاب “القمصان السود”، بدأ “حزب الله” يوسّع نشاطاته العسكريّة الى ان أصبح “لاعبا اقليميّا”، يقاتل في سوريا والعراق واليمن (وينظّم الخلايا في الكويت والبحرين) معرّضا الامن القومي العربي للخطر باسم لبنان. اكتمل هذا المشهد الانعزالي في العام ٢٠١٦ مع انتخاب العماد عون رئيسا للجمهوريّة، والذي بدل ان يعيد التوازن (ولو اللفظي) الى العلاقة المختلّة بين الحزب والدولة (كما توهّم بعض عباقرة السياسة الذين راهنوا على تحوّل تاريخي تنتجه التسوية) أضاف ركن استراتيجي الى “حزب اللاهيّة” الدولة اللبنانيّة. ذهبت الاستثمارات الخارجيّة (٧٦٪ منها من الخليج) والسياحة (٤٠٪ من المدخول من الخليج) والمساعدات (كالوديعة التي وضعتها السعوديّة في حرب تمّوز لاستقرار الليرة) وتحويلات اللبنانيين بالخارج (٦٠٪ منها من الخليج) ضحيّة مشروع “تحرير القدس” عبر بوّابتيّ حلب وصنعاء برعاية رسميّة لبنانيّة. واستبدلت بعنوان وهميّ اسمه “تشجيع الصناعة والزراعة” من جهة، و”الحصار لم يثنينا عن المقاومة” من جهة أخرى. في ايّ مصرف تصرف هذه العناوين بالدولار الأميركي؟

يشبه لبنان اليوم دولتيّ قطر في العام ٢٠١٧ واليونان في العام ٢٠٠٩، مع بعض الفوارق “البسيطة”. لبنان محاصر (او بمعنى ادقّ، مقاطع) كما هي قطر، لكنّه لا يملك (حتّى الان، على امل ان تبقى الموارد في البحر حتّى اشعار اخر) غازا او نفطا يعوّض العزلة السياسيّة. لبنان أيضا يعاني من ازمة سوء إدارة اقتصاديّة وديون خارجيّة، لكنّه لا يملك اتّحادا اوروبّيا يفرض إصلاحات ثوريّة مقابل مشروع دعم انقاذي مالي واقتصادي. بدل النموذج القطريّ المؤجّل، قدرنا الان ان نستلهم النموذج الايراني، الذي وبسبب أحلام الإمبراطورية (ونحن عضو مؤسسّ في نادي العواصم الأربع) يعيش الفرد فيه على دخل ٥,٤١٧ دولار في السنة (ستنخفض دراماتيكيّا مع العقوبات المستجدّة) بينما المواطن التركي (غير المصدّر للنفط) يحظى بدخل قدره ١٠,٥٤٠ دولار في السنة، أي تقريبا الضعف. وبدلا عن النموذج اليوناني، قدرنا حكومة “الصفعة لبومبيو” (على اعتبارها اولوّية وطنيّة لبنانيّة) التي سيتعاطى معها العالم – من “مجموعة سيدر” الى صندوق النقد الدولي – على انّها جهة معادية لا تستأهل أكثر من مساعدات تعنى بـ”الامن الغذائي” للشعب اللبناني.

يقدّر الخبراء الاقتصاديون ان لبنان في حاجة الى حوالي ٢٥ مليار دولار على خمس سنوات ليستعيد عافيته الاقتصاديّة، ولكن ما لا يقوله معظم هؤلاء هو ان مجيء هذا المال سياسي بالدرجة الاولى (وإصلاحي بالدرجة الثانية، كما تبيّن من فشل تجربة سيدر للرئيس ماكرون مع حليفه الرئيس الحريري)، وان مرحلة “الدلع” النقدي اللبناني على الخليج انتهت الى غير رجعة. هل يعتقد الممانعون انّهم يخدعون العالم “الساذج” بإتيانهم برئيس من الجامعة الأميركية، ام انّهم ينوون انعاش الاقتصاد بمساعدات الوليّ الفقيه الذي انتج مؤخرا موازنة “وهميّة” (بسبب توقّعها لمداخيل لا يمكن ان تتحقّق) مجموعها لا يتعدّى ٤٣,٥ مليار دولار؟ للمقارنة، الموازنة التركيّة للعام الحالي ١٧٨ مليار دولار.

لا ينقص النقاش السياسي الحالي في لبنان الحديث عن صفقات وفساد وسوء إدارة “كلّن يعني كلّن”، لكن التشخيص لا يكتمل علميّا من دون تأكيد الكوارث الاقتصاديّة (وليس فقط السياديّة) التي نتجت عن ذهاب “حزب الله” (اخذا معه الدولة من رئيسها وجرّ) الى خيار عزل لبنان عن العالم ومعاداته خدمة للمشروع الايراني، وجعل بيروت المقرّ الرئيسي للأنشطة الاقليميّة للحرس الثوريّ. لذا الى جانب الإصلاح، مطلوب الحياد ثم الحياد ثم الحياد.

هنا تستحضرني رواية تاريخيّة عن الجيش السويسري خلال الحرب العالميّة الثانية. الشعب السويسريّ ٦٢٪ منه من الالمان، و٢٣٪ منه من الفرنسيين، والحرب دائرة بين المانيا وفرنسا. قرروا البقاء على الحياد، وليس الحياد بمعناه “الضعيف”. أسقطوا الطائرات التي خرقت المجال الجوّي السويسريّ، منها الأميركية (الاتية لمساعدة فرنسا) ومنها الالمانيّة (العابرة لقصف فرنسا)، وجهز الجيش (غالبية ضباطه من الالمان) تحصينات جبال الالب تحضيرا لاحتمال اجتياح الماني. يا ليتنا في لبنان نكثر من تداول هذه الروايات، ونخفّف الحديث عن “اخراج أميركا من المنطقة”. فان وظيفة لأي شابة لبنانيّة تتحضّر للذهاب الى دبيّ أولى من الانتقام لمقتل قاسم سليماني. 

أستاذ جامعي

اضف رد