خيارات الحكومة محاصَرة… وأكثرية “الحزب” تضمحلّ!

نوّاب “حزب الله” يشاركون في جلسة الثقة (نبيل اسماعيل).

“أن تنال الحكومة الثقة، أفضل من ألّا تنالها”، عبارة نوقش مضمونها في صالونات سياسية، ليس من ناحية ايجابيّة في النتائج المترتّبة عليها والمنعكسة على البلاد، اذ لا مشروع قائما ولا تباشير انقاذية ولا حبال نجدة. ولعلّ مصطلح “كرة النار” الذي استخدمه رئيس الحكومة حسّان دياب، يكفي لاستنباط مشهدية المرحلة المقبلة. وعلى الأقلّ من شأن الثقة أن تسقط ذريعة العرقلة، التي كان يمكن الحكومة الاحتكام اليها في حال عدم حصولها على “تأشيرة” من هذا النوع.

عذر الحكومة ليس معها، فماذا معها؟ واذا كانت عبارة “صندوق النقد الدولي” بدأت تلوح في الأفق على قاعدة استشارية، إلّا أن الجوهر نسبة الى رؤية مراجع مالية ومصرفية، يبقى في الاجراءات التنفيذية، ذلك أن البلاد لا تحتاج الى مساندة تقنية أو تقديم مشورة أو لائحة اصلاحات بقدر ما تتمثّل الاشكالية في القدرة على تنفيذ هذه الإصلاحات. أمام هذا الواقع، ماذا يمكن الحكومة إنجازه بعد نيل الثقة؟ وهل يهدّدها سيناريو سقوطٍ مرتقب بطريقة لاذعة؟ الاحتمالات قائمة، لكن ما هو مؤكّد أن مسؤولية الحكومة باتت أكبر بعد جلوس وزرائها على الكراسي، من القدرة الواقعية على الإنقاذ. كيف لا، والحكومة وُلدت في العراء من دون برنامج انقاذيّ ومع تبنّي موازنة حكومة سابقة بدلاً من اعلان حال الطوارئ.

مخاوف وهواجس جديّة من أن تكون المرحلة عبارة عن مضيعة للوقت، تسلّم في نهايتها الحكومة أوراقها مع ذريعة أخرى، على قاعدة أنها ورثت حمْل حكومات سابقة. انعدام الأفق يدفع البعض الى استخدام عبارة “لبنان الى خانة الدول الفاشلة”، رغم اختلاف مقارنة النموذج اللبناني مع النموذج الفنزويلي أو الصومالي. فهل من بصيص أمل؟

استحقاق “الأوروبوندز” المنتظر بعد أسابيع، اختبارٌ أوّل بعيدا من الفنون الخطابية. ثلاثة احتمالات بين السيىء والاسوأ والأفظع، على الحكومة اتّخاذ أحدها، في تقويم مراجع مالية. ويتمثّل الخيار الأفظع بقرار فجائيّ غير منسّق سلفاً بعدم الدفع لحظة الاستحقاق، وعندها فليفعل المقرض ما يريد. ويكمن الخيار الثاني المصنّف في خانة الأسوأ في سداد الدين. ويُترجَم الخيار السيىء المصنّف في خانة أفضل الشرور، بتبليغ المقرض بعدم الدفع وتكليف مجموعة أشخاص للتفاوض وإعداد الاجراءات المناسبة. ولكن، لا استراتيجية مواجهة واضحة حكوميًا حتى اللحظة، واذا ما دُفع المبلغ، سيُقتطع من 30 مليار دولار (احتياط المصرف المركزي)، الموظّف اليوم في فتح اعتمادات لاستيراد القمح والوقود والأدوية.

وفي حديث الأرقام، بلغت قيمة ودائع المصارف في “المركزي” بالدولار الأميركي 70 ملياراً، من أصل ما يقارب 120 ملياراً تمثّل الودائع الكليّة في المصارف اللبنانية بالدولار الأميركي، منها 40 ملياراً أُقرضت للدولة اللبنانية. ويبقى 50 ملياراً وُظّف منها في سندات الخزينة بـ”الأوروبوندز” 14 مليار دولار، فيما يبلغ دين المصارف لدى القطاع الخاص نحو 40 ملياراً. وترى مراجع مصرفية أن وضع الودائع يتطوّر الى تحسّن تدريجيّ مع دفع القروض المتوجّبة على القطاع الخاص، ويمكن ديون الدولة أن تسدّد تدريجاً من خلال اعادة تفعيل أكثر من خطّة تقنية لاستعادة الأموال واعادة هيكلة الدين.

الوضع الحكومي المرتقب لا ينتظر مئة يوم حتى تتظهّر الصورة، بل إن الواقع سيتظهّر في غضون عشرين يوماً، في رؤية عضو “اللقاء الديموقراطي” النائب مروان حماده، الذي يطرح تساؤلات عدّة عبر “النهار”، قائلاً إن “الحكومة واقعة في تناقضات تشكيلها التي تشمل الخيارات الاقتصادية والمالية والنقدية الأساسية. فهل تتعاون مع صندوق النقد؟ والى أي مدى يمكن أن يترجم هذا التعاون؟ وهل تتفادى الإفلاس وتعتمد الشفافية مع المجتمع الدولي، أم تلجأ إلى الاقتصاد الموجّه كما في دول كايران وسوريا، ما يسوق البلاد إلى مزيد من الخراب؟”

إضمحلال أكثرية

ويترافق التضعضع في الخيارات الاقتصادية مع افتراق سياسيّ بدأ يتراءى للعيان بين “حزب الله” وحلفائه، اذ يلفت حماده الى أنه “أصبح واضحاً اضمحلال أكثرية فريق 8 آذار وحزب الله والعونيين المنبثقة من انتخابات 2018 نتيجة القانون الانتخابي، اذ تتكرر الظاهرة العراقية في لبنان على طريقة ذوبان أكثريات موالية للخط الإيراني، فتقلَّص الرقم من 72 صوتا مؤمَّنا في الانتخابات ومواليا لحزب الله، إلى 69 صوتاً بعد تكليف دياب، وما لبث أن استقر الرقم على 63 صوتا بصعوبة في جلسة الثقة، وما كان النصاب ليتأمّن لولا أخطاء حصلت في الجلسة. ويأتي ذلك مع اضمحلال النفوذ الإيراني على صعيد المنطقة ومفاعيل العقوبات الأميركية. ولا يغيب عن المشهد تضاؤل أموال فريق حزب الله. ومن شأن عجز الحكومة عن بلورة الحلول أن ينعكس على أكثرية الحزب النيابية اكثر، فكلما تعثرت الحكومة تبخرت هذه الأكثرية. ويبقى تفكك العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر مرتبطاً بمدى انحسار نفوذ رئيسه جبران باسيل”.

ويخلص حماده الى أنه “لا بد من انتظار ما سيرشح عن كلمة الرئيس سعد الحريري الجمعة وماذا ستحمل معها، ذلك ان خطابات المعارضة في المجلس كانت من دون أي مغزى سياسي وتقتصر على تقنيات يدركها المواطن، فيما أحد لم يتطرق إلى خيار لبنان السياسي”.

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*