الرئيسية / أضواء على / رواية «مفاتيح مدينة» للعراقية هيفاء زنكنة .. تفاصيل وحيوات بغداد التي كانت

رواية «مفاتيح مدينة» للعراقية هيفاء زنكنة .. تفاصيل وحيوات بغداد التي كانت

 محمود سعيد 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
11022020

كلما أرى شجرة العائلة في أوّل الرواية، وألقي نظرة على عدد الشخصيات، أصدّ، أترك الرواية كما هي. فمن طبيعتي، أنني لا أستطيع أن أقرأ رواية فيها أكثر من بضع شخصيّات، لا أريد أن ينقطع استمتاعي بين حين وآخر بالرّجوع إلى الخلف، للتأكّد من أن هذ الاسم مرّ عليّ أم لا، وهكذا مضت أكثر من عشر سنوات، والكتاب أمامي، وحين باشرت القراءة، وضعت في بالي أن أترك الرواية حين تضطرني للرجوع، كي أتأكد من أن هذه الشخصية هي نفسها أم تغيرّت، لكن المتعة غلبتني حتى نهاية الرواية.
«مفاتيح مدينة» أشبه بسكرية نجيب محفوظ، أما أحداثها فهي عراقية قحة، تجعلك ترى في شخصياتها نفسك وأهلك وتعيش مجتمعها ثانية، ولعل كون البطلة طفلة صغيرة ذكية، فمجريات أحداثها تحث القارئ على تتبع سيرورتها وتطورها. الرواية مجملاً تاريخ أسرة تفرعت، تفاعلت مع مجتمع أثناء حوادث تاريخية سلسة، طبيعية، لكنها حافظت على مقومات مجتمع كان قد بدأ بالتغير تدريجياً.

طفلة عنيدة

أصغر شخصيات الرواية أمل، والرواية تخصها بالتفضيل في الكشف عن أحاسيسها، ورغباتها وتصرفاتها، وقوة شخصيتها، حتى لو أرادت أن تجمع بين شمس مشرقة، وعلى بعد منها قمر منير، فهي تستطيع، لم لا، بهذا تعاند أياً كان، أباها، أمها، أخاها، وتصر على رأيها وتعلن بصوت عال إضرابها عن الزواج عندما تكبر، على الرغم من كونها لم تتجاوز السابعة، ولا يهمها، من يعارضها، ولا تلتفت لنصائحه.
تتناول الرواية عائلة بغدادية في الخمسينيات، في أوج تغير المجتمع سلمياً، بغض النظر عن وجود عادات وتقاليد، تكرست وفق مئات السنين في هذه المدينة العريقة، ولهذا تميزت أحداث الرواية بالعادية، الطبيعية، التي تخلو من انفجارات فاصلة، عنيفة، فلا مظاهرات تقطع شوارع بغداد وبقية المدن، وتهز البلد، وتزعزع كرسي الحكم، ولا انقلابات يقوم بها جيش ساخط، تخرج سراً من المعسكرات، ثم تعلن عن نفسها بعد الاستيلاء على المرافق العامة وتسيطر على دست الحكم، ولا أحكام عرفية، أو محاكم خاصة، ولا موجات قتل وإعدامات، بل مجتمع ناس عاديين يكافحون بصبر لتحسين أوضاعهم المادية، وفق عادات مجتمع اعتادوه وسكنوه.

هيفاء زنكنة

بغداد الخمسينيات

عندما أشارت هيفاء زنكنة إلى قول شكسبير في أوّل صفحة «ما هي المدينة إن لم تكن الناس»، ظننت أنها تضعها استئناساً وحباً ببعدها النظري وحسب، كما يفعل الكثير من الكتاب الآن، لكنني اكتشفت أنها عنت ذلك بعمق فلسفي مدروس، فبغداد لم تبقَ نفسها، التي خلقها المنصور، بل تتغير كتغير ناسها، من حيث لا يلحظ أهلها ذلك، ومن حيث لا يتوقع دارسها، ومؤرخها أيضاً.
فالرواية عن ذكريات لا تنسى، وسواء أرادت أم لا، فقد كانت منصاعة إلى الوقت الذهب، الذي مرّ به المجتمع العراقي منذ الأربعينيات حتى نهاية الستينيات، فهذان العقدان لمن عاشهما لا يمكن أن ينساهما، فيهما بدا العراقي فرداً ومجتمعاً في أبهى صوره، وأسماها، وأفضلها، ومن عاش تلك الأوقات لا أظن أنه سينساها بسهولة. مجتمع مسالم متعاطف، إنساني رحيم، يظلل به الكائنات العاقلة كلّها، هذا هو المجتمع الذي كانت تعيش فيه تلك «هيفاء» الطفلة وعائلتها وعالمها المسالم.
العائلة بغدادية عربية، لكنها غير متعصبة لقومية، أو مذهب، فعندما يأتي مواطن كردي من كركوك، يطلب الأذن بالسكن في إحدى غرف البيت، يسمحون له بشرط أن يلتزم بقواعد معمول بها. وعندما يخطب فتاة من العائلة يزوجونه، من دون اعتراض، ويصبح واحداً منهم، مثل هذا الانفتاح أصبح بعد الاحتلال شبه مستحيل لا في بغداد ولا في أي مدينة أخرى في العراق الجديد. في بضع صفحات ترغمك أمل على دخول عالمها الصغير، ماذا تتوقع طفلة من الصف الأول الابتدائي؟ مخلوقة نقية، ماذا تفعل؟ مم تخاف؟ أين ستقضي الوقت؟ إلخ، وعلى الرغم من بساطة الوقائع، إلّا أنك تلاحقها، وتفكر فيها، وتنشدّ إليها من دون أن تشعر، من يهتم الآن أو يريد أن يعرف أن أهالي بغداد آنذاك، لم يعرفوا مصففة شعر، ولا خبيرة ماكياج؟

عندما أشارت هيفاء زنكنة إلى قول شكسبير في أوّل صفحة «ما هي المدينة إن لم تكن الناس»، ظننت أنها تضعها استئناساً وحباً ببعدها النظري وحسب، كما يفعل الكثير من الكتاب الآن، لكنني اكتشفت أنها عنت ذلك بعمق فلسفي مدروس

إذن كيف تظهر المرأة أمام محبها، وهل تصفف شعرها بعد أخذ الحمام، ويبقى منكوشاً مضطرباً مهووشاً؟ خاصة إن كان يوم خميس؟ وليوم الخميس في العراق آنذاك طقوس مقدسة، منها استعداد الرجال لصلاة الجمعة، واستعداد المرأة للقاء حميمي مع زوجها، واستعداد أهل الطرب لسماع الراديو، حيث ستحيي أم كلثوم ليلتها، واستعداد الشباب المتفتح لشرب كأس عرق في أحد البارات، وووو. أما أمل الصغيرة فتنتظر حدوث شيء فريد في البيت «يوم الخميس». ترى ماذا تنتظر هذه الطفلة الذكية؟ ولماذا ستسعد في ذلك اليوم؟ ستقضي يوم الخميس ساعات لذيذة تراقب فيها «الحفافة»، ولست أدري أيوجد مثل هذه المهنة عند شعوب عربية أخرى؟ أم لا. تمرّالحفافة على بيوت الزبائن يوم الخميس، فتسلّم النسوة لها وجوههن، وشعورهن، وأجسادهن. الحفافة تنظف النسوة، وتمكيجهن «حُمْرةً وخْطاط»، وتصفف شعرهن. كلّ ذلك يحدث وهن في بيوتهن. لا يتحركّن. مجيء الحفافة شيء يفرح الطفلة لأنها ترى النساء اللواتي يأمرنها، وينهينها، ويوجهنها، يخضعن بتصاغر للحفافة، وهن جالسات أمامها شبه عاريات، لكن هناك شيئاً يحزنها، ويخيفها يوم الخميس أو الجمعة أيضاً. وهو «زيارة المقبرة»، قراءة القرآن، والبكاء والعويل وأحياناً اللطم و..و. عليها أن تلجأ إلى الحيل كي تتملص من إجبارها على الذهاب، ولا توجد غير طريقة واحدة وهي استعطاف الأب الذي يدللها، ويحبها أكثر من أي فرد آخر.

ذكريات آثرة

كان من الممكن ان تنحرف الرواية إلى مسار عنيف ينبئ بصراع شديد، لأن والد أمل يرنو دائماً إلى توسيع عمله، ومضاعفة دخله، وبناء دار حديثة له، ولذلك تقلّب في غير مهنة، ثم استقر على تجارة القماش، ولأنه يجيد الكردية والتركمانية، إضافة إلى العربية فقد أقام علاقة عمل مع «أغا جن»، وهي أرملة إقطاعي، غنيّة متنفذة في كردستان «قلعة دزة»، ولأنه مجدّ صادق، فقد توطدت العلاقة معها، فأخذ يقضي ثلاثة أشهر في بغداد، ومثلها في كردستان، وحين ولدت أمل كان هناك، وخلال تلك المدة أدرك هو أيضاً أن موجات تجارته معها أغرقت قلبه، فبدأت الشكوك تغزو لا قلب زوجته وأهلها وحسب، بل قلب «أغا جن» بالشكوك. آنذاك صارحته بخوفها من عواصف الفضائح المتوقعة، لتنتهي المغامرة عند هذا الحد، لكنها أبقت في ثنايا قلبه، ذكرى متعة فريدة، للقاء حميم مؤقت مع أي أنثى أخرى تصادفه في مكان ما.

تجربة فريدة

أي طفل «ذكر أو أنثى»، من الطبقة الوسطى، في المدينة، يمرّ بتجربة فريدة، وهي مرافقة أهله إلى الحمام العمومي، وعادة ما يتذكر الطفل بعمر 4-5 سنوات، تلك التجربة، الفريدة الرائعة، لأن بعض الحمامات تطرد الذكر، إن بلغ السادسة فما فوق، والتجربة فريدة لأنها تزج الطفل في عالم العري العام، فهو يجد نفسه بين نساء، وصبايا، وعجائز عاريات، ربي كما خلقتني، في جو مشبع بالبخار الساخن، مختلطاً بالعرق، ورائحة صابون الغار «السوري» الحريفة، وروائح الأجساد المختلفة، ومواد التجميل الشعبية، من اسبيداج وطين ونورة إلخ، وروائح البرتقال و«الحمضيات» فالعراقية ذواقة، لا بد أن تزيل صداع الحمام بالبرتقال، إضافة إلى تفاقم الأشعة الساخنة المنبعثة من أجساد المدلكات، وهن يبذلن مجهوداً مضاعفاً، ليبدو جلد المرأة ليناً كالحرير كأنه مسلوخ، في الحمام يبدو الضجيج على أشده، الكل يصرخ، المدلكة تصرخ، والمرأة التي تريد الماء الساخن تصرخ، والأطفال يصرخون، ولا يستطيع أي كان ان يتكلم بهدوء، إذن فعليه أن يصرخ. صراخ من جميع الجهات، حتى من الأعلى، لهذا تشعر أمل بالتعب،على الرغم من المتعة في مراقبة الجديد والغريب، عندما دخلت الحمام رأت اختلاف الأثداء، فتمتعت بجمالها، لكن عندما اقترب منها امرأة ذات ثديين ممتلئين، أشبه بكيس اللبن المصفى ارتعبت.
حينما تُسأل أمل عن عمل جدها تقول: صاحب دكان ومطيرجي وسيد، وربما كانت هيفاء أول من شرح بلطف ولهفة عمل هواة الطيور البغدادية، إضافة إلى أشياء كثيرة أخرى أقرأها لأول مرة في رواية بغدادية قريبة إلى القلب والمشاعر وذكريات الطفولة.

اضف رد