الرئيسية / أخبار المصارف / همّ التأهيلي قبل الهاجس المصرفي

همّ التأهيلي قبل الهاجس المصرفي


غسان العياش
النهار
19042017

الأجواء المحيطة بمجلس الوزراء توحي بأن الحكومة اللبنانية عادت إلى عادتها القديمة. تهمل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الطارئة، حتى لو كانت ملحّة وداهمة، وتنصرف إلى الاهتمام بمواضيع الصراع السياسي وتقاسم النفوذ والسلطة.

بدل التبصّر في التدابير والاحتياطات الواجب اتخاذها في ضوء الأخبار المقلقة الواردة من واشنطن حول العقوبات المالية الجديدة التي يحتمل أن يقرّها الكونغرس، تجعل الحكومة قانون الانتخاب أولى أولوياتها وتضعه في مرتبة سامية لا ينافسه عليها أي موضوع آخر.

قانون العقوبات الجديد، إذا صدقت المعلومات، هو أقسى من سابقه الذي أمكن تدارك مفاعيله بفضل حنكة حاكم مصرف لبنان واتصالاته وحكمته، وأيضا بفضل تعقّل القوى السياسية اللبنانية المعنيّة بالقانون الأميركي. السبب أن القانون الجديد، أو النسخة الجديدة من القانون السابق، يأتي في ظل تشدّد إدارة الرئيس دونالد ترامب وسياساتها الهجومية المستجدّة حيال إيران وحلفائها، وحلفاء حلفائها في لبنان والمنطقة.

مرّة أخرى، يجد النظام المصرفي اللبناني نفسه، وأكثر من السابق، بين إحراجين، بل خطرين. فإمّا التساهل مع العدد الواسع من “الكيانات” والشخصيات التي قد تشملها العقوبات والوقوع بالتالي في خطر العزلة القاتلة عن الشبكة المالية العالمية، أو توتير العلاقات الداخلية ودخول المصارف طرفاً في الصراع السياسي والطائفي المحموم.

ما دام الحاكم رياض سلامة هو “سلاح الاحتياط” اللبناني الوحيد في مثل هذه الظروف، كان يجب استدعاؤه إلى مجلس الوزراء اليوم لإبلاغه أولاً تجديد الثقة به لولاية جديدة، ثم التباحث معه في ما يمكن فعله لتجنيب النظام المالي اللبناني المخاطر الجديدة.

لكن اهتمام القوى السياسية في الحكومة منصبّ على قانون الانتخاب و”تناتش” المقاعد في البرلمان المقبل، وضمناً على المعركة المقبلة لرئاسة الجمهورية. في هذه الفوضى، وصلت أحلام البعض إلى حدّ الأمل بدفع مجلس الوزراء اليوم إلى تبنّي مشروع تقسيمي وشيطاني، يقوم على التأهيل الطائفي للمرشحين في الجولة الأولى من الانتخابات.

من حقّ اللبناني أن يصعق أمام هذا المستوى من الفردية والأنانية الذي وصل إليه السياسيون الذين يدفعون باتجاه التأهيل الطائفي للمرشحين. من حقّه أن يسأل إذا كانت المكاسب الحزبية والشخصية التي يحقّقها هؤلاء توازي ذرّة من الأضرار التي يسبّبها هذا الخيار للبنان، لبنان الشعب والدولة والوطن.

أيّ شيطان يسكن نفوسهم ويحتلّ عقولهم حتى يبادلوا البلد كلّه بمقعد نيابي، أو مقاعد نيابية، ويجعلوا من النسيج الوطني بساطاً يمرّون فوقه نحو طموحاتهم الأنانية.

التأهيلي، كما شرحوه لنا، لا يقسّم لبنان فحسب، بل يقسّم الضيعة والحيّ والزاروب والبيت والعائلة. حيثما هناك أشخاص مجتمعون في بيئة واحدة ومختلفون في الدين سيفرّقهم النظام التأهيلي يوم الانتخابات. يرسل كل مجموعة منهم إلى صندوق اقتراع لا تقترب منه المجموعة الأخرى، تختار مرشّحين لا يعرفهم الآخرون، حتى لو كانوا أقرب المقرّبين.

البيوت التي تعيش تحت سقفها زيجات مختلطة هناك مرشّحون للأبناء أو البنات أو الزوجات أو الأزواج، لا يمتّون بصلة إلى مرشّحي الأعضاء الآخرين في العائلة. هذا مرشّح للأب وذاك مرشّح للأمّ، هنا لائحة للزوج وهناك مرشّحون للزوجة، قائمة للآباء وقائمة أخرى للأولاد.

إنها نهاية وطن. كان لبنان هشّاً وركيكاً ويصبح مع القانون التأهيلي محكوماً بالموت الأكيد.

قبل النظام التأهيلي الذي يهدّد البلاد، النظام السياسي والانتخابي الراهن يتستّر على سوء إدارة الدولة ويحمي الفساد، لأن المعيار الطائفي في اختيار المرشحين يجعل الناخب يشيح بنظره عن أداء الرؤساء والوزراء والنوّاب، وعن “عفّة نفسهم” أو فسادهم، نجاحهم أو فشلهم في إدارة الاقتصاد وتسيير المرافق والخدمات. الهمّ هو الانتفاع والزبائنية والمصالح الطائفية.

ومع المشروع التأهيلي سوف تصبح الطائفية، أكثر من أي وقت مضى، قاعدة وحيدة، “وقحة” ومكشوفة، للمعارك الانتخابية. معه، إذا جنّوا واعتمدوه، يموت كل حلم بالإصلاح وكل أمل بالتغيير.

اضف رد