إيران والشرق الأوسط… لمن تدق أجراس الفوضى؟

طهران تستثمر الأزمات والحروب… وتؤجج النزاعات المذهبية لإدارة مصالحها في المنطقة العربية

تورغوت اوغلو محلل سياسي تركي  الاثنين 11 نوفمبر 2019 14:22
https://www.independentarabia.com/

تتحرى إدارة طهران أن تصب جميع النزاعات في محور الطائفية لتخدم حساباتها حول دول المنطقة (أ.ف.ب)

تؤدي التظاهرات والاشتباكات في لبنان والعراق بالمحللين المعنيين بمنطقة الشرق الأوسط إلى مقاربات هي أقرب إلى تحليل الأوضاع في محور طائفي، ووفقاً لهذه المقاربات يبدو أن النزاعات الطائفية ستكون أكثر المحددات فاعلية في سياسات الشرق الأوسط. وسأتطرق في هذا المقال إلى المواقف غير المسؤولة التي تتبناها إيران التي تلعب دوراً رئيساً في إعطاء الأولوية -عن قصد- لتأجيج النزاعات المذهبية، إذ إن إدارة طهران تتحرى أن تصب جميع النزاعات في محور الطائفية (المذهبية) التي تراها خادمة لحساباتها حول دول المنطقة.

صحيحٌ، المذهبية الشيعية بدأت تأخذ حيزاً مهماً في سياسات الشرق الأوسط بعد التدخل الأميركي في العراق عام 2003، إلا تحليل جميع الأوضاع من هذا المنظور (المقترب) لن يكون كافياً في تفسير السياسات بهذه المنطقة.

قد يكون من المفيد أن أشير إلى أن من أهم روّاد هذا المقترب الذي يحاول قراءة الشرق الأوسط في إطار طائفي السيد ولي نصر الذي يعمل أستاذاً في الأكاديمية البحرية الأميركية، إذ يدَّعي هذا الأكاديميُّ الإيراني الأصل أن الصراع بين الطوائف في الشرق الأوسط سينتشر في المناطق التي يغلب على سكانها التشيُّ، ويعتمد نصر في تحليله على الصراع (الشيعي – السني) طوال التاريخ الإسلامي، ويدَّعي أن “الصحوة الشيعية” ظهرت بين أفراد الشيعة بعد الثورة الإيرانية.

ويقول نصر، إن هذه “الصحوة الشيعية ستؤثر بشكل كبير في التطورات السياسية بالشرق الأوسط، خصوصاً في الخط الممتد من البحر المتوسط إلى باكستان التي يقطن بها الجزء الأهم من الشيعة”.

لكن، حتى لو كانت بعض تنبؤات السيد نصر صحيحة، فإن المنطقة التي سينطلق منها ما سمَّاه “الصحوة الشيعية” ستكون هي أيضاً “مركز الفوضى بالعالم”.

صحيحٌ، أن الخصائص الأيديولوجية لها تأثيرٌ كبيرٌ في تشكيل السياسة الخارجية لإيران وتصوّرها حول التهديدات، إلا أن الأحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية الجارية في السياق التاريخي والإقليمي والعالمي لها حظٌ كبيرٌ في تشكيل هذه السياسات، ولا ننسى أن الأنشطة النووية -هي أيضاً- تحظى بنصيبٍ وافرٍ في علاقاتها الدولية.

ولذلك نقول، يشتهر النظام الخميني في السياسة الخارجية بخطابه الراديكالي وموقفه الأيديولوجي وتأكيده على الدين، وهذا واقعٌ لا ننكره، لكن يجب التأكيد مع ذلك أن الدبلوماسية الإيرانية مكيافيلية، وسرعان ما تنكشف ملامحها عندما نراها كيف تستفيد من تقلبات الظروف والأحوال، بل ومثل هذا التصرف أمرٌ لا بد منه لاستمرار ثورة الخميني وانتشار الثورة.

لكن، محاولة إيران فرض فكر “الصحوة الشيعية” على أبناء المناطق التي تعتبرها عمقاً عقدياً لها بحجة انتمائهم إلى المذهب نفسه أصبحت تتحوَّل إلى عملية زرع بذور الحقد والكراهية بين أطياف شعوب المنطقة، وهذا هو بيت القصيد في مقالي هذا.

وبالرجوع إلى الوراء نلاحظ أن الغذاء الأساسي لإدارة طهران هو الاضطرابات والفوضى والأزمات والحروب، ولذلك فإنها لا تدَّخر جهداً في تأجيج الصراعات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتسخِّر كل إمكاناتها بطريق مباشر أو غير مباشر في هذا السبيل لتستخدمها كورقة ضد السعودية ومصر والإمارات.

وأود أن أؤكد أنني أتحاشى في تحليلاتي هذه التحيز إلى دينٍ أو عرقٍ أو طائفةٍ معينةٍ، وأؤمِنُ بأن الشيعة هم أيضاً أبناء هذه المنطقة، ولهم الحقُ في العيش بكرامتهم في هذه البلاد، لكن المؤسف هو استغلال إيران لهم واستخدامهم كورقة مساومة كما يحلو لها وبكل تهور.

وها هي تدعم (حزب الله) في لبنان، و(الحشد الشعبي) بالعراق، و(الحوثيين) في اليمن و(المليشيات الشيعية) بسوريا، كما أنها تدعم (حماس) -ولو كانت سنية- وترعاها تحت مسميات وذرائع ومبررات مختلفة، لتحافظ على مستوى التوتر في تلك المناطق، وتصنع شرخاً لا يمكن رأبه بين أطياف تلك المجتمعات. فهي تقوم بتسليحها رغم أنها ليست دولة.

وأمَّا الأسباب المعلَنة لتسليحها تحت مسميات المقاومة وغير ذلك فما هي إلا أمورٌ ثانوية بالنسبة إلى العقل المدبر الإيراني.

ومع أنني سأجلب على نفسي وابلاً من ردّات الفعل فإني لا أتردد في القول إن الشرق الأوسط ربما تحوَّل بهذه المنظمات، إلى جانب (داعش)، إلى مستنقع خطير، فلو لم تكن مسلحةً وواصلت مسيرتها في المجال السياسي لكان ذلك أمراً طبيعياً ومنطقياً بالنسبة إليّ، وأمَّا إذا كانت مسلحة وتنتظر الأوامر التي ستأتيها من طهران التي تزوّدها بالأسلحة والدعم اللوجيستي لتثير الفوضى في البلاد، فلا يحق لأحدٍ أن ينتظر منا تقبُّلها وكأنها ظاهرة مستساغة.

وعلى الرغم من أن البيانات تشير إلى أن التضخم في إيران سيقترب بحلول نهاية هذا العام من 40%، وأن معدل البطالة يصل إلى 25% في ذلك البلد الذي يمتلك 10% من احتياطي النفط العالمي، فإن 40 مليون شخص (أي نصف سكان البلاد تقريباً) يعيشون تحت خط الفقر. لكن، مع ذلك فإن ثلث اقتصاد البلاد يذهب إلى (فيلق القدس) الخاضع لسيطرة الزعيم الديني خامنئي والمسؤول عن هذه العمليات الخارجية.

وهذا كله يدل على أن إيران لا تفكر في مصالح شعبها ولا في الشيعة الذين يسكنون في البلدان الأخرى، بقدر ما تفكر في استغلالهم في تحقيق التمدد الفارسي، وفي سبيل الانتقام وتصفية حسابات تاريخية ترجع إلى ما قبل ألف عام، ولتحقيق ذلك تفضِّل إثارة الفوضى من خلال تلك المنظمات التي ذكرناها.

وأمَّا في البلاد التي لا تجد فيها قدراً كافياً من الشيعة فإنما تتسلل إليها عن طريق الإسلاميين السياسيين في تلك البلاد، فعلى سبيل المثال تَستخدم الإسلاميين السياسيين في تركيا كحصان طروادة للتسلل إلى العالم الإسلامي، إذ إنها تستخدم تركيا في المناطق التي لا تستطيع النفوذ إليها كواجهة سنية تحظى بقبول في الشارع العالم السُّني، وأود أن أنبه في ذلك الشعبَ الكويتي على سبيل الخصوص.

ومن الطريف أن أردوغان كلّما يزور هذا البلد يصطحب معه نجوم المسلسلات التركية الذين لهم حضورٌ في أذهان الشعب الكويتي وبالأخص الشباب.

وما لفت نظري ما شاهدته من رئيس البرلمان الكويتي مرزوق الغانم عندما زار تركيا، وثناؤه البالغ على أردوغان، والتعبيرات التي استخدمها في خطابه، وكنت أتمنّى عليه أن يَعرف أن أردوغان رجل براغماتي لن يتوانى عن خذلانه إذا سنحت له الفرصة.

وبالفعل، حدث ما كنت أتوقعه، إذ إن الأخبار المتعلقة بالكويت الصادرة في الأسبوع الماضي بالإعلام التركي الخاضع لسيطرة أردوغان كانت بعناوين من أمثال: “الشعب الكويتي في الشوارع”، و”هل سيبدأ الربيع العربي في الكويت؟”. أوَليس أردوغان الذي كان صديقاً حميماً لبشار الأسد لكنه لمّا شاهد أن الرياح تهب ضد أشرعته باعه بين ليلة وضحاها؟ وما أشبه الليلة بالبارحة.

والخلاصة، إن هناك جواباً واحداً عن السؤال: ماذا تستهدف إيران في الشرق الأوسط؟ “الفوضى!”.

ولعل القارئ العزيز يراوده السؤال: كيف تَستخدِم إيران السلطةَ الحاكمةَ في تركيا كحصان طراودة؟ فهذا هو ما سنخصص له مقالنا المقبل، لنتحدّث عنه بالتفصيل إذا كان العمر كافياً بإذن الله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*