الانتفاضة تستمرّ بمواجهة الضغوط والتوظيف… والعهد “العاجز” يفشل ويستنجد بفائض القوة

القوى الأمنية على طريق القصر الجمهوري أمس (حسن عسل).

حتى الآن لا يمكن القول إن الانتفاضة الشعبية قد أنجزت الأهداف التي نزل الناس من أجلها في 17 تشرين الأول. هي حققت بعض الخطوات التي تحتاج الى تحصين وعمل للبقاء على النمط ذاته من دون أن يكون حشد الناس في الساحات هو الهاجس الاول، إذ إن اللبنانيين قالوا كلمتهم خلال الأسابيع الأربعة الاخيرة وتمكنوا من تعرية السلطة الفاسدة وطبقتها السياسية، وإن كانت لا تزال تماطل، وكسرت ايضاً الولاءات بحيث لا عودة إلى الوراء. ولعل أكثر الذين باتوا في مأزق حقيقي وخسروا الكثير من رصيدهم، العهد و”التيار الوطني الحر” الذي وقف ضد إرادة اللبنانيين بالتغيير، لا بل إنه تصرف بطريقة بوليسية وأمنية، وكأن كل الناس المنتفضين هم خارج المعادلة. في حين بقي التيار يعوّل على دعم “حزب الله” الذي أُربِك هو ايضاً ووجد نفسه في مأزق الإجابة عن التساؤلات في بيئته، وكذلك تفاجؤه بالأعداد التي هزّت الحكم وهو جزء منه.

ومنذ استقالة الرئيس سعد الحريري طُرحت على الانتفاضة اسئلة تتعلق بالبرنامج الانتقالي وكذلك بقيادتها. وتبين، استناداً الى سياسي متابع، أن أي قيادة معلَنة للحركة الشعبية تقدم نفسها طرفاً للتفاوض، ستعرّض الانتفاضة للتفكك والشقاق، فاكتفى الجميع على نحو ضمني بإيصال المطالب من الساحات، وقطع الطريق على محاولات تقسيمها، في وقت تواجه (الانتفاضة) على مستوى لبنان مشاريع سياسية من قوى تحاول التوظيف وتصفية حسابات في المواجهة بين قوى السلطة التي سارت عليها التسوية الرئاسية منذ 2016، وكذلك من الهجوم المعاكس الذي يتخذ أشكالاً مختلفة في الشارع وبالضغوط من الأطراف المهيمنة في الحكم اليوم، أو الالتفاف على مطالب الانتفاضة بهدف زرع الشقاق بين مكوناتها، حتى إذا وصل البلد إلى حافة الإنهيار، جرى تحميل الحركة الشعبية المسؤولية عن رفضها السير مع مشاريع السلطة القائمة.

وبينما لا تزال السلطة على موقفها المماطل لإيجاد حل أو اطلاق مبادرة تسمح بتشكيل حكومة مستقلة انتقالية، باتت الانتفاضة متمسكة بالشارع، وهي لن تخرج منه وتدمر ما حققته من إنجازات قبل أن تحصل على شيء ملموس يضع البلد على سكة التغيير والإصلاح، فإذا بالأوضاع على الأرض تتطور في غير اتجاه خلال اليومين الماضيين، على وقع كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في مقابلته التلفزيونية التي عُدَّت من أكثرية اللبنانيين مستفزة ولا تفتح كوة في جدار الأزمة، لا بل إنها تعمّقها بتجديد شروطه السياسية لتأليف الحكومة، لتواجه الانتفاضة تحدياً جديداً يتمثل بمنع أخذها إلى ساحات مختلفة، فيكون إقفال الطرق سبيلاً غير شعبي لكنه متصل في جزء منه بطموحات قوى كانت في السلطة لكنها اليوم تدعم الحركة الشعبية، إذ كانت الانتفاضة استوعبتها من دون أن تسمح لها بتوظيف ما أنجزته في الشارع.

الدخول السياسي على الانتفاضة لم يتمكن من سحبها إلى مسارات مختلفة حتى الآن، ووفق السياسي أن قطع الطرق جاء في لحظة سياسية دقيقة وبسبب تعنّت السلطة، إذ إن رئيس الجمهورية قدم نفسه طرفاً في مواجهة الانتفاضة واللبنانيين أيضاً، وقد تكون الحركة الشعبية تقدمت على مطلب تشكيل حكومة مستقلة، بل بات الامر يتصل بما هو أبعد من ذلك، أي إلى التأسيس لمرحلة انتقالية يعاد فيها تشكيل النظام. وبصرف النظر عن شروط النجاح، إلا أن الانتفاضة دخلت مرحلة جديدة ومساراً من التجديد لن يقبل اللبنانيون بعدها أن يبقى الحكم، وخصوصاً العهد، مصراً على التعامل بالطريقة السابقة، فهو في نظرهم سقط بعدما اهتز، وأثر هذا السقوط ما تعرّض له عون من نكسات بعد الإخفاقات، إلى حد أن اللبنانيين لم يعودوا يجدون في الرئيس تلك الشخصية التي كان يمكن الرهان عليها لإحداث نقلة في طريقة الحكم وإصلاح يناسب البلد.

اليوم لم تعد الانتفاضة كما كانت في بدايتها، هي أسست مع الجيل الجديد الذي نزل الى الساحات وكسر قدسية الولاءات، ومع ذلك هي معرضة للكثير من المطبات ومحاولات المصادرة أو الشقاق، وهي تحتاج لاحقاً الى التنقية وإزالة الشوائب والتحصن ضد كل الاصطفافات الطائفية والسياسية. وأول تحدٍ يكمن في الضغط لتشكيل حكومة مستقلة انتقالية، وفق السياسي المتابع، هي غير حكومة التكنوقراط التي تقتصر وظيفتها على اختصاصيين، إذ ان مشكلة البلد ليست تقنية أو مسألة مالية فحسب، بل هي في الأساس سياسية ودستورية، ولا يمكن القفز فوق المشكلات الحقيقية، وإلا كيف يمكن السير في تغيير تركيبة النظام، ما لم تحمل الحكومة المستقلة برنامجاً انتقالياً يسمح بتنفيذ أجندة اصلاحية ويُقر قانون انتخاب ديموقراطي عادل، ثم إجراء انتخابات نيابية مبكرة بعد الحسم في مكافحة الفساد.

لم يُحرَز أي تقدم في المسار الحكومي، ما دام العهد، ومعه “حزب الله”، يصر على حكومة تكنو- سياسية “لن تغير شيئاً وستعيد الاصطفاف السياسي والطائفي الى حاله السابقة”، على قول السياسي المتابع نفسه. لكن قوى السلطة لم تعد متماسكة وهي في وضع لا يمكّنها من أن تدير البلد بالطريقة التي كانت سائدة، ومع ذلك يتشدد التحالف بين “حزب الله” والعهد و”التيار الوطني الحر” للحفاظ على مكاسب يعتبرون أنها تحققت بالانتخابات النيابية وفي الحكم، خصوصاً أن “حزب الله” أعلن موقفه بوضوح، وإن كان أمينه العام السيد حسن نصرالله لم يتطرق الى الحكومة مباشرة. الواقع أن نصرالله كان واضحاً أكثر من اللازم، وهو دعا الى السير بخيارات الممانعة في اليمن وسوريا والعراق والتشبه بإيران، اي أنه يدعو الى حكومة سياسية تنتسب الى المشروع الإيراني، علماً أن الانتفاضة قامت على قاعدة الرفض للمَحاور، وهي في طبيعتها السلمية ترفض رهن البلد للخارج.

وبينما تستمر المشاورات حول اسم الحريري، يعتقد السياسي المتابع أن لا خيار أمامه إلا تحمّل المسؤولية، لأسباب ترتبط بوضعه الداخلي الذي تعرّض لنكسات كبرى وكذلك قوته الخارجية، وهو يسعى الى تحسين موقعه بالمفاوضات عبر فرض الشروط، علماً أن دخوله في التسوية السابقة جعله رهينة للقوى المهيمنة على الحكم. فالانتفاضة اليوم لا ترفض اسم الحريري إذا سار بحكومة تكرس طموح ايّ من أهل الحكم والسلطة، حتى مشروع الحريري نفسه. والامر مرهون اليوم بتوازنات جديدة، لكن الناس لن تخرج من الشارع

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*