الرئيسية / مقالات / من فوق الاسوار

من فوق الاسوار

السبت الماضي، التاسع من تشرين الثاني، تاريخان عزيزان عليّ، إنساناً وصحافياً من هذا الشرق، في هذه الصحيفة. التاسع الأول، مرور 49 عاماً على غياب شارل ديغول، عملاقاً منصرفاً إلى كتبه في قرية كولومبي، حيث قايض كاهنها، جلاً بجل، من أجل توسيع دارته، البواسيري. التاسع الآخر، مرور 30 عاماً على انهيار جدار برلين، وعودة اوروبا الى التنفس من رئتيها، كما قال يوحنا بولس، بابا الحريات.

صحافي ناشئ وتائه بائس، كتبتُ عن جدار برلين وهو يُبنى. قطعة من جمال الصحافة، كما وصفها جان عبيد آنذاك. وبعد ثماني سنوات، العام 1969، لاحقت شارل ديغول الى منعزله في ايرلندا، حيث نفى نفسه الى قرية صغيرة تدعى سنيم خلال انتخابات فرنسا، كي لا يقال إنه يتدخل في خيارات الفرنسيين.

بسبب عشقي للحرية، لم أحب الروح العسكرية. لكنني لم أقدِّر في كل ما قرأت وعشت، رجلاً في عظمة شارل ديغول وبطولته وعبقريته ورفعته. لم اسأم ولم اغير موقفي أو مشاعري. ثمة قامات لا يتجاوزها التاريخ. الجلّ في البواسيري، وفاتورة المكتب على حسابه إذا تأخر عن الثامنة مساء في الاليزيه، ابنه يظل أميرالاً مثل اي ضابط فرنسي، صهره يبقى ضابطاً في بادن بادن بالمانيا، بعيداً من عائلته.

لكي تحكم الفرنسيين يجب ان تكون أعلى منهم. ولكي تحكم فرنسا، يجب أن تكون بلا عيب وبلا ضعف. العظمة والهوى لا يلتقيان. إمّا صاحب وطن وإماً صاحب نفس. كان يمكن بونابرت أن يكون في مصافه، ولكن كيف يمكن ذلك مع كل تلك المقامرة والاستهتار والعجرفة؟ كان له سبعة اشقاء وشقيقات، فجعلهم ملوكاً على اوروبا. ستة منهم كانوا على درجة فاضحة من الضحالة. ديغول لم يفرض على فرنسا أحداً. لا عائلة ولا عشيقة ولا حزباً. فرض عليها شيئاً واحداً هو المستقبل. الرؤية.

اليوم يقول ايمانويل ماكرون إن حلف شمال الاطلسي جيفة، ولكن متى قال ديغول ذلك وطرد معشر الحلف من باريس؟ يحق لي، مهما بدا ذلك خرافياً ومضحكاً، أن أرى جدار برلين يسقط في مدى لبنان، وأن اتساءل أين وعد الجنرال عون بديغول آخر؟ طبعاً، مضى زمن الوعد، لكن هؤلاء الشبان بقلوبهم البهية وعقولهم الساطعة فتتوا كالرمل، الحائط والجدار والسور.

قال تشرشل لديغول عندما وصل الى لندن: أيها البريغادييه، الناس لا تعرف عنك شيئاً. إذهب الى أول استوديو والتقط صورة مهيبة لنفسك. يجب ان يعرف الناس صورة الذي يناديهم. من لحظتها ادخل ديغول الصورة في الفرقة الأولى. لم تكن السينما قد انتشرت كثيراً، ولا كان هناك تلفزيون وأنترنت وشاشة مثل “الجديد” تنقل عشر تظاهرات في لحظة واحدة، كاملة بشموعها وأضوائها وطناجرها. هذا ما رفضت السلطة اللبنانية أن تراه، فقررت، مثل اليمن، ان تدفع بجمهورها الى الساحات. في السينما، الشرط الأول للنجاح هو المخرج. والثورة غلبت عفويتها وصدقها وأطفالها على كل شيء.

يصر البعض على وصف ما حدث بالحَرَاك. لا نهاية للعبة الكلمات المسطحة. هذه مأساة الانكار. حتى ملايين الصور لا تعني للمنكرين أو للناكرين شيئاً. هذه اول ثورة كبرى في تاريخ لبنان، إذ وقف الناس ضد الظلم والاستهتار واللؤم، وليس بعضهم ضد البعض. ثورة يشكل فيها الاطفال الخطوط الامامية. ثورة عبقرية اجتماعية مهما رفعت من شعارات سياسية. ثورة الضعفاء والبسطاء والمستورين ضد فحش الفساد وصفاقة الفاسدين وعنجهية الحرامية.

ثورة الفقراء على طبقة الاثرياء الجدد الذين كدَّسوا الثروات والقصور والخوات من دون الاضطرار الى ممارسة عمل واحد. كل سياسي أصبح شريكاً ، وكل شيء للبيع.

لكي نعرف ما إذا كانت هذه ثورة أو حَرَاكاً، يجب أن نتأمل الصور جيداً، وأن نصغي الى هذا التفوق الرائع في التعبير عن فحوى القيامة الجميلة. عيب ان تعتبروا ان هذه الحقيقة السامقة اكذوبة ومجموعة شلاعيط. هؤلاء هم فتيان التغيير وفرسان الزاوية الحادة التي سوف تقوم عليها الدولة التي مُنع قيامها حتى الآن.

انهار جدار برلين، لأن هذه طبيعة الحياة. ولم يلحظ قادة السوفيات ان 70 عاماً قد مضت على خطب فلاديمير ايليتش. ولم يهتم الشباب الشيوعي لرحلة يوري غاغارين الى مدار الأرض بقدر ما اهتموا للجينز واغاني الروك وحرارة الفيس بريسلي. قالت الفنانة ورد الخال نحن نأتي الى هذه الحياة مرة واحدة، ونريد أن نحياها. ومنذ ستين عاماً جعلت ليلى بعلبكي عنوان روايتها الأولى “أنا أحيا”. وبدا مثيراً أن يأتي هذا المانيفستو الأول من الجنوب.

قدمت رئيسة وزراء نيوزيلندا لشعبها عرضاً بما حققته حكومتها في عامين: إيجاد 92 الف فرصة عمل، زرع 140 مليون شجرة، بناء 2200 مسكن للفقراء، زيادة رواتب المدرسين والشرطة. يقابلها الغاء قروض الاسكان وقلع مليون شجرة لإقامة سد بسري الذي يلتزمه الاتراك، انسباء البواخر الفاجرة، ويقابله، خصوصاً، طرد آلاف العمال والموظفين من الشركات المفلسة، أو التي على شفير الافلاس في اقتصاد مدمَّر متهالك ووضع مالي مخلّع.

بعد 30 عاماً على ذلك الانهيار الشيوعي الهائل، يعثر شيوعيو لبنان على أرض خصبة في بلادهم. ما من مرة في تاريخهم كانوا في مثل هذه القوة في مواجهة أوليغارشية رثة، وطبقة فاسدة وفاجرة، وسلطة سياسية يشل حياتها ويهدد دولتها، وزير في حقيبة، او حقيبة في وزير.

قال تشرشل لديغول: ولا تنسَ أيها البريغادييه أن تأخذ أيضاً صورة مع عائلتك. الناس تشعر بالاطمئنان الى صورة ربّ العائلة الموحدة. أكثر ما تخاف الناس على عائلاتها. البيت الكبير من البيت الصغير.

بين عام وآخر أذهب الى كولومبي كمن يذهب الى مزار. هكذا أذهب الى بلدة فرنسيس الذي من اسيزي. هكذا أتمنى الذهاب الى هند غاندي وطاغور، وإلى قارة أو قرية مانديلا. وإلى مارتن لوثر كينغ وابراهام لنكولن، هكذا ذهبت الى كريت من اجل نيكوس كازانتاكيس، الشيوعي الذي عرفني الى القديس فرنسيس. هؤلاء هم القديسون عندي. شيء مثل عبد القادر الجزائري، شيء مثل بيل غيتس. بشر بأثر فوق البشر.

اضف رد