إنتفاضة 17 تشرين الأول: حكم الأوليغارشية… وحاكمية المتغلّب

 وسام سعادة
القدس العربي
21102019
https://www.alquds.co.uk

انتفض الشعب.
الفوارق الاجتماعية المرعبة. المظاهر الماجنة لمعاش الأثرياء، لا سيما ذوي السلطة والنفوذ منهم في مقابل انتشار مظاهر للبؤس الاجتماعي غير معهودة في لبنان بهذه الحدّة «المرئية» قبل سنوات.
انسداد الأفق أمام جيل شبابي كامل، لم يتجاوز الخامسة أو العاشرة من العمر أيام قسمة 8 و14 آذار. لا يعني أنها قسمة اضمحلت لكنها لم تندثر، وبالأحرى «تحوّلت».
النموذج النافر جدّاً لما يسمّيه ديفيد هارفي «مراكمة رأس المال بانتزاع الملكية»، بديلاً عن «مراكمة رأس المال بالتربّح من توسّع العمل المأجور». أي انتزاع طبقة الأوليغارشية المالية، ذات العمود الفقري المصرفي، لقسم كبير مما ملكته الطبقة الوسطى المغرقة في الديون، وانتزاع وتسخير جزء واسع من المؤسسات والمرافق العامة لحسابها.
اقتصاد أوليغارشي متداخل في جانب، ومتعارك في جانب آخر مع الاقتصاد السرّي لـ»حزب الله»، الى أن فرض تزايد العقوبات الأمريكية على الأخير، وقياداته ورجال أعمال ومصارف قريبة منه، نمط علاقة متأزمة أكثر من الماضي بين الاقتصادين.
الركود المستفحل، وتبدّد الوعود بـ«إصلاحات سيدر»، بما يعنيه ذلك من انسداد السبل سواء أمام خطط تنشيط النمو بإعادة الاستثمار في تنمية البنى التحتية وقطاع الطاقة أو لجهة الفشل في الظفر بديون إضافية، تراكم على نظام كامل من المديونية لخدمة المديونية.
الخضوع أكثر فأكثر لمعايير واعتبارات مؤسسات التصنيف التي لم تقتنع بـ«ترقيعات» خفض العجز في موازنة العام الماضي التي تأخر اقرارها الى القسم الثاني من العام.
اهتزاز «وثن» سعر صرف الليرة في مقابل الدولار الأمريكي، الذي تحوّل منذ توطيده في أعقاب انهيار 1992 المالي إلى ما يشبه «الثابت» الوحيد، وهو ثابت لم تنفك ترتفع كلفة الإبقاء عليه، أضف إلى نشأة طقوس كاملة من تطمينات حاكم المصرف المركزي «الأبدي» حول الليرة، إلى أن دخلنا إلى مرحلة نظام سعري صرف الليرة، الرسمي والفعلي، في ظلّ أزمة شحّ للدولار في السوق اللبناني.
وكما نظام سعري الصرف، استشراء نظام الحكومتين أيضاً. حكومة متصدّعة وغير متجانسة من جهة، إنما رئيس وزرائها الفعلي هو جبران باسيل. وحكومة مالية، هي حاكمية مصرف لبنان، الذي يقود «جبهة وطنية تقدمية» لمجموع المصارف في البلد من جهة، ويفرض تحولاً عجيباً نحو «رأسمالية الدولة» من جهة ثانية، حيث تقوّض أكثر فأكثر آليات العرض والطلب في السوق، ويفرض أكثر فأكثر منطق مصادرة الأكثر غنى لما يملكه الأقل غنى أو الأكثر فقراً.
رأسمالية دولة قائمة على إعادة توزيع الثروة في اتجاه تكدّسها أكثر فأكثر في حسابات الأوليغارشية، وهجرة رساميل الأخيرة أكثر فأكثر الى الخارج في سنوات التأزم الأخيرة، وسحب قسم آخر من المصارف درءاً للعقوبات الأمريكية من جهة أخرى.
كل هذه الوقائع والمناحي اجتمعت. تكثفت. انصهرت. ومع اهتزاز البدائل القائمة مكان الشرعية، أي «شرعية تثبيت سعر الصرف» الوهمية، من جهة، وشرعية الإحالة إلى اصطفاف 8 و14 آذار من ناحية ثانية، فتح السبيل إلى انتفاضة الفئات الأكثر «بروليتارية» من اللبنانيين في الساعات الأولى، ثم إلى انتفاضة الشعب كلّه في الأيام التالية.

الفوارق الاجتماعية المرعبة. المظاهر الماجنة لمعاش الأثرياء، لا سيما ذوي السلطة والنفوذ منهم في مقابل انتشار مظاهر للبؤس الاجتماعي غير معهودة في لبنان بهذه الحدّة «المرئية» قبل سنوات

الشعب كلّه؟ لأن الشعب ليس كتلة كمية فقط. الشعب هو ذات جماعية، يمكنها أن تذهب وتأتي. تتراجع إلى حدود دنيا، وتقفز إلى السطوع في لحظات بعينها. ليس صحيحاً أن الشعب ذات جماعية حاضرة جاهزة على الدوام، وثمّة من يفتعل لنفسه مشكلة عاطفية في كل مرة يتخوف فيها أن يختفي الشعب من بعد اجتماعه، والشعب حتماً سيظهر حيناً ويختفي حيناً آخر. الشعب مشروع. هذا ما شدّد عليه جاك رانسيير وشنتال موف. هو مشروع يبنى. ليس هو بتحصيل حاصل. هو مشروع يبنى ضدياً في المقام الأول، ضد علاقات الإخضاع والإستتباع والإبتزاز والنفاق، وضدّ الفظاظة.
وما حصل في لبنان، بالأيام الأخيرة، تغذى الى حد كبير من أثر الفظاظة، الإفراط في الفظاظة.
فظاظة وزير فرض ضريبة على تطبيقات التراسل الفورية لمعاقبة للناس على تراجع الاتصالات الهاتفية فيما بينها، ووافق مجلس الوزراء مجتمعاً على هذا الطرح البائس، الذي يظهر الدولة أشبه بمسبح خاص يمنع الزبائن من إدخال أطعمة إليه كي يأكلوا من مطعمه.
هذا في بلد يحطّم رقماً قياسياً في سعر الخدمات الهاتفية والإنترنت، المتميزة بالرداءة التقنية. وفي حكومة يعد بيانها الوزاري بـ«تحسين الخدمات نوعاً وكلفة وسرعة في هذا المجال». وفي دولة، يعتبر قطاع الهاتف الخلوي فيها الملزّم لشركات، قطاعاً مربحاً ويدر مالاً وفيراً، ومع ذلك تتنطّح الكارتيلات والمافيات الحاكمة من أجل خصخصة هذا القطاع.
في لحظة امتدت فيها عقلية «القنص» من جيوب الناس الى تطبيقات التراسل الفورية، ذهب غضب الناس بعيداً عن سجن «السوشل ميديا». الوزير المعني وصفها بـ«التحركات غير البريئة». رئيس حكومته جمع بين «الإحساس بوجع الناس» على مرأى التظاهرات وبين تنديده بـ«الزعران». غياب كامل لأي إدراك بأنها انتفاضة، وبأنها انتفاضة شعب. الاكتفاء بمركب الشفقة والتشفيق. «الشفقة» على الناس من جراء السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعادية لهم، و«تشفيقهم» على الزعيم الذي يفترض أن يخصهم كطائفة، أو أقله الذي يفترض أن يستمر في السلطة كي يخلق نوعاً من «توازن» رمزي مع القوى الطائفية الأخرى.
تعنتت الحكومة في البقاء رغم اتساع رقعة الانتفاضة. اختارت منطق تسييل الدموع، مرة بقنابل مكافحة الشغب.. مكافحة الشعب، ومرة بدموع التماسيح على الزعامات «المتمسحة».
أطل جبران باسيل وزميله سعد الحريري على الناس. الأول اعتبر أن الانتفاضة التي تهزج باسمه تنديداً به، إنما تخدم في جوهرها خط عمّه رئيس الجمهورية، القائد السرّي لثورة تطالب بتنحيه. والثاني اعتبرها تخدم «حزب الله».
ليطل السيد حسن نصر الله بعدهما ويرسم الخط الأحمر على استقالة الحكومة، والحرم المقدس على استقالة «الرئيس القوي»، المفترض أنه قوي بمارونيته، وليس بولاية الفقيه.
أو بالأحرى، خيّر نصر الله الحريري وحكومته إما بالبقاء إلى جانبه، طالما يناسبه التترس بهما حتى إشعار آخر، أو أن تستقيل الحكومة فيدخل بعضها السجون وينزل هو هذه المرة إلى الشوارع لتبديل كل المعادلات. مدخل كل المعادلات أن هناك أوليغارشية تنهب وتحكم، لكن هناك فوقها حاكمية متغلّب، تضيق ذرعاً من هذه الأوليغارشية حيناً، وتسعفها حيناً آخر. تريدها طيّعة، لكن تريدها.
مع كل ما في كلام نصر الله من طبقات رسائل تغلبية، إلا أن الانتفاضة اتسعت، ودفعت بوزراء «القوات اللبنانية» للاستقالة، لتضع سعد الحريري مع اقتراب انتهاء المهلة السينمائية التي حددها لتقديم بدائل سحرية، أمام حيثية ملء الشغور الحكومي القواتي بوزراء باسيليين جدد إضافيين، أي بصيرورتها أكثر من أي وقت مضى، حكومة 8 آذار.
ثمة من ذهب في الساعات الأولى إلى أن تطيير الحكومة تحصيل حاصل، والمهم الانصراف إلى ما بعد ذلك. لكن تطيير هذه الحكومة يبدو صعباً، رغم مليون ونصف مليون مواطن في الشوارع، ليس ضد الحكومة فقط، بل ضد رئاسة ميشال عون وضد النظام ككل، إنما بما تصريفه العملي استقالة الحكومة في الدرجة الأولى.
التعنت في الاستقالة، وظهور الحريري أكثر في مظهر «اما تابع واما أسير» لدى «حزب الله»، يفرضان على انتفاضة الطبقات الشعبية تحديات عسيرة. بخاصة أنّه، على صعيد المسلمين السنة بالتحديد، هناك شعور غير مسبوق بمدى ضعف الحريري، في مقابل تخوف فعلي أيضاً للافتقاد إلى زعامة سياسية، في مقابل توطّد زعامات الطوائف الأخرى. التلاقي في الميادين بين الجموع لا تلغي مثل هذه الاعتبارات، الا عند الواهمين، مثلما أن هذه الاعتبارات لا تلغي جذرية هذه الانتفاضة لجهة أنها بعد كل شيء جزء من وضع ثوري غير متمم: الإصلاحات فيه مستعصية، والثورة فيه «شبح» جماعي حقيقي، لكنه شبح «لا يتجسّد» في طليعة ثورية. بكل مفارقات، وجمالية.. وكارثية ذلك. يبقى عيش هذه اللحظة حتى الآخر، طالما ظل «خط الجماهير» يفرض نفسه، على المقاربات والمواقف. الأكثر وضوحاً هنا أن باسيل قدم نفسه بمثابة المفاوض الأفضل مع المصارف، والحريري بمثابة المفاوض الأفضل مع تغلبية «حزب الله» ونهم باسيل، وأن انكار هذه المنزلة لكل منهما، هو بحد ذاته مكسب ثمين يحققه الشعب.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*