لا مؤامرة على لبنان بل سوء إدارة من وزرائه

الوزير جبران باسيل صرح في اجتماع لكتلة “التيار الوطني الحر” بان لبنان يواجه، قياسًا بازمة الدولار، مؤامرة خارجية وهو يدعو الى اليقظة والاصلاح الجذري للوقاية منها.

اللبنانيون في غالبيتهم يستشعرون ذكاء الوزير باسيل ويدركون قدراته الهندسية، لكن غالبية اللبنانيين تعلم ان العجز في الموازنة سببه دعم الكهرباء من عام 2008 وحتى تاريخه وهو كان المشرف على وزراء الطاقة خلال هذه الفترة وحتى تاريخه، وهو من أعلن منذ وقت قريب انهم – أي الحزب الذي ينتمي اليه – لو تنبهوا لهذا الامر عام 2015 لكانوا وفروا على لبنان مقترضات توازي 10 مليارات دولار. وهو من وقع اتفاق انجاز معمل في منطقة الشمال بطاقة 450 – 500 ميغاوات منذ عام 2013 ولم تنجز اية أعمال لاقامة المعمل، وهنالك قضية قانونية في لندن لجأ اليها القبارصة اصحاب الشركة المتعاقد معها باعتبار انهم لم يقبضوا الدفعة الاولى للبدء بالعمل.

سيدي الكريم،

بالتأكيد لم تشاركوا في مؤامرة على لبنان، ولبنان بكل معطياته لا يستقطب مؤامرة، انما هنالك هدر كبير في الاستمرار في ما يسمى خطة الكهرباء التي ما هي سوى نسخة مختصرة عن خطة الكهرباء الاساسية المقررة عام 2012 والتي لم تثمر تحقيق انجازات افترض تحقيقها من أجل تامين ادارة فعالة لهذا القطاع الحيوي لنشاطات أساسية منها مختلف أنواع الصناعات، المستشفيات، المدارس، كميات استهلاك المشتقات الخ.

اذا اراد الوزير باسيل تفعيل قطاع الكهرباء العام عليه ان يبدأ مع نوابه باقرار انشاء هيئة الاشراف على الكهرباء، وانتخاب مجلس ادارة من فنيين أكفياء، وتعيين شركة تدقيق دولية لتوفير ارقام حقيقية للموازنة، وانجاز غرفة تحكم بتوزيع التيار بين المناطق وقبل كل ذلك اختيار وزير كفي لتولي وزارة الطاقة، ولديه بعض خيرة الكفاءات، مثل منصور بطيش الذي انجز دراسة عن قطاع الكهرباء في تشرين الثاني 2014 وأكد ان استمرار حاجات الاقتراض سيؤدي الى مشكلة تمويلية حقيقية، ويمكنه توجيه الوزيرة الحالية الى وزارة الاقتصاد، وحينئذٍ نكون قد بدأنا التوجه نحو اصلاح حقيقي. ومعلوم لدى فخامة الرئيس، ودولة الرئيس، والوزير باسيل ان استمرار عجز الكهرباء ولو سنتين سيقوض قدرة لبنان على تامين العملات الرئيسية المطلوبة لتوفير المنتجات، الاساسية التي لا بد من توافرها في المجتمعات الحديثة، ومن هذه القمح، والغاز، والادوية، وحرية التحويل التي كانت ونرجو ان تستمر القاعدة الاساسية لاجتذاب الودائع والاستثمارات.

ان استمرار الازمة – التي نحن تسببنا بها – سنة أو سنتين سيدفع بآلاف الشباب الى الهجرة وحينذاك تكون نسبة اللبنانيين المهاجرين في رأيهم عند الانطلاق هجرة موقتة سرعان ما تتحول الى هجرة دائمة لان شروط العمل في الخارج والعناية بحقوق المواطنين والمقيمين أفضل مما هي في لبنان.

نجاحات اللبنانيين الناشطين مهنيًا في الخارج تحقق لأصحابها أفرادًا ومؤسسات مداخيل سنوية تفوق الدخل القومي الذي يتوافر في لبنان من لبنانيين يمثلون 70 في المئة من كتلة الايدي العاملة، ليس بينهم أكثر من 50 في المئة تتأمن لهم فرص عمل في لبنان تدفعهم الى الالتصاق بالارض والنظام. لبنان الذي كان مقصد المعطائين، غيب عن تطلعات الشباب بسبب قصر نظر الطاقم السياسي وندرة المهتمين فعلاً بالشأن العام والاهتمام بالشأن العام، لا نشهده ولو بحثنا عنه بالنبراس.

ان الوضع الاقتصادي في لبنان لن يستقيم ويستقر على منهجية مستمرة للنمو تسمح باستقطاب الطاقات المميزة ما لم تتوافر استثمارات في تعزيز البنية التحتية واستثمار الفرص الضائعة، وهذا الامر لن يتحقق باستثمار افراد أو هيئات عربية ودولية في مجالات تستوجب استثمارات مكثفة وكفاءات مهنية متميزة، مثل الكهرباء، ومشاريع المياه، وتجهيزات الاتصالات، ولا شك في ان ثلاثة نشاطات يمكن ان تستقطب استثمارات ملحوظة شرط ألا تحوز الدولة بأجهزتها الحالية قدرة على تجميد عمل المؤسسات المعنية وبرامجها.

لبنان يحتاج الى مساندة دولة عظمى تحوز وفرة المال ونية الاستثمار في المنطقة والخبرات التقنية التي تسهم في تحديث التجهيز والرؤية، وليس هنالك أفضل من الصين للتوجه بمشروع متكامل يشمل المشاريع التالية التي نعلم ان لدى الصينيين القدرة على تنميتها وتحسين استغلالها وتأمين تمويلها:

المشروع الاول: حماية مرفأ طرابلس من أمواج البحر بإنجاز حائط حماية غير متوافر حاليًا. ومعلوم ان الصين في اصرارها على انجاز ما يسمى طريق الحرير استملكت اكبر مرفأ في باكستان، والمرفأ الرئيسي في اليونان، ومرفأ حيفا في اسرائيل. كذلك معلوم ان الاسرائيليين لا يقرون بان هنالك تقنيات لا يملكونها، ومع ذلك رحبوا بالصينيين واموالهم ووسائل عملهم وتقنياتهم. والمهم ألا نبدأ بانتقاد التعاون مع الصين في هذا المجال لان قواعد المقاطعة العربية تفرض عدم التعاون مع الشركات التي تعمل بشكل موسع من اسرائيل. وما يمكن تحقيقه بالنسبة الى مرفأ طرابلس والمنطقة الملاصقة له التي تستعمل مكباً للنفايات، يمكن تحقيقه بالتأكيد في انجاز اعمال تحديث منشآت مطار رينه معوض وتشغيله سواء للبنانيين من ابناء الشمال، والسوريين الاقرب اليه من مطار بيروت، والرحلات السياحية.

المشروع الثاني: اعادة تشغيل مصفاة طرابلس بعد تحديثها وتوسيع طاقتها من 1.8 مليون طن، متوقفة حاليًا، الى 6 ملايين طن ويمكن أن تنجز اعمال المصفاة شركة صينية دولية تعمل في مجالات النفط على نطاق عالمي، وأي انجاز لمصفاة بطاقة 6 ملايين طن يعني ان 80 في المئة من حاجات لبنان المتوقعة من مشتقات النفط سنة 2022 تكون متوافرة داخليًا اضافة الى تحقيقنا وفرًا لن يقل عن 600-800 مليون دولار سنويًا.

المشروع الثالث: تحفيز الصين على انشاء مصرف يوفر الدعم لمشاريعها، كما يسهل عمليات الاستيراد بالعملة الصينية اذا اقتضى الامر. ومعلوم ان مستوردات لبنان من الصين هي المستوردات الاكبر في لبنان، وتشمل وسائل الاتصال والتواصل، التلفزيونات، السيارات، الالبسة، المأكولات، المنشطات والادوية، ويمكن أن يطلب من الصين رسملة المصرف الصيني بما يساوي 3 مليارات دولار أي ما يقرب أو يزيد على رسملة أكبر مصرفين عاملين في لبنان والمنطقة.

ان التعاون مع الصين على نطاق واسع كما نقترح يسهم في اخراج لبنان من ازمته، وادخال انظمة عمل متشددة ومنتجة. والصينيون لن يقبلوا بان تكون مسؤولية القيادة الا في أيديهم، فهم منتجون على مستوى رفيع ويتقيدون بمسيرة رؤسائهم.

بعد التحرك نحو الصين، يبقى على دولة الرئيس الحريري العمل على الاتفاق مع المانيا على تولي موضوع معالجة معضلة الكهرباء، وقد قرأنا ان الالمان وفروا مشروعًا مفصلاً لكن الوزير السابق لم يشأ البحث فيه خلال زيارة المستشارة ميركل ووفد رجال الاعمال للبنان. ولو كنا على مستوى المسؤولية، لاعتبرنا تحرك ميركل نحو لبنان أفضل دليل على الاهتمام وأفضل برهان على القدرة على اجتذاب استثمارات في قطاع الكهرباء من علماء المصلحة وفنيييها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*