الرئيسية / مقالات / إذا ألحَّ السَّحابُ بالمَطَر…

إذا ألحَّ السَّحابُ بالمَطَر…

على مشارف مئوية دولة لبنان الكبير نندبُ دولةً صغيرة عظيمةَ البطنِ كَرشاء. غير مرئية إلا من خانة عارضات الأزياء وآكِلي لحوم المؤسسات. مباريات متتالية لمصارِعي “السّومو” يُدعى الشعب إلى مشاهدتها. أثداء المصارعين متدليّة معدومة اللبن. كروشهم منتفخة بشحم الكراسي. نحن نصفّق لأكثرهم بدانة وبأساً وبطوننا خاوية. لم يحدث في تاريخ لبنان أن تحوّلنا إلى مصفّقين للـ”سومو “.

مرثيّة لدولتنا الصغيرة تتحسّر على عصرنا الذهبي في عصرِ رجالٍ من تَنك وقاماتٍ فارعة من الكذب الوطني. المكلَّفون نحن والحاصدات بائعات الهوى. ما أنفقه السياسيون، أغلب السياسيين، على غوانٍ يغرّهنَّ الثناءُ وعلى اليخوت وحواشي القصور يكفي لإطعام كل جياع بيافرا، ولزرع الربع الخالي بعشرين مليون شجرة مثمرة.

نقف على مشارف 13 تشرين كما وقفنا على مشارف 7 آب. مشارف تواريخ كثيرة أخرى مرت علينا أيضاً دون أن يُدعى الشعب هذه المرّة للتلويح بالإعلام وابتداع اللافتات المثيرة للقشعريرة. 8 آذار، 14 آذار وغيرها الكثير. من المؤكد أن الناس سئموا الوقوف على المشارف والتواريخ وثقافة إحياء الذكرى. الناس كانوا نياماً. ماتوا فانتبهوا.

استقالة جماعية هي أقلّ ما يمكن أن يُقَدَّم للشعب اللبناني. إعادة تكوين السلطة، ولا بأس، الاستئناس بأنغولا وتونس واليمن السعيد. هناك استردّوا أموال الديكتاتوريات البائدة. هنا لجنة إصلاحات تجتمع لمناقشة اقتراحات هي أشبه بالبكاء على رأس الفقيد. للفقيد الرّحمة.

75 مليار دولار هي مجموع الأموال التي نهبها السياسيون في بلدنا. معظمها في حسابات مشفّرة أو مسيّلة في القصور والعقارات والأسهم والطائرات الخاصة. بدل الملهاة التي تدور رحاها بين القوى الإصلاحية في لبنان ربما يفيد التركيز على نقطة واحدة: قانون استرداد الأموال المنهوبة. آلياته متوافرة. لا يكفي الإعلان عن تقديم مشاريع قوانين. المطلوب لوبي ضاغط يبدأ بتوظيف الإعلام الاستقصائي. يمرّ بمواكبة أمميّة وينتهي بمصادرة الأموال التي تعود أولاً وأخيراً للناس.

الخطاب الإصلاحي للعهد ملتبس. ما يدور بين أقطابه دَوْجَلَةٌ وَهَوْجَلَةٌ وَدَوْجَرَةٌ وَسَرْوَجَة. يسترون الحقّ بمرادف منمَّق. يتّهمون الطبقة السياسية بالمحاصصة من جهة ويتحالفون معها من جهة أخرى. كل ما أنتجته المحاصصة هو مشروع سلطة. مشروع كراسٍ. في الأمن والقضاء والإدارة دخل الدّجاجِلةُ المحظور. محظور تقاسُم مواقع النفوذ في كل هذه المَحاور. من باب الاستحالة المناداة بالإصلاح وتقاسُم النفوذ في مفاصل الدولة. من الطبيعي الاستنتاج أن الدولة أسيرة خطابين. الأول ثائر والثاني سائر.

إعادة تدوير السلطة صارَ ضرورة أخلاقية. إعادة تدوير السلاطين أيضاً. النبيّ محمد طاف على بَعير. يسوع على ابن أتان. من فقر الحال أنجزا أكبر انقلابَين في العالم. أتباعهما قلّوا. الزلزال اليوم يستهلم فقرهما. مِرسامُ الزلازل هو الشعب. لا يبدو أن العهد قادر على محاكاته. هناك نشاط بركاني غير مستحبّ في بلدنا، لكنه أبغض الحلال. لا بدّ أن يبتَرِكَ السّحابُ إذا ألحَّ بالمطر.

بدل ملاحقة مطلقي الشائعات، يجب ملاحقة ناهبي المال العام واسترداد الأموال المنهوبة. السلطة تشبه مرتا فيما المطلوب واحد. الشارع سيكون الى مزيد من الالتهاب. المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والنواب منصوص عليه في اتفاق الطائف ولم يتحول إلى قانون منذ أكثر من ثلاثين سنة. من هنا يجب الانطلاق. كل ما سوى ذلك سيؤدي إلى ثورة عارمة.

لا يستهينّنّ أحد بالسواد الأعظم. هو الكثرة الكاثرة في الزمن اللبناني. هؤلاء أكثر عدداً من مناصري كل الأحزاب مجتمعة. لا يُتوقّع سوى المزيد من الغضب، وما قيمة الشعب الذي لا يغضب؟

اضف رد