إدوارد سعيد السارد

 صبحي حديدي 
القدس العربي
30092019

في «مدخل كامبريدج إلى إدوارد سعيد»، يكرّس كونور مكارثي صفحات قليلة لـ«خارج المكان»، 1998، العمل الوحيد الذي خصصه الراحل لمذكرات شخصية تغطي بعض عقود طفولته ويفاعته وشبابه (نقله الصديق فواز طرابلسي إلى العربية، ونشرته دار الآداب في سنة 2000). والسبب في هذا أنّ المدخل يُفرد غالبية الفصول الأربعة (والصفحات الـ436) لمسائل أكثر تركيزاً على المؤثرات في فكر سعيد (الفينومينولوجيا، الفيلولوجيا، الماركسية، ما بعد البنيوية)؛ وعلى أعمال رئيسية مثل «بدايات: القصد والمنهج»، 1975؛ «الاستشراق»، 1978؛ «قضية فلسطين»، 1979؛ «العالم، النصّ، والناقد»، 1983؛ «الثقافة والإمبريالية»، 1993.
يساجل مكارثي أنّ سعيد (1935 ـ 2003)، الذي مرّت ذكرى رحيله يوم 25 أيلول (سبتمبر) الجاري، سعى من وراء حكاية شبابه بلوغ ثلاثة مستويات: 1) الشخصي، أي وصف الطفولة في القدس والقاهرة ولبنان والولايات المتحدة؛ و2) التاريخي، عبر إعادة تشييد، أو استعادة، «سجلّ عالم مفقود أو منسيّ»، يمكن أن يُبعث أو يُمنح صوتاً؛ و3) المستوى السياسي ــ التاريخي، حيث تتقاطع حياة سعيد مع تاريخ الشرق الأوسط المضطرم، مثلما تُصوّره. وبين أبرز العناصر، والتي يراها مكارثي في عداد الأهمّ، أنّ «خارج المكان» سردية لا تقتصر على نشأة سعيد في القدس وضهور الشوير والقاهرة؛ بل تشمل أيضاُ وأساساً انتقاله إلى الغرب، وإلى الولايات المتحدة على وجه التحديد. فالفصول تُختتم وسعيد طالب دراسات عليا في هارفارد، على وشك الانتقال إلى نيويورك واستلام وظيفة أولى في جامعة كولومبيا؛ حيث سيدشن ما اعتبره المؤرّخ السكوتلندي توم نيرن حكاية نجاح لامع حققها، في الغرب المتروبوليتاني، سليلُ «نخبة عالمثالثية».

«خارج المكان» يحتوي على الكثير من هذه البورتريهات المصغرة المدهشة، التي رسمها سعيد لحيوّات عشرات الفلسطينيات والفلسطينيين، وأسهمت في تدوين سردية بلاد كانت تسمى فلسطين، وهكذا صارت وتبقى…

وقبل أن يصدر «خارج المكان»، كان سعيد قد أرسل إلى محمود درويش فصلاً من مذكراته كي يُترجم إلى العربية ويُنشر في فصلية «الكرمل»؛ وقد تشرّفت، يومذاك، بإنجاز الترجمة التي ظهرت في العدد الخاص 55/56، ربيع/صيف 1998، تحت عنوان «فلسطين 1948: شذرات اقتلاع معلن». كنت أزعم، لنفسي أوّلاً، قسطاً معقولاً من معرفة سعيد، الناقد ذي الإبصار الثاقب، والمنظّر الأدبي الاختراقي، والمساجٍل اللامع حول القضية الفلسطينية؛ ولكني ذُهلت إزاء تلك البراعة في استعادة تفاصيل، عالية الأثر وجبارة التأثير، على نحو منبسط طليق متخفف من أية تقنية سردية قصدية، خصوصاً وقائع الأشهر الأخيرة من العام 1947 في القدس، قبيل رحيل الأسرة إلى القاهرة في كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته. وسعيد يروي، على نحو جارح لأنه حقيقي عفوي، كيف كانت فلسطينية فلسطين تلك الأيام، وفي مستوى الأرض والبشر والتاريخ والجغرافيا، بمثابة معطى طبيعي يومي.
وفي تغطية تلك الحقبة غير العادية، حاول سعيد استرجاع منظور الفتى الذي كانه آنذاك: يافع في الثانية عشرة من العمر، لا يدرك تماماً أسباب علائم الانكسار والحزن التي كانت تخيّم على وجوه أهله وأقربائه وأصدقائه كلما احتفلوا بعيد ميلاده. ولسوف يمرّ زمن غير قصير قبل أن يدرك سعيد أنّ الأوّل من تشرين الثاني (نوفمبر)، عيد ميلاده، كان يصادف أيضاً عشية ذكرى أخرى لا يليق بها أيّ فرح، هي وعد اللورد بلفور بإقامة دولة لليهود في فلسطين! ومن المأساوي أنّ ذلك الفتى، الذي سيصبح بعد عقود قليلة الصوت الفلسطيني الأبرز والأرفع قامة في الغرب، كان «ممنوعاً» بمعنى ما من التفكير في القضية الفلسطينية، وكان مطالَباً بالإنصراف إلى دروسه وحدها. وهو يروي أنّ أباه ظلّ حريصاً على إبعاده عن «السياسة»، حتى أن كلماته الأخيرة وهو على فراش الاحتضار كانت هذه: «أنت أستاذ أدب، فالتزمْ بحدودك هذه. يقلقني ما سيفعله الصهاينة بك. فكنْ حذراً».
مؤثّرة أيضاً حكاية سعيد مع خليل بيدس (1875- 1949)، الأديب واللغوي والمربي الفلسطيني الكبير الذي ينسى الكثيرون أنه واحد من الروّاد المؤسسين للرواية العربية الحديثة. والمأساوي أنّ سعيد، الذي سوف يحتلّ موقعاً رفيعاً في ميدان التنظير النقدي والفلسفي والجمالي والتطبيقي لفنّ الرواية بالذات، لم يكتشف حقيقة شخصية بيدس إلا بعد مرور سنوات طويلة… طويلة! وهو يروي انطباعات غائمة عن رجل «اكتنف تلك السنوات المبكرة في القدس، وسحرتني شخصيته الملوّنة»، وكان شريك أبيه في لعبة طاولة الزهر، وأستاذ لغة عربية يرتدي الطربوش، طاعناً في السنّ، كثّ الشاربين، مفرطاً في التدخين، جذلاً ومرحاً وطريفاً.
بعد أربعة عقود سوف يعرف سعيد أن بيدس كان شخصية ثقافية محورية في الحياة الفلسطينية آنذاك. لقد تعلّم أوّلاً في مدرسة الجالية الروسية في القدس («المسكوبية» كما كانت تسمّى، وليس من المفارقة أنها اليوم مركز إسرائيلي لاستجواب واحتجاز الفلسطينيين!). ثم درس في روسيا، وعاد إلى فلسطين في مطلع القرن، فانضم إلى «الندوة» الأدبية التي كانت تُعقد في الناصرة؛ مفعماً بالفلسفات الروسية في القرن التاسع عشر، وبأفكار شتّى مستمدة من أمثال تولستوي ودستويفسكي وبرداييف. وسرعان ما انخرط في الجهد الثقافي والوطني الفلسطيني، وهيمن على أعوام العشرينيات والثلاثينيات كواحد من أبرز المساهمين في بناء الهوية الوطنية الفلسطينية.
و«خارج المكان» يحتوي على الكثير من هذه البورتريهات المصغرة المدهشة، التي رسمها سعيد لحيوّات عشرات الفلسطينيات والفلسطينيين، وأعادت كتابة سردية بلاد كانت تسمى فلسطين، وهكذا صارت وتبقى…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*