مئة عام على ولادة الرعد الجريح خليل حاوي (1919-1982) كان ناحلاً ومتبلاً كريش حمام كنبي ووحيداً كزرقاء اليمامة

كان ناحلاً ومتبلاً كريش الحمام. هائماً كنبي. وحيداً كزرقاء اليمامة.

لا يزل الشاعر الراحل خليل حاوي (1919-1982) في مئوية ولادته، وبعد سبعة وثلاثين عاماً على غيابه، يزداد حضوراً وألقاً مثل ضوء يعلو منارة. ولا تزال الأسئلة تلفّه. ولا تزال الكتب والدراسات تبحث عنه وفيه ومنه وله.

هل يمكن أن يُكشَف جديد في مئوية خليل حاوي؟ هل نقول جديداً مثلاً بأن لدى حاوي نصوصاً وقصائد منها بالعامية، ونصوصاً نقدية وحوارات لم تجمع في كتاب بعد؟ هل نقول جديداً إذا قلنا إن حبه الوحيد كان للقاصّة العراقية ديزي الأمير وقد كتب فيها: “أريدك أن تقومي بمعجزة أن تحبي رجلاً يتهدّم وان تسعدي بحبٍّ ليس فيه سوى الشقاء”؟ هل نتذكر أنه درّس في الجامعة اللبنانية سنة كاملة ولم يتقاض قرشاً واحداً؟ هل نذكر أن البروفسور آربري عرض عليه أن يعلّم في كامبريدج لكنه رفض لأن هذا الأمر يمنعه من بناء بيت في بيروت ولأنه وقّع عقداً مع الجامعة الأميركية؟ هل نقول جديداً إذا كشفنا أن ملفّه الطبي في مستشفى الجامعة الأميركية يشير إلى محاولتين انتحاريتين قبل الثالثة الثابتة، واحدة متناولاً السم، وثانية بقطع شرايين الوريد؟ هل نردّ سبب موته إلى بيتٍ من الشعر في قصيدة “البحار والدرويش” يقول فيه: “أترى حُملت من صدق الرؤى ما لا تطيق؟”. هل نقول جديداً إذا كشفنا أن خليلاً هدّد مدير “دار العودة” وسحب ديوانيه “الرعد الجريح” و”من جحيم الكوميديا” وأحرقهما قرب الاوزاعي وقد خالسه الظن أن خلف الأخطاء ما هو أدهى؟ هل نقول جديداً إذا قلنا إن علاقته مع شعراء عصره شابها الكثير من التوتر. فموقفه السلبي معروف من مجلة “شعر” ويوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج مع احتفاظه بالود والصداقة لشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة؟

الثابت في سيرة خليل حاوي،عصاميته وفرادته وصدقه وجرأته وثقافته. كانت معالم دربه في الشعر ثقافته الفلسفية والنقدية والفكرية والرموز الحضارية والأساطير التراثية والتاريخية. أسّس في شعره لرؤية مغايرة قائمة على جهد معرفي وكدح جمالي وبعد التزامي لقضية المجتمع والحضارة. لم يماهره احد في اللغة أو الموقف أو الالتزام. أدخل مناخاً مختلفاً على الشعر العربي. فلا غرو أن يكتب عنه نزار قباني “خليل حاوي لا يستعير أصابع الآخرين ولا يشرب محابرهم. انه جديد طازج الحروف. يهدر بحنجرة نسر”.

هذا الصوت الهادر المختلف ارتقى درجتين معاً: غناء الذات وملحمة الجماعة. هذا كلّه في شعر يصارع كل شيء، الذات والآخرين والحاضر والتاريخ والثقافة والأحلام والآمال والخيبات.

أحبّ خليل حاوي مكانَين في حياته حبّاً جماً، وكان يمشي فيهما بفرح؛ شوارع رأس بيروت وثمّة طريق أطلق عليها رفاقه وتلاميذه “طريق خليل حاوي”، وكانت تبدأ من منزله في شارع المكحول وتمتدّ نزولاً إلى المنارة ثم صعوداً إلى صخرة الروشة. في تلك الشوارع كان يشقّ السير تذروه الريح، تطارده القصيدة، وتخذله الأيام، كأنه يمشي على وقع كلمات المتنبي “على قلق كأن الريح تحتي”. أما المكان الآخر الأحب إلى روحه وقلبه فهو بلدته ضهور الشوير. عند نهاية الربيع كان يفرّ من بيروت فرار السجين إلى الشوير. كان يجد نفسه هناك ويستعيد الذكريات على دروب الضهور ومطل الدير والغابات الزاهرة. يعرف كل تلة وكل مطل ويعرف القادوميات والمعصرة والبيدر ومقاعد الصخور ومجاري الأنهر وعيون المياه ومقهى الحاوي في الساحة. من هناك كانت تطلع القصائد والأغاني والمواويل كما ينبت العشب وكما تنبجس المياه. لبثت أسئلة الشعر لديه هي هي أسئلة الوجود والوعي والهوية والكرامة، وهذا ما عرفه حاوي وما مارسه حتى الرمق الأخير. شاعر المعاناة الصعبة العنيفة التي مزجت بين الحياة والفعل والكلمة.

مضى زمن وارتفع السؤال: هل عانى خليل حاوي في هزيعه الأخير مما سمّاه الدكتور نديم نعيمة “غصّة الإفصاح”؟ ثمة إشارات أطلقها حاوي في بعض الأبيات تقول: “أعاني الرؤيا التي تصرعني حيناً/ فأبكي كيف لا أقوى على البشارة/ شهران طال الصمت/ جفّت شفتي متى متى تسعفني العبارة”. أو “ريشة تجود التمويه، تخفي/ الشح في أقنية العبارة”. أو “طال صمتي/ من ترى تسمع صوتاً صارخاً في صمته/ يسمع صوتي/ لأمت غير شهيد/ مفصحاً عن غصة الإفصاح في قطع الوريد/”.

في أيامه الأخيرة التقيته في “مكتبة خياط” في شارع بلس مقابل الجامعة الأميركية، تناول من على الرف كتابه عن جبران مترجماً (أطروحة الدكتوراه). كان راضياً لكنه أضاف: “المترجم رضوان باز ورّطني وصرت أترجم معه”. ثم ردّد أمامي بيت المتنبي الشهير: “جاء الزمان بنوه في شبيبته فسرهم وجئناه على الهرم”.

كان ناحلاً ومتبلاً كريش الحمام. هائماً كنبي. وحيداً كزرقاء اليمامة. يحمل مسبحة يناقلها بين أصابعه. كان يبحث عن فارس يمتشق البرق. عن بطل يعبر بهذه الأمة نحو ضفاف النور. حدق حاوي عميقاً في قدر بلاده وقدر أمته. وتذكر ما كتبه عن المتنبي “تأمل في أمة وتألم عن أمة لأنه كان هو ضمير الأمة من دون أمراء عصره وحكامه”. صار هو البطل الذي بحث عنه ولم يجده. ازدوج عليه الذات والموضوع فكانت نهايته احتجاجاً على الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 ورفضاً للواقع العربي. كانت أبلغ قصيدة يكتبها شاعر. قصيدة بالدم بالموقف بالصرخة في ليل أليل.

ترك خليل حاوي 5 دواوين شعرية: “نهر الرماد” (1957)، “الناي والريح” (1961)، “بيادر الجوع” (1965)، “الرعد الجريح” (1979)، و”من جحيم الكوميديا” (1979)، ولم يفصل في أعماله البتة بين الحداثة والذاكرة الحضارية، ورأى أن على الشعر أن ينفذ إلى صميم قضايانا المصيرية في السياسة والاجتماع والتاريخ والثقافة. وترك لنا وصية مهرها بدمه أن نضحي ونفتدي الأمة. الشعراء لا عمر لغيابهم ولا عمر لحياتهم ولا هم يموتون. سيبقى خليل حاوي في عنف الغياب وفي عنف الحضور كما كتبت جامعة كامبريدج تحت لوحته الزيتية “خليل حاوي احد أهم شعراء العربية في النصف الثاني من القرن العشرين”. لا. انه أحد الشعراء الكبار المؤسسين في الشعر العربي وفي تراث الشعر في العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*