مدينة بيسان الفلسطينية: عشرون طبقة حضارية وآثار شاهدة على ازدهارها

وديع عواودة
القدس العربي
11082019

الناصرة-“القدس العربي”:في الطريق من الناصرة إلى شقيقتها بيسان داخل أراضي 48 كانت مشاهد الجغرافيا والتاريخ كعين جالوت موقع المعركة الفاصلة بين المماليك والتتار، تشي بعراقة المدينة الجميلة التي وصفتها فيروز بـ “ضيعتنا الظليلة”. هناك في قلب مدينة بيسان الفلسطينية تنتشر آثار المدينة الرومانية “سكيتوبوليس” على مساحة واسعة تبلغ 1600 دونم يحرسها تل كبير في بطنه آثار وفيرة عمرها 2000 عاما وأكثر لم يكشف النقاب عن ملامحها الكاملة. رغم أن أعمال التنقيب الأثرية في بيسان القديمة قد بدأت منذ عشرينات القرن الماضي ما زال المخفي أعظم. ويقدر الباحثون في الجامعة العبرية المشرفة على أعمال التنقيب بدون توقف منذ 1986 أن ما كشف النقاب عنه لا يتعدى الـ 10 في المئة فقط من كنوزها التاريخية. ويقولون إن السنوات الألف الخمس قبل الميلاد شهدت أول بلدة أقيمت في تل بيسان القائم جنوب وادي جالوت في قلب منطقة خصبة وغنية بالينابيع تعتبر مفترق طرق رئيسية. ويوضح الباحث الأثري دكتور وليد أطرش أن الفراعنة اتخذوا من تل بيسان مقرا لحكمهم في فلسطين خلال الفترة الكنعانية المتأخرة في الفترة بين القرون 12 و16 قبل الميلاد. وتم تدمير البلدة الأثرية عام 732 قبل الميلاد بعد احتلال البلاد على يد الأشوريين.

المدن العشر

ويستذكر أطرش أن المكان شهد مجددا عملية استيطان وبناء في الفترة الهيلينية وسميت باليونانية “نيسا – سكيتوبوليس”. ومن ضمن المفارق التاريخية في مسيرة هذه المدينة ما شهده عام 63 قبل الميلاد على يد الرومان وكانت واحدة من مدن “ديكابوليس” الرومانية العشر وشكلت مركزا لحكمهم في شمال البلاد. وحسب التقاليد اليهودية أجهز الرومان على اليهود سكان المدينة عام 66 ميلادي. ويستدل من زيارة المدينة التاريخية أن بيسان الرومانية قد ازدهرت، مدينة مسيحية تطورت كما وكيفا بلغ تعدادها 30-40 ألف نسمة وقد أحيطت بالأسوار الضخمة وداخلها كنائس وأديرة وحمامات ومنشآت عامة داخل أحيائها.

الهزة المدمرة

ولم يدم عزها بعد الفتوحات العربية، فقد زلزلتها هزة أرضية عام 749 ميلادي أدت لتحطيمها بالكامل وما زالت آثار الهزة بادية في عمدان رخامية وتيجان حجرية فنية عملاقة متحطمة على الأرض بعدما تهاوت كالورق. ويستذكر أطرش عثور المنقبين على هياكل عظمية من تحت بعض الأعمدة وأحيانا قطع نقدية ذهبية ما يدلل على أن الهزة وقعت خلال النهار وفي ساعات نشاط السوق. ويتابع استعراض محطات في مسيرة بيسان بالقول إن المدينة التي صار اسمها بيسان عقب الفتوحات العربية / الإسلامية شهدت عمليات ترميم وبناء مجددا بلغت أوجها من جديد في الحقبة العثمانية وما تزال عدة عمارات شاهدة على ذلك أبرزها مبنى السرايا المبني من حجر البازلت الأسود. أما المدينة الفلسطينية بيسان التي تغنت بها السيدة فيروز فقد شهدت زلزالا مدمرا عام 1948 وهذه المرة ليس من صنع الطبيعة بل نتاج أيدي الصهيونية في أقسى الشهور، أيار. حيث ما تجول الزائر في المدينة اليوم يلاحظ منازلها الفلسطينية علاوة على كنيستين ومسجد عتيق خلفه مقبرة إسلامية تكابد أقسى أنواع الهجران والاستباحة والتدمير.

المسرح الكبير

غير أن السائحين الأجانب لا يتوقفون عند معالم المدينة الفلسطينية عروس الأغوار بل يتم توجيههم لبيسان الرومانية / البيزنطية لمشاهدة كمية كبيرة من الآثار العمرانية المدهشة. في مركز المدينة التاريخية نجا من الزلازل مسرحها الروماني المبني من الحجارة السوداء منذ القرن الميلادي الأول وهو يتسع لنحو 7000 شخص جلسوا في ثلاث طبقات من المقاعد الحجرية. وما زالت في حالة جيدة، مداخل المسرح على شكل مبان مقوسة، قباب وعقود وخلف منصة المسرح يرتفع جدارها 20 مترا ازدان بسلسلة أعمدة متوجة بتيجان وتماثيل غرانيت كل منها تحفة فنية بحد ذاتها بفضل نقوشها الجميلة. ويشير المؤرخون إلى أن هذا المسرح الغربي الروماني “الامفيتيترون” الذي لم تنج من مكوناته سوى ثلاثة مقاطع للمقاعد استضاف عروضا ومصارعات استمتع بمشاهدتها نحو 6000 شخص. وعلى بعد 150 مترا من المسرح ما زالت آثار الحمام العام المركزي شاهدة على ازدهار حياة الترفيه والثقافة في المدينة. ويوضح الباحث وليد أطرش أنه كما في بقية المدن الرومانية في العالم انتشرت الحمامات، وفي بيسان التاريخية كان الحمام المبني في القرن الرابع ميلادي يمتد على تسعة دونمات منذ أن بني في القرن الرابع ميلادي، ويشمل ثماني قاعات مغطاة بالقبب. ويستدل من اللوحات التوضيحية باللغتين الانكليزية والعبرية أن رواد الحمام الروماني دخلوا بداية إلى صالة لخلع ملابسهم “ابوتوريوم” وأودعوها هناك وحصل مرات أن عادوا ووجدوا أن ثيابهم قد اختفت. وقبيل الاستحمام دأب الرواد على القيام بتمارين بدنية كالمصارعة أو رفع الأثقال قبل دخولهم منطقة الصالات الساخنة “كالدريوم” لتنظيف أبدانهم عبر التعرٌق جراء الهواء الساخن وبحكّ الجلد بأدوات تنظيف. ومن الصالات الساخنة انتقل رواد الحمام لصالة فيها مسابح مياهها معتدلة الحرارة من أجل الاستجمام والراحة ثم إلى مسابح باردة “بريجيدريوم”. كما تروي الإرشادات المعلقة هناك أنه مقابل مبلغ مالي متواضع كان الرواد يحظون بخدمات تدليلك مهنية وبعدها كانت الفرصة تتاح لتلقي خدمات تزيين وحلاقة فيما اختار بعضهم زيادة معرفتهم وإثراء ثقافتهم بالاستماع لمثقفين ومحاضرين يشاركونهم الأحاديث والمداولات.

الحمامات الرومانية

 كما يرى الزائر بوضوح طريقة عمل الحمام، إذ تبدو أسفل الأرضية الرخامية والفسيفسائية في القاعات الساخنة منظومة تسخين الماء والهواء عملت بواسطة إحراق كمية كبيرة من الحطب التي استحضرها عمال وعبيد. وفي هذه المنشأة الفريدة التي طورها الرومان كان الهواء الساخن يتعالى في الفضاء أسفل الأرضية المبنية على أعمدة قصيرة ويسخنها وعند رشها بالماء تملأ المكان بالبخار، مثلما يتعالى أيضا لفناء القاعة بواسطة أنابيب فخارية. ودأب رواد الحمام على الاختيار بين صالات البخار كما هو الحال بطريقة الحمامات التركية وبين صالات الساونا والبرك الساخنة. وفي المناطق المجاورة للقاعات بنيت مسابح ونوافير لتخفيف وطأة الحر في هذه المدينة المعروفة بطقسها الحار وبوفرة مياهها المتدفقة من ينابيع تستمد ديمومتها من جبل فقوعة المجاور والماثل بكامل هيبته في الجانب الجنوبي من مرج بن عامر. وصدق من سبق ووصف المدينة وقتها بـ “عتبة الجنة”.

تل الحصن

وبين المسرح والتل الكبير المعروف بـ “الحصن” تمتد طريق سميت باسم حاكم المدينة البيزنطي “فلاديوس” المحاطة بعمدان عملاقة شقت وبنيت في الفترة الرومانية وتم تطويرها في عهد البيزنطيين وهي معبدة بالحجارة السوداء وما زالت بادية على حوافها أنظمة تصريف المياه. كما ما تزال آثار محال تجارية مكونة من طابقين على جانبي الطريق وساحاتها معبدة بالفسيفساء وبمخطوطات تحمل أسماء بناتها كما يشير الباحث الأثري عبد الله مقاري الذي شارك في أعمال التنقيب في المكان. ويشير مقاري لساحة “سيغما” نصف الدائرية وهي عبارة عن ميدان مركزي في المدينة ازدانت أرضيتها بلوحات فسيفسائية على شكل رسومات هندسية وصور حيوانات ونباتات وطيور ومخطوطات هيلينية. وفي واحدة من اللوحات الفسيفسائية تبدو آلهة المدينة “تيخا” وهي تعتمر تاجا ملكيا على شكل سور وبيدها قرن الخصب. وقريبا منها وفي مركز المدينة بنيت مراكز تجارية في الحقبة البيزنطية وتمت فيها إضافة منشآت لصناعة الفخار أيضا وبناء سوق وجامع كما يؤكد مقاري مشيرا لسلسلة آثار بيزنطية في حالة جيدة لمعبد روماني وشارع واسع يصل لتل الحصن “الاكروبوليس” الغني بالآثار العمرانية منذ أن استوطنه الكنعانيون منها خمسة معابد. عشرون طبقة حضارية اجتمع فيها الكنعانيون والأشوريون والرومان والبيزنطيون واليهودية وغيرهم ترد المعلومات حول كل منها بشكل واف في لوائح وكراسات الإرشاد بعكس الحقبة العربية/ الإسلامية التي تذكر على هامش الرواية التاريخية المعتمدة من قبل دائرة الآثار الإسرائيلية التي تخلط بين اعتبارات السياسة ومزاعم الحقوق التاريخية في فلسطين وبين ما يقتضيه علم الآثار المجرد. مثل هذه المعايير تفسر الحالة المأساوية للمسجد وللمقبرة الإسلامية الفلسطينية من قبل النكبة والتي تستبيحها وتحطم أضرحتها الأبقار والمحرومة من الحد الأدنى من الرعاية بعكس الآثار الرومانية المجاورة على بعد 100 متر فقط.

أمنا الطبيعة حينما تغضب

في قمة الحصن المشرف على المدينة الرومانية/البيزنطية/ الأموية اكتشفت 20 طبقة سكنية تعكس تعاقب الحضارات والشعوب فيها مبان عامة ومنازل بعضها نقشت فيه كتابات فرعونية داخل مدينة أحيطت بالأسوار، وقد شهدت المدينة في قمة الحصن عمليات ترميم وبناء من جديد في كل واحدة من الحقب. في جنبات المدينة الأثرية تجول العشرات من الزائرين القادمين من إيطاليا ممن تابعوا بانفعال مشاهد التاريخ. واحدة من هؤلاء كلوديا وهي سيدة إيطالية قالت ردا على سؤال إنها تقيم في روما وتعرف عن قرب الآثار الرومانية الضخمة والمهيبة ومع ذلك فوجئت بوجود ما يشبهها هنا في بيان وتابعت “فوجئت ببلوغ الحضارة الرومانية لمثل هذه الأمكنة النائية وأمام الأعمدة المتكسرة جراء الهزة الأرضية قلت في سري، كم هو عظيم الإنسان وكم هو صغير أمام أمنا الطبيعة حينما تغضب”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*