عن طرابلس المسيحية

الرئيسية  على الدرج  عن طرابلس المسيحية

  • عليا ابراهيم – صحافية وكاتبة لبنانية
  • ۰۵ أغسطس ۲۰۱۹
  • درج
  • https://daraj.com

لسبب ما، قرر أهلي إرسالي إلى مدرسة كاثوليكية في طرابلس، مدرسة القلبين الأقدسين للبنات. كان ذلك في زمن الحرب الأهلية، يوم كان المسلمون والمسيحيون يتقاتلون. 

في مدرستي، لم تكن الخيارات كثيرة.

A Christian Maronite Lebanese woman prays in the Greek Orthodox sepulchre of Saydet Younes located in the old town of the Sunni Muslim dominated city of Tripoli on May 22, 2016. – It is a local belief that the Virgin Mary appeared to a local Christian Orthodox man from the Younes family in the 18th century and saved him from being crucified by the Ottoman rulers. (Photo by PATRICK BAZ / AFP)

الحديث باللغة الفرنسية حتى في فترة الاستراحة كان مفروضاً والقصاص للمخالفين مضموناً. حُلي الثمانينات الضخمة والملونة مثلها مثل الشعر المصبوغ بألوان قوس قزح، كانت أحلاماً مؤجلة للعطل المدرسية. محاولات المشاغبة على الزي الموحد، بتضييق التنورة او تقصيرها الى حد اخفائها تحت كنزة كبيرة، نتائجها كانت دائماً وخيمة. في زمن “الواكمان” و”الكاسيت”، كان علينا تهريب مادونا تغني  

 او Like a Virgin

Papa don’t preach

الصرامة في التعليم كانت سيدة الموقف. حصة موسيقى واحدة في الأسبوع، مثلها مثل الفنون والرياضة. للتعليم الديني، الكاثوليكي طبعاً، حصتان، وكانتا دائماً يومي الثلاثاء والخميس. هنا أيضاً كانت الخيارات محدودة بخاصة بالنسبة إلى الطلاب المسيحين الذين كانت مشاركتهم في القداس و”الكاتيشيز” الزامية. 

اما نحن، فكان لنا الخيار، إما بالمشاركة أو البقاء للمطالعة، في قاعة الصف خلال الشتاء وفي الملعب أيام الربيع. 

في مدرستي الكاثوليكية تعلمت الانضباط، كما تعلمت المشاغبة. تعلمت الخط الصغير الفاصل بين الاحترام الذي كان مفروضاً والحرية الشخصية التي أعرف اليوم جيداً أنها لم تنتقص حتى وان كنت كبرت وأنا معتقدة أنها مسلوبة مني. 

هذا ليس كلاماً نظرياً، إنه تجارب يومية على مدى سنوات طفولتي. إنها حرية لم أفهم قدرها إلا بعد فقدانها.

في مدرستي الكاثوليكية وقفت في صفوف تكاد تكون عسكرية كل يوم اثنين من حياتي المدرسية، في الشتاء والصقيع والشمس والحر، لغناء النشيد الوطني. كم أحببت هذه الدقائق والأحاديث الصغيرة التي كانت تكسر حدة العودة من العطلة الأسبوعية…  

في مدرستي الكاثوليكية وعلى مدى سنوات، أحببت شهر أيار/ مايو، شهر العذراء مريم، بسبب دقائق إضافية أخرى نمضيها تحت الشمس الربيعية نغني: امنا مريم، ازرعي السلام فينا، والمحبة علمينا أنت يا مريم… 

لم يعترض أي من الأهل وقتذاك، فالمدرسة التي اختاروها لبناتهن مدرسة كاثوليكية تابعة لإرسالية يسوعية ولم تكن أي من تقاليدها موجهة ضد أحد. المدرسة بدورها كانت تفهم البيئة التي كانت جزءاً منها.

في فرع طرابلس، خلال شهر رمضان، كانت الصفوف تؤخر نصف ساعة صباحاً وكان الخروج عند الظهر يقدم نصف ساعة، كما كانت فترة الاستراحة واحدة بدلاً من اثنتين، للوقوف عند راحة الصائمين من الطالبات أو الأساتذة. 

لجنة المدرسة المنتخبة سنوياً كان لها صوت مسموع في قرارات مثل هذه، وقرارات أخرى أكثر خطورة. مدرستي الكاثوليكية كانت المدرسة الوحيدة في طرابلس التي رفضت إغلاق أبوابها باكراً أيام الجمعة، عندما فرضت حركة التوحيد الاسلامي ذلك على مدارس المدينة. 

حتى الليسية، المدرسة العلمانية، رضخت ولكن اليسوعية لم تقبل. حصل ذلك لأن امرأة قوية اسمها الأخت ستانيسلاس حداد دعت الأهالي وقالت لهم، هذه مدرستنا وهذه قوانينها، والوقت الذي سنخسره هو وقت بناتكن. لم يعترض أحد. لم ير ولي أمر أي من الطالبات إهانة وقلة احترام لصلاة الجمعة. حداد، التي كنا نلقبها بالمرأة الحديدية والتي كانت ترعبنا بنظرة واحدة عن بعد مئة متر، والتي لاحقاً، كان أهلنا يتهامسون سراً ان باستطاعتها فعل ما تشاء لأن أصولها سورية ولديها علاقات مع النظام السوري القوي في المدينة في حينه، لم تكترث لأحد ولم تخف من أحد، فعلت فقط ما فيه مصلحة مدرستها ومصلحة طالباتها، ونجحت في ذلك.  

هي كانت امرأة استثنائية من دون شك، ولكن الزمن كان أيضاً زمناً أفضل. 

لم يبقَ من مسيحيي المدينة إلا كبار السن، أما من هم أصغر سناً، فهم يعودون إليها لدفن أحبائهم وإغلاق أبواب منازلهم. مدينتي الجميلة، ذهب مسيحيوها، تضرر اقتصادها، زاد فقرها. 

قبل أن تصبح “قلعة المسلمين”، كانت طرابلس مدينة أكثر لطفاً، ليس فقط لأن رائحة زهر الليمون كانت أقوى أو لأن البحر كان أكثر زرقة. أعرف ان ذكرياتنا تخدعنا، ولكن ما طرأ على المدينة أكثر وأخطر بكثير من تطور مدني عشوائي، ضرب هوية “مدينة العلماء” التي حمت واحدة من أهم القلاع الصليبية في العالم…

البيت الذي كبرت فيه يقع في بناية جورج خير، كان لي فيه جيران أحببتهم. في الطبقة الرابعة، في بيت ناديا وجان لعبت مع ابنهما فادي على الأتاري للمرة الأولى… قبالتهم كانت تعيش فيكتوريا، امرأة جميلة بقيت مبتسمة على رغم المرض الذي رحلت باكراً بسببه. فقدت بسبب موتها ابنتها فيكي التي تكبرني ببضع سنوات والتي كانت بالنسبة إلي ما يمكن اعتباره “انفلونسر” في أيامنا هذه، والياس، ابنها الذي تعلمت من أجله ركوب السكايت بورد والذي اعترفت له منذ سنوات قليلة فقط كم كنت مغرمة به.

في بيت ليلى صديقة والدتي المفضلة شربت اول كأس نبيذ، ووجدت امي لأخبرها أن دورتي الشهرية اتتني للمرة الأولى. كم ضحكت امي والجارات وأكثر منهن أختي مية الصغيرة وابنة صفها ألين، اللتين كانتا سبقتاني إلى البلوغ على رغم كونهما أصغر سناً مني… في بيت ليلى، تحت شجرة الميلاد كانت لي في كل سنة هدية، كما كان لها ولأفراد عائلتها مكان على طاولتنا في شهر رمضان. 

لم نكن منفصلين عن واقع الحرب. كانت جزءاً من حياتنا اليومية المحكومة بالانتظار. في زمن الهواتف الثابتة المزاجية، الساعات التي كان على أمي انتظارها للاطمئنان إلى أن أبي عبر حاجز المدفون بأمان ووصل الى بيروت، كانت تمضيها الى جانب الجارات حول ركوات القهوة… يوم جاءت حركة التوحيد الى طرابلس، لم تكن عدوة للمسيحيين فقط، كانت عدوة للمدينة. 

خفنا كلنا، ولكن أقصى خوفنا وخيالنا لم يشعرنا بما هو آت…

جورج خير، صاحب البناية التي كبرت فيها لم يعد أحد يعرف عنه شيئاً. فيكي صارت في بيروت، الياس وأخوه الأكبر نديم في اميركا. بيت ليلى مقفل. ومئات البيوت الأخرى. في الأتراح فقط ننتبه إلى مدى الخسارة. في كنيسة الميناء الجميلة، جلست إلى جانب أعز صديقاتي في قداس وداع أمها. لم يبقَ من مسيحيي المدينة إلا كبار السن، أما من هم أصغر سناً، فهم يعودون إليها لدفن أحبائهم وإغلاق أبواب منازلهم.  

مدينتي الجميلة، ذهب مسيحيوها، تضرر اقتصادها، زاد فقرها.  

مدرستي اليوم، صارت مدرسة القلبين الأقدسين للبنات والبنين، ولكنها لم تعد نفسها. 

تنقصها شجاعة الأخت حداد التي تعرف جيداً كيف يمكن أن ترسم الحدود بين احترام الآخر وحقوق الأفراد، فتكون أغنية ربيعية في زمن الحرب الأهلية. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*