الرئيسية / أضواء على / الأرض العربية ليست وطنا بل سلْطة

الأرض العربية ليست وطنا بل سلْطة

تخصِّص “قضايا النهار” اليوم وبشكل استثنائي الصفحةَ كاملةً لكلمة الشاعر العربي الكبير أدونيس في حفل تكريمه في الجامعة الأنطونية الذي حصل يوم السبت في 15-6-2019.

في أُفقِ الجامعة الأنطونية، وعبركم، أشعر أنني لست وحديَ مدارَ هذا الإحتفاء. وأجِد في هذا الأفق ما يُسوِّغ ليَ، اليوم، أن أستحضِر للمُشاركة معنا في هذا اللقاء، والحضور رمزياً، أشخاصاً عملت معهم واستضأت بهم، بحيث لا أقدر أن أرى إلى حياتي الفكرية في معزل عنهم، خصوصاً أنهم شاركوا، بشكلٍ أو آخر، في التأسيس لعلامات فارقة في تكويني الثقافي. إنهم كوكبة من الخلّاقين، كلٌّ في ميدانه، أرى نفسي جزءاً منهم. ويُسعِدني أن أُشرِكهم في هذا اللقاء بوصفه احتفاءً برفيقٍ لهم يحتفي بهم، هو بدوره، فرداً فرداً، وفاءً لهم وللدَّيْنِ الخاصّ الذي أُدين به لكُلٍّ منهم. دينٌ طاف معي في العالم وأسهم إسهاماً عميقاً في صيرورة ما أنا ومن أنا.

اسمحوا لي إذاً، أيُّها الصّديقاتُ والأصدقاءُ الحضور، أن أُحيِّيهم بأسمائهم واحداً واحداً، بادئاً بالأصدقاء الذين عملت معهم على نحوٍ وثيق في الحقل الثقافي العامّ: الأب بولس نويَّا، رينه حبشي، كمال جنبلاط، ميشال أسمر، جانين ربيز، إدوار سعيد، محمد أركون، أنطون المقدسي، غسان تويني، جوزيف مغيزل، حسين مروة، سهيل إدريس، بدر شاكر السياب، هشام شرابي.

إلى فضاء هذه الأسماء المشعّة، رماداً وجمراً، أضم فضاء أنطون سعادة، المشعّ، رماداً وجمراً. أُحيِّي تالياً أصدقائي في مجلّة “مواقف”: خالدة سعيد، شفيق عبود، سمير الصّايغ، فاتح المدرّس، كمال أبو ديب، كمال بلاطة، منى السعودي، عادل ضاهر، حليم بركات، الياس خوري، ضياء العزاوي، مروان قصّاب باشي، جابر عصفور، محمد بنيس، ميشال خليفي، عيسى مخلوف، رياض فاخوري، سعدي يوسف، عبد العزيز المقالح، عباس بيضون، جودت فخرالدين، عبد اللطيف اللعبي، شوقي عبدالأمير، عبدالقادر أرناؤوط، جعفر كاكي.

مواضيع ذات صلة

  • لبنان بين لجوء ونزوح: سورياليّة، شعبويّة وغلو سياسي بدل السياسات العامة!
  • كيف أنّ نضال هونغ كونغ هو نضالنا أيضاً
  • هؤلاء لا يلعبون النرد

أُحيّي ثالثاً أصدقائي ورُفقائي الطّلَبة في كليّة التربية في الجامعة اللُّبنانية الذين تتلمذوا عليّ وتتلمذت عليهم: هيلين أندريا، خديجة شلَق، منتهى موّاس، غزوة الحُسيني، رُبى كبّارة، عائدة حدّاد، أمينة غصن، زهيدة درويش، ميّ خلَف، محمد العبد الله، أنور فطايري، حمزة عبود، سعد الله مزرعاني، عقل العويط، أنطوان الدويهي، شربل داغر، بول شاوول، ميشال سعادة، جورج سلهب، منير سلامة، حسن زبيب، شوقي بزيع، وجيه فانوس، أنطوان سيف، عصام خليفة، محمود البطل، بطرس عساكر.

إنّها أسماء أتذكّرها، وأرجو أن يغفر لي الأشخاص الذين خانتني فيهم الذاكرة – أتذكرّها وأذكرها كما لو أنّها إيقاعات خلّاقة في موسيقى افكاري. وها هم اليوم يُضيئون، كلٌّ في ميدانه، خريطة الإبداع الثقافي العربيّ.

لقد أتاحت لي تجربتي، وبخاصّةٍ مع الطلبة، في كليّة التربية، وعبرهم، ومع الطلبة في الجامعة اللبنانية بعامّةٍ، أن أرى كيف أنَّ الطالب الجامعيّ ليس مجرّد شخص يأخذ المعرفة، بل هو أيضاً خلّاقُ معرفةٍ. أتاحت لي كذلك أن أتبيّن، موضوعياً، واختباراً، ومُعايشةً، أنّ المؤسَّسة في الحياة العربية هي المكان الذي يحتضنُ عناصر التخلُّف، في شتّى أشكاله، وأنّها في بنيتها العميقة وريثة النزعة القبَليّة، وأنّ التغيُّر والتقدُّم يبدآنِ بتغيير المؤسّسة، وهو ما لانزال نحيد عن مواجهته، بل نعمل غالباً على حجْبه، ونختزله بتغيير السُّلطة، أي بتغيير النتيجة، دون أي اهتمام بالأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه النتائج.

أكمل هذه الدائرة الثقافية – الصداقية باستحضار أصدقائي جميعاً في مجلة “شعر” مشيراً إلى أنني أقول ما أقول في صيغة رسالة إلى صديقيّ الكبيرين يوسف الخال وأنسي الحاج. وها أنتما، الآنَ، بيننا أيُّها الصَّديقانِ الحبيبان، يوسف وأُنسي، أنتَ يا يوسف تحملُ في قلبكَ موسيقى قُدّاسٍ كونيّ في شكلِ قصيدة – صلاة، وانتَ يا أُنسي تحمل قصيدةً ـ وردةً، تحتضن في أكمامها شهوة العِطر، وتبثُّ في هذا العِطر أشعَّةً من ضياء المسيح في غضبه الذي يتوهّج محبةً. وها هو العالَم، اليوم، كمثل ما كان: ثابتاً في نوعه، مُتحوِّلاً في درجةِ الفروقات. ويبدو كأنّه بركانٌ ينفجرُ ويقذف الحِمَمَ في الاتّجاهاتِ كلها.

في هذا كله تبدو القصيدةَ كمِثل شجرة تتقلب في الشّرَر. وتبدو مجلة “شعر” تأسيساً فنياً وشعرياً لا سابق له، وما نُسمّيه “الشرق” يبدو كمِثل جناحَي طائرٍ يتأرجح على شفير مجهول كارثيّ.

سابقاً كان السؤالُ السائدُ، سياسياً، على نحوٍ مُباشِرٍ: ما العمل؟

دائماً كان سؤال الشِّعْر، هو أيضاً، لكنْ على نحوٍ مُداوِرٍ: ما العمل؟

بأيّة نبرةٍ، نستعيد اليومَ هذا السؤال: بنبرة السائدِ السياسيّ، أم بنبرةِ الشِّعْر؟

وهل هناك جوابٌ حقاً؟

وهل الغربُ من جهة الجواب، والشَّرقُ من جهة السؤال؟ أوِ العَكس؟

إنّها حقاً لحظةٌ ـ مُفترَق. شائكةٌ، غامضةٌ، خطِرَة. وتفرِض مسؤوليّةً مزدوجةً في الشِّعروالفكر، والتاريخ معاً:

في الشّعروالفكر لأنّهما، اليوم، موضِعُ سؤالٍ مُلِحّ: كيف كانا، وما مكانُهما؟

وفي التاريخ، لأنّه مكانٌ لِلقاءٍ يزدادُ التباساً، بين الشِّعر والسّياسة، وبين الشِّعر والإنسان، وبين الإنسان والعالَم.

هكذا نُتابِع معاً أيُّها الصّديقان الحبيبان، طرح الأسئلة التي بدأنا بها:

مَن أنا؟ أَأنا من “الشَّرْق”؟ وما هذا الشَّرْق؟ أأنا من “الغرْب”، وما هذا الغرب؟ أَأنا بَيْنَ بَيْن، وكيف؟

وهي أسئلةٌ أطرحها، خصوصاً أننا لا نزالُ نعيشُ، عمليّاً، في ثقافةٍ تنهضُ، أساسيّاً، على مقولتَين: الأولى أرضيّةٌ قالها الشاعرُ البريطانيّ كبلينغ: “الشرْقُ شَرْقٌ، والغَرْبُ غَرْبٌ، ولن يلتَقيا”. والثانية سماوية: ” أنتم خيرُ أُمّةٍ أُخرِجَت للناس “قالها الوحْيُ الإسلاميّ، مُخاطِباً المؤمنين به ـ وهي تنويعٌ على ما تقوله التوراةُ لشعبها.

هل نقول: كلّا، لِكُلٍّ “شَرْقُه”، ولِكُلٍّ “غَربُه”؟ لكنْ، ما هذا الغربُ الآن؟ وما هذا الشَّرقُ الآن؟

هل جغرافيةُ الغُبار والتُّراب تتطابق مع جغرافية الأبجدية؟ وكيف؟ وما حدودُ هذا التّطابُق؟ هل العمل الفنّيُّ كمِثل العمل اليدويّ؟ هل القصيدةُ كمِثْل سيارةٍ أو قميص؟

وها هو العالَمُ: يتأزّمُ، منظوراً إليه من خارِجٍ، ويتفكّكُ منظوراً إليه من داخِل.

يقول جان نوفيل، المعماري الفرنسي الكبير، مهندس معهد العالَم العربي في باريس، ومُتحف اللوفر في أبو ظبي، يقول مُخاطِباً أوروبا: “لَسْتِ مُنحدِرةً هابطةً، بل أنت مُتردِّدةًٌ حائرة”. وهي عبارةٌ تصِلنا، نحن العرب بأوروبّا، مباشرةً. وتصِلنا على الأخصّ بفرنسا. وهي، إذاً، عبارةٌ تُتيح لي شخصياً، أن أخترِق حِجاباً أُحاول أن أُمزِّقه. كلّأ، لا تُختَصَرُ الأزمةُ الأوروبيّةُ بالحَيرة والتردُّد. وهي ليست مجرّد أزمةٍ اقتصاديةٍ سياسيّة. إنّها بالأحرى ازمةُ وَعْيٍ، وعِلاقةٍ بالآخر وبالذات؛ وهي، إذاً، أزمةٌ ترتبط بالمعنى العميقِ للإنسان، بحقوقهِ وحُريّاتِه، وتحديداً بمعنى الحريّة والإخاء والمساواة. وسؤالي هنا، وقد طرحناه معاً، أيُّها الصّديقانِ الحبيبانِ مِراراً، هو الآتي: لماذا اتَّجه المُسلمون العرب نحو ذلك الآخر الذي استعمر بُلدانَهم، وفتَّت مجتمعاتهم، واستعمر عقولَهم ونفوسهم، فيما كان يبدو كأنّه يرسم أقدارَهم؟

ولَطالَما طرحنا، في إطار هذا السؤال، سؤالاً آخر، هو التالي: كيف يُمكِن الشاعر العربي، في مثل هذه المفارقة الإنسانية ـ الحضارية، أن يكون ابناً للثقافة الإسلامية ـ العربية، وان يكون في الوقت نفسهِ غريباً عنها ـ بقوّتها هي نفسها، وأعني أن يكون اباً يخلقها على نحوٍ آخر؟ ولئن كان الشاعر لا يكتشف حقّاً شِعْر العالَم إلّا بشعر لُغتِه هُو، فإنَّ ذلك يعني أنّ مدار الشِّعر لا في اللُّغة العربية وحدَها، وإنّما في لُغات العالَم كلّها، هو أن تكونَ اِبْناً وغريباً في الوقتِ نفسه، خصوصاً بالنسبة إلى الشاعر العربي. ذلك أنّه يكتب بلغةِ أرضه التي تكمن فيها لُغاتُ العالَم، منذ جلجامش، مروراً بهوميروس، والأبجدية الفينيقية، والمدنية الرومانية، وانتهاءً بالتقنيّة الحديثة.

تخيّلوا، إذاً، ذلك المدى الهائل الذي يمتدُّ أمامنا جميعاً، نحنُ الأبناء الأُوَل للأبجديّة، مدَى ما أُسمّيهِ بالكتابة المُرجأة ـ حيث نُحاول ونحن في طريقنا إليها أن نقولَ ما لا يُقال، ما لا يُمكِن قولُه، وأن نُجيبَ في هذا القول عن سؤالٍ مُضْمَرٍ لا نتفوَّه بهِ، ـ سؤالٍ مُرْجأٍ، هو كذلِك.

لكنْ قبل هذا كلِّه، ما المجتمع الذي ننتمي إليه، أيّها الصّديقانِ الحبيبان؟ وما الثقافة التي نجيء منها؟ وماذا يعني الإنسانُ الفردُ، الشَّخصُ الخلّاقُ، في بنية هذه الثقافة، سياسياً وإبداعياً على الأخصّ؟

منذ أن أطلقَ رامبو دعوتَه إلى تغيير الحياة والعالَم، وكان قد سبقَ إلى مثل هذه الدعوة، أبو نواس في بغداد، يُواصِل هذا التغيُّر مسيرتَه، لكنْ في الاتّجاهات التي تتناقض مع القصْد الذي أراده هذا الشاعر الفرنسي الرائي، وذلك الخلّاقُ العربيّ الكبير. فالعالَم يتحوَّل أكثر فأكثر إلى ثُكنةٍ عسكريّة وإلى سوقٍ استهلاكيّة. ويحرِف معه كثيراً من العاملين في حقول الإبداع الشِّعري والفنّي والثقافي بعامّة. إضافةً إلى ما ينشأ من المشكلات المُعقَّدة بسببٍ من هذا كلّه، وهي مشكلات تقود العالَم، فيما يبدو، إلى مزيدٍ من الظُّلماتِ.

ولئن كان العالَم يتّجه، في جانبه العمليّ، إلى الإسهام في عسكرة العالَم، ولئن كانت الفلسفة ومختلف العلوم الإنسانية الأخرى، لم يعُد لديها، كما يبدو، جديدٌ تقوله، لجعل العالَم يتّجه نحو الأفضل، فهل في الشِّعر أو الإبداع الفنّي ـ الأدبي، جديدٌ يقوله؟ وجوابي الشخصي: نعم. ذلك أنّ الشعر مرتبِط بالجسد، مادّةً وحياةً وحركةً، مُخيِّلةً وحلُماً. وهو تِبعاً لذلك، مُرتبِط بالوجود والمصير، ذاتاً وآخَر.

والفِعل “أبدعَ” يعني غيَّر واستولد وافتتح أُفقاً جديداً: أي قدَّم صورةً جديدةً للعالَم، وللعلاقات فيما بين الأشياء والكلمات، وبين هذه والإنسان.

الآخر، في الإبداع، ليس مُجرّد قارئٍ أو مُحاوِرٍ أو مُستهلِك: إنّه بُعْدٌ تكوينيّ من أبعاد الذات.

الآخر هو أنا، كان يقول أسلافنا المتصوُّفون الكبار، قبل أن يقول ذلك أهل الشِّعر بلِسان رامبو، وفي اُفقٍ آخر، عبارته المشهورة ” أنا هي آخَر ” (Je est un autre).

وقد أُعطِيَت لهذه العبارة صِيَغٌ متنوِّعة أخرى في الكتابة العربية، منها صيغة الصداقة بين الإنسان والإنسان في معزل عن الانتماءات الثقافية والإتنية والقومية، توحّد بين أُفق الذات وأُفق الآخر، في فضاء واحد هو فضاء الصداقة. وهي صيغة ابتكرها التوحيدي الذي عاش في القرن العاشر، قائلاً: ” الصديق آخرُ هو أنت “. وأعطاها بعدها الفَلسفيّ الخلّاق إبن رشد في تحية الآخر اليوناني مؤكداً أن الكونَ لا يُفسّرُ بالدّين وحده. وأنه لا بدّ في هذا التفسير من الإعتماد أيضاً على العقل. وهكذا سُمّي الآخر، في شخص أرسطو، بالمعلّم الأول. وهي التحية الأولى للآخر المختلف، على هذا المستوى، في تاريخ العلاقة بين الذات والآخر.

بلى، يضع الشاعر الحقائق التي ينطق بها الشِّعر على بساط التجربة الإنسانية الحيّة، وعلى المستوى الكونيّ. هكذا ينتقل الشِّعر من كتاب اللُّغة ومجازاتها، إلى كتاب العالَم ومشكلاته، إلى اختبار الفعاليّة الشِّعرية، بوصف الشِّعر تعبيراً إنسانياً كونياً يتخطّى التجريد النظري، وتباعُدَ الأزمنة والأمكنة، ويصهَرها جميعاً في لحظة عاليةٍ من التقارُب الإنساني، أزمنةً وأمكنة. لكنْ، مرّةً ثانيةً مَنِ ” الفردُ ” العربيُّ، ثقافياً وإبداعياً؟

في موروثنا، لا وجود للفرد إلّا بوصفه جزءاً عضوياً من “الجماعة” (أُمّةً أو طائفةً أو عائلة أو عشيرة أو قبيلة أو حزباً). استقلال الفرد عن الجماعة يعني نبذَه وعزله “يُفرَدُ” في الصحراء بعيداً، كمثل جملٍ مريضٍ يُدهَن بالقُطران. “وأُفرِدتُ إفرادَ البعير المُعبَّد” يقول طرفة ابنُ العبد.

يؤدي هذا التقليد إلى أنّ الفرد في الثقافة العربية ليس سيِّد نفسه، وسيِّد مصيره. إنّه فردٌ جمعيّ: فردٌ لا يقوم إلّا بالجمع. والجمع هنا يعني عملياً السُّلطة ومؤسّساتها. لكن ألا يعني هذا، على مستوى آخر، أنّ “الجماعة – الأُمّة” مُكوَّنة من أفراد ـ أسماء، أفراد ـ أشياء؟ إذاً، ألن تكون هذه “الأُمّة” هي نفسها، مجموعة “أسماء” أو “أشياء”؟ وهي إذاً ليست إلّا “تركيباً” من عناصر لا وجود لها في ذاتها. وهذا يعني فكرياً أنّ الفرد لا حقَّ له في كلامٍ يُخالِف كلام الجماعة وبخاصة في كل ما يتعلّق بالدين. فهذه هي التي تتكلّم عنه كأنّها تتكلّم بلسانه. وهي إذاً القوّة التي تُفكِّر عنه، وتكتب عنه، أو تكتبه. في ما يقوله الإمام الشافعي إضاءة دالّة وحاسمة: “مَن قال برأيه في القُرآن، فهو مُخطئٌ وإن أصاب”. فالفرد “لا رأي له”. الرأي هو الذي تُعلِنه الجماعة.

كم يبدو الفارابي الآن فيلسوفاً رائياً! كم هو عظيمُ الرؤيا والرؤيةِ في قوله: “كلُّ موجودٍ في ذاتِه، فذاتُه لهُ، وكلُّ موجودٍ في آلةٍ فذاتُه لغيره”.

الوجود في آلة: ذلك ما يُلخِّص الهُويّة، هويّة الفرد العربي، وِفقاً لِما تراه الأُمّة، سياسياً، وثقافياً، واجتماعياً، وما يُلخِّص في الوقت نفسه هوية الأمة نفسها. وعلينا هنا أن نتذكّر أنّ الكلام السائد على الفرد ـ مؤنَثاً، أكثر امتهاناً ومحواً من الكلام السائد على الفرد ـ مُذكَّراً.

هكذا نعيش مرحلةً تاريخيةً تراجيدية، لا يقِدر فيها الفردُ أن يكونَ ذاتَه، ولا يقدِر أن يكونَ الآخرَ.

في الشِّعر، بمعناه الكينوني الواسع الذي لا يُحدّ بالقصيدة، كما هو الشأنُ في الحُبِّ والحلم اللّذين لا ينحدّان في أي تعريف، وكما اشرتُ سابقاً، تكون أنتَ أنت، وانتَ الآخر. تكونُ الابنَ والأب، الأليفَ والغريبَ. وليس للشاعر العربيّ الذي يُفصِح عن ذاته باللغة العربية، إلّا اللُّغة التي كُتِبَت بها ثقافته. هكذا يبدو في ضوء ما يقوله الإمام الشافعي وما يقوله الفارابي كأنّ عليه أن يهتديَ بقربه إلى هذه الثقافة لكي يعرف كيف يبتعد عنها. أو كأنّ قُربه إليها هو الذي يجب أن يُعلِّمه كيف يحيد عنها – لكي يعرف كيف يخترقها ويتخطّاها.

كنّا، أيها الصديقان الحبيبان، نُدرك، تِبعاً لذلك، كيف أن المنطقة العربية تنفرد لٍأسباب عديدة متنوعة بصفات خاصة أولها وأشدّها خطراً هاجس التفرّد بالسلطة، وهو ما يمكن أن نسمّيه بداء السلطة. ومن هنا يجيء عنف الصراع سياسياً وثقافياً واجتماعياً حول الحكم وقيادة الدولة. ومعنى ذلك أن الحريات والحقوق، الفردية والجماعية، ميدان خلافيّ معقّد تتداخل فيه، إلى جانب الأسس الدينية والإقتصادية، عناصر إتنية وإجتماعية، ثقافية وتاريخية. وفي هذا ما يفسّر العجز العربي عن تأسيس دولة بالمعنى الصحيح، ويفسّر غياب الحس المدني، حسّ المُلك المشترك، والحقّ المشترك، والذي يتمثّل في ظاهرتين بين ظواهرَ عديدة هما: هدر الطاقة المادية التي تكتنزها الطبيعة – الأرض، وهدر الطاقة الخلّاقة التي يكتنزها الإنسان – المجتمع.

يتمثَّل هَدْر الأولى في ما تُمكِن تسميته باقتصاد الطبيعة: الماء، الهواء، الفلاحة، الزراعة…الخ. ويتمثّل هدر الثانية في تدمير ما يُمكِن تسميته باقتصاد الإبداع البشري.

في الحالَين تبدو الحياة العربية خاضعة لمقتضيات التفرّد بالسلطة، أو لمقتضيات داء السلطة، وهي مجموعة من القيود، والكوابح، وضروب الرقابة. كما تبدو كأنها مجموعة من التبعيّات، الدائرة في فلَك الآخر الأجنبي، وفلَكِ مصالحه، واستراتيجياته.

والنتيجة التي يُفضي إليها هذا الواقع، يُمكِن أن تُصاغ في هذه العبارة: الأرض العربية ليست ” طبيعة ” بقدر ما هي ” تجارة “، وهي ليست ” وطناً “، بقدر ما هي ” سلطة “. وكلُّ شيء مُسخَّر لهذا ” الفنّ ” الذي يُوحِّد بين السلطة والتجارة، ويُحافِظ عليهما، ويُدافع عنهما.

الإنسانُ نفسه ليس في ممارسة هذا ” الفنّ ” إلّا أداةً، وإلّا شيئاً بين الأشياء. ورُبّما نجِد في ذلك الأسباب التي حالت دون تمحْوُر الصِّراع حول بناء المجتمع بوصفه كلّاً لا يتجزّأ، وحول نُموِّه وتقدُّمه، وحول العمل على تحويله إلى مجتمع خلّاقٍ يُشارِك في بناء العالَم. هكذا لم تنشأ في هذه المنطقة ثقافةُ التساؤل والبحث والتغيُّر، وإنّما نشأت، على العكس، ثقافة المحافظة، والاستئثار بالسلطة، وآليات الإخضاع والاستتباع. وفي هذا ما يُفسِّر التراجُع المتواصل في حقول المعرفة والكشوف العلمية، وفي كلّ ما يتعلّق بحقوق الإنسان وحريّاته، وبالأسس التي لا بدّ منها لبناء مجتمع جديد، وإنسان جديد وثقافةٍ جديدة. وفي العصور الحديثة ترسَّخت هذه الثقافة في مختلف المجالات. وكانت مُعظم الأحزاب والتنظيمات والتجمُّعات والاتّجاهات تُغلّب التمحور حول “داء” السُّلطة وحول السياسة، في أعمالها وأفكارها على السواء. وفي هذا الضوء نفهم كيف أنّ هذه المنطقة لم تستطِع، على الرّغم من إدخالها، طوعاً أو كرهاً، في إطار “الحداثة الغربية وقِيَمها الصناعية”، أن تؤسِّس لمجتمع المُواطَنة، الذي يتساوى فيه الأفراد، واجباتٍ وحقوقاً، في معزل عن الانتماء الاتني أو الديني. على العكس، لا تزال هذه المنطقة تتكوّن من بلدان يُكوِّنها افراد يتساوون في الواجبات، لكنّهم لا يتساوون في الحقوق. ومعنى ذلك أنّ هناك ظلماً وعُنفاً يبدوان كأنهما جزءٌ لا يتجزّأ من الحياة العربيّة. وهذا أمرٌ ليس مُجرّد إلغاءٍ للحريّة، وإنّما هو قبل ذلك نوعٌ من إلغاء الإنسان. وفي هذا الإطار نفهم كيف أن الحوض الشرقي من البحر المتوسِّط الذي أسهم أساسياً في تمدين العالم الغربيّ، بدءاً من الأبجدية وانتهاءً بابن رُشدٍ، كيف تحوّل هذا الحوضُ، اليوم، إلى شاطئٍ خاضعٍ، تابعٍ، مُستَباحٍ للدول الأجنبية، وكيف يبدو العربُ كأنّهم غرباء عنه، أو نُزَلاء عابرون، أو كأنّ أوروبا القارّة لم تأخذ حتى اسمها من أوروبّ ـ ابنة صُور، المنارة الحضارية القديمة.

صحيح أن في البحر المتوسِّط بحاراً كثيرة متنوِّعة، وثقافات كثيرة متنوّعة. واليوم تتشابك في فضائه أطراف العالم كلّها. كأنّه اليوم سُرّة العالَم الرّاهِن. لكن، هل انتهى حُبُّ زوس لأوروبّ؟ هل انطمست أبجدية قدموس، ورؤية هيراقليطس، وعقلانية ابن رُشد؟ وها تحلّ محلَّها الحروب، وقطع الرؤوس، وسَبْيُ النساء، وبيعهنَّ في الأقفاص كأنّهنّ سِلَعٌ، إضافة إلى تدمير المُنجزاتِ الإبداعية البشرية التي لا تُعوَّض. وطبيعي أن المسؤولية هنا لا تنحصِر في ضفافه الشرقية، وإنّما تشمل كذلك الرؤية السياسية الغربية، اللا إنسانية، هي أيضاً. فانهيار الإنسان في العالَم العربيّ الإسلامي جزءٌ اساسيٌّ من انهيار العقل السياسي الغربيّ. صحيحٌ أيضاً أنه ليس بين ضفاف المتوسِّط في العالَم الرّاهِن، عالَم الوحدانيات الثلاث، تلك العلاقات الخلّاقة التي عَرِفَتْها من قبل. حلّت محلّها علاقاتُ استعمارٍ وغزْوٍ، علاقات جيوشٍ وحروبٍ، واستراتيجيات. وهي تبعاً لذلك اشدُّ فقراً، وأكثر هبوطاً وأقلّ إنسانية. التمزُّق الاتني، والتنابُذ الديني، والحروب الوحشية، وازدراء الإنسان، تلك هي الثقافة شبه السائدة على ضفاف المتوسِّط الشرقية، غير بعيد عن العين واليد في ضفافه الغربية، وعن سياساتها وثقافاتها.

البحرُ المتوسط بحرُنا. وأن نعمل في الأُفق الثقافي المتوسِّطي هو أن نتابع المسيرة الأبجدية التأسيسية، وهو، إذاً، أن نعِيَ أنّ الفكر ينغلِقُ ويموت عندما نترك للذاكرة الدينية المذهبية أن تُهيمن على الحياة وأن تقودها نظراً وعملاً. وهو إذاً الخروج من هذه الذاكرة. من هويّتها المُكتمِلة، المُنغلقة، لكي تمكِن متابعةُ ذلك التأسيس لإنسانية متوسّطية جديدة، برؤية جديدة، وهو عملٌ لا يكتسِب الفاعلية والأهمية إلّا بقدر ما يتم في أفقٍ مفتوحٍ بلا نهاية. أُفق يؤكِّد أنّ هوية البحر المتوسِّط هي لكي تُبتكَر دائماً. فهي صيرورةٌ، هويّة ـ علاقةٌ، في تحوِّل دائم يتوحّد فيه المرئي واللامرئي، العقلاني والخيالي. وهذا ما عمل له الخلّاقون منذ هيراقليطس حتى فاليري وكامو، مروراً بابن رُشدٍ، وابن عربي والمعرّي.

إنّه عملٌ يقول لنا لا يُمكِن فهم المتوسِّط خارج الأوديسة وشقيقتها ملحمة جلجامش، أو خارج الفنّ الفرعوني، أو خارج الأبجدية الأوغاريتية، أو خارج اللغة العربية. لا يمكن أن نفهم عالم الإبداع العربي فهماً صحيحاً خارج الهرطقات الدينية والإنشقاقات وحركات الإلحاد والتصّوف، والفِرَق التي حوّلت الواحد الإسلامي إلى كثرةٍ وأعطت للإسلام صورةً ثقافية وإنسانية أعمق وأشمل وأغنى.

وهو عملٌ يقول لنا، في الوقت نفسه، إنّ المتوسِّط، مهد الحضارة الأكثر معرفة وكشفاً، وهو اليوم، على النقيض من ذلك، مهد لتدمير الإنسان وحقوقه وحريّاته وإبداعاته، بأشكالٍ هي بين الأشكال الأكثر وحشيةً في التاريخ.

أقول ذلك مُشيراً إلى انّ ثقافة الحوض الشرقيّ من المتوسِّط، تنهض على ثلاثة أصول: الأول شِعري، وهو الإفصاح الأول الأكثر علواً عن الكينونة. يُعبِّر عنه الشاعر العربي أبو تمّام، قائلاً: “فاغْترِب تتجدَّدِ”. والثاني تاريخي يتمثّل في ما ترمز إليه الأندلس، والثالث أسطوري، تُفصِح عنه اسطورة أوروبّ، مقترنة بأسطورة قدموس أخيها الذي ذهب أو هاجر، بحثاً عنها، حاملاً معه الأبجدية لكي ينشرها في العالم. وأسطورة الاسم: فاسم اوروب، هذه الأنثى الفينيقية صار اسماً لهذه القارّة أوروبّا.

هذه الأصول الثلاثة رَمزٌ لحركة الشمس: لا تطلع الشمس من الشرق إلّا مكسوَّةً بالحنين إلى مُعانقة الغرب.

في هذا الأُفق، أيُّها الصديقانِ الحبيبان، وأنتم أيُّها الأصدقاء الحضور الأعزّاء، استعيد السؤال: لماذا الكتابة؟ وبخاصةٍ كتابة الشِّعر.

السؤال: “لماذا تكتب؟” كان بالنسبة إليّ كمثل السؤال: “لماذا تحيا؟” أو “لماذا أنتَ موجود”. نعم لم يكنِ الشِّعر، مثلاً، بالنسبة إلى أي منّا “وظيفة” تُسنَد إليه. إنّه شكلٌ آخر لوجوده في هذا العالَم، وصورة أخرى لحياته نفسها. إنّه تنهُّدٌ، داخل شهيقه وزفيره، ودمٌ آخرُ ينسابُ في دمِه.

كانت علاقةُ كلٍّ منّا بالكتابة تنهض على علاقته بالخاصِّ الحيويّ فيه، وبالوجود، على نحوٍ عام. وقِوامُ هذه العلاقة ليس في “التحسين” أو “التقبيح”، “مَدْحاً” أو “هِجاءً”، كما تُعلِّم تقاليدنا الثقافية. وليس في إعادة الإنتاج، كما تُعلِّم أيضاً. إنّه جوهرياً، في معرفة الذات، ومعرفة الآخر، ومعرفة الوجود والعالَم، وفي تكوين زمنٍ خاصّ بهذه المعرفة، داخلَ الزمن، وتاريخٍ آخر داخلَ التاريخ. وذلك هو الإبداعُ، وتلك هي حركيّته.

هكذا عملنا سوياً ضدَّ تحويل الإبداع إلى وظيفة، كما هو الشأن السائدُ في الحياة العربيّة، وفي الثقافة العربية، على السّواء.

فالطابع الغالِبُ على المجتمع الإسلامي العربي، كما نعرف جميعاً، أنّ الوظيفة تكاد أن تحدِّد الهويّة أوِ الكينونة، وأنّه لا يفهم أيَّ شيء إلّا بوصفه وظيفة، أولاً. وليس في العقلية الوظيفية إلّا هاجس السُّلطة. وبدلاً من أن تُوظّف السُّلطةُ نفسُها في سبيل بناء العالَم على نحوٍ أفضل، يُوظَّف كلُّ شيء في سبيلها. عمليّاً، يتمثَّل هذا الخلَلُ المُشوِّه والمُدمِّرُ في كون الرّقابة والعُنف والطغيان جزءاً عضوياً في الحياة العربية، وفي الكتابة العربية على السواء. وهذا وضعٌ مؤسَّسي لا يُتيح للكاتب أن يكتب إلا في معزِلٍ شبه كاملٍ عن الآفاق الإنسانية المتنوِّعة، الغنيّة، وضدّ التاريخ في حركيّته الإبداعية، وتخطّياتها الخلّاقة.

باسم صداقتنا، باسم عملنا المشترك في مجلة “شعر ” وقيمنا المشتركة، وباسم أصدقائنا في العالم كله، أتجرأ، أيها الحبيبان يوسف وأنسي، أن أقول لمن يجيء بعدَنا: لا يأخذكم التعب والقعود في أيّةِ ذُروةٍ. في الذروة، هي أيضاً، أكثرُ من موتٍ لمن يلين للغواية. وللذروة هي أيضاً موتها الخاص. وليست الذروات في بعض من وجوهها، إلا أغواراً وأسافلَ، في تلك الحركة اللانهائية التي لا تتوقف عن التطلع إلى ما تكتنز به أحشاء الكون ومُحيطاته.

هكذا، في هذه اللحظة، معكم جميعاً، تحت هذه المظلة المعرفية العالية، أشعر أكثر من أي وقت مضى أن الأجيال الطالعة التي سيحتضنها هذا الحوض الشرقي الأبجدي من المتوسط القدموسي – الرشدي، سوف تتابع اختراقاتها المبدعة، على جميع الصعد متخطية أيامنا هذه التي أتخمت من ولائم يلتهم فيها بعضنا بعضاً في هذا الزمان الذي يكاد أن يتحول إلى مكان يكاد أن يتحول بدوره إلى مجرد حاوية للنفايات.

نعيش حقاً فترة انهدام شبه كينوني. أربعة بلدان دمرّت. ولا يزال تدميرها متواصلاً، بطريقة أو بأخرى، على جميع المستويات – إنسانياً، وثقافياً. بعضها كان يطعم الجائعين، وهو الآن جائع. والحصار مع ذلك مضروب عليها، من جميع الجهات. ويبدو، في الوقت ذاته، أن بروموثيوس الحياة العربية والثقافة العربية، غائبٌ، أو سجين، مهاجر أو ضائعٌ، مشرّد أو ميت. لكن يبدو أن ناره لا تزال جامحةً، ولا تقدر أن تنطفئ. ولقد واجه سابقاً كتّابٌ ومفكرون وفنانون عرب يتصدّرهم اللبنانيون، إشكالاً يتصل بتأجيج هذه النار، وهو إشكال لا يزال قائماً. غير أنني أثق أن هذه الأجيال ستجابه الأصل الذي ينهض عليه هذا الإشكال وتتخطاه، وأن بروموثيوس سيقبض هذه المرة، على جذر الداء.

اضف رد