مؤتمر “الطاقة الاغترابية”: طيف رفيق الحريري وشعبوية باسيل

خضر حسان|الأربعاء12/06/2019
Almodon.com

سياسات رفيق الحريري أغرت المستثمرين بفوائد مصرفية مرتفعة وأرباح طائلة في العقارات (Getty)

لم تسعف صفة “سويسرا الشرق” في إبقاء الكثير من اللبنانيين داخل الحدود، ليصبحوا اليوم “مغتربين”، وليعدّل وزير الخارجية جبران باسيل الصفة لتصبح “منتشرين”. وهم في الحالتين غرباء عن بلد ضاع بين أمراء الحرب وفاسدي السلم. أما محاولة استعطافهم بعبارات وطنية منمقة، استجداءً لعودتهم، فهي ضرب من الخيال إن كان المستعطِف لا يدري حقيقة لبنان سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، وضرب من الجنون إن كان يدري.

لبنان والإغتراب
التواصل بين المقيمين والمغتربين أمرٌ لا مفرّ منه. فبعيداً عن الجانب العاطفي، فإن تحويلات المغتربين هي أحد أبرز عوامل صمود الاقتصاد اللبناني. إذ يساهم المغتربون في رفد الاقتصاد بنحو 7 إلى 7.5 مليار دولار سنوياً. تتوزع الأموال بين استهلاكها من قبل عائلات المغتربين في لبنان، وبين إيداع قسم في المصارف، وتشغيل جزء في الاستثمارات العقارية والمالية.

ومساهمة المغتربين في الاقتصاد اللبناني ترتكز على عامل الأمان، فالأموال تتجه نحو الاستثمارات الآمنة في العقارات والمصارف. وسيختلف الوضع كلياً إذا ما وجّه لبنان دعوة للمستثمرين لخوض غمار الاستثمار في مجالات إنتاجية، كالصناعة مثلاً. فأي مستثمر سيضع أمامه نسبة 30 في المئة كمعدّل مخاطرة في أي مشروع يفكّر في بنائه. وفي لبنان، نسبة المخاطرة مرتفعة جداً، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، فضلاً عن غياب دعم الدولة للمشاريع، وهذه كلها عوامل تزيد من معدل المخاطرة إلى ما فوق 30 في المئة.

اقتصاد رفيق الحريري
لا يصحّ الحديث عن الاستثمارات في لبنان، من دون الحديث عن رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، الذي ترك بصمته على الاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية. وبعيداً عن تقييم “التوجه الليبرالي” للحريري، ولنتائج سياساته التي ربطت الاقتصاد بمثلّث العقارات – المصارف – السياحة، فإن تلك السياسات خلقت في عيون المستثمرين الجنّة الموعودة، حين أغراهم الحريري بفوائد مصرفية مرتفعة، وأرباح طائلة في العقارات.. فراكموا ثرواتٍ. وشجّع بعضهم بعضاً على الاستثمار في لبنان. فكانت كل كلمة يقولها الحريري عن الاستثمارات، بمثابة دعوة للمغتربين للاستثمار في البلاد. وترافقت الدعوات مع فورة في مجال البنى التحتية، ناهيك عن تحويل وسط بيروت إلى إمارة للاستثمار. ويومها، كانت كل القطاعات بوابة جديدة للاستثمار، ومحفظة مفتوحة لمراكمة الثروات، وإن كان ذلك على حساب خزينة الدولة والمواطنين، فهذا بحثٌ آخر، لأن المستثمرين لم يسألوا عن شيء أبعد من الاستقرار المنبعث من الضوء الأخضر السعودي في الاقتصاد، والمُلتقي حينها مع الضوء الأخضر السوري في السياسة والأمن.

شعبوية غير مجدية
يسير باسيل في مركب الشعبوية. يضع المشاريع والخطط ويتحدث عن “الحقوق”، المسيحية منها تحديداً، بوصفه الحامي الأوحد لحقوق المسيحيين. نجح باسيل في الوصول إلى مصاف القيادات السياسية التي تتحاصص مناصب وأموال البلاد، لكنه لم ينجح في الوصول إلى منصب القائد الحقيقي، حتى للمسيحيين، بل لم ينجح في استعارة صورة ومكانة عمّه الجنرال ميشال عون، وكل ما اكتسبه هو صورة الرجل الأقوى ضمن الحالة العونية، بعد إقصائه للمعترضين، فربح رئاسة التيار الوطني الحر بعد منافسةٍ مع نفسه. 

ودعمُ حزب الله لباسيل جعله بناءً ضخماً، لكنه فارغ، لا يقوى على النهوض من دون دعائم الحزب. وما إن رأى باسيل انعكاسه المرتفع في المرآة، حتى قرر إرسال صوته إلى خارج الحدود، مذكّراً المغتربين بأرض أجدادهم، ظناً منه أن العاطفة قد تدر أموالاً. وما شعارات باسيل في مؤتمرات “الطاقة الاغترابية اللبنانية” التي استضافت بيروت، يوم الجمعة 7 حزيران، نسختها السادسة محلياً والنسخة الخامسة عشر عالمياً، سوى محاولة لحث المستثمرين المغتربين على ضخ أموال أكثر في لبنان، وبناء مشاريع تنهض بالاقتصاد.

محاولة فاشلة
بين الاقتصاد والشعبوية فارق كبير، فالمجال الأوّل يعتمد على العلم والأرقام، ويُدعّم بالاستقرار والرضى الإقليمي. فيما المجال الثاني يعتمد على تراصف الكلمات، ويخلص إلى تصفيق لا طائل منه. وعليه، فإن عبارة باسيل: “لبنان مختبر الإنسانية”، لا تُصرَف اقتصادياً، ولا تشجّع المستثمرين المغتربين على ضخ أموالهم في بلد أجدادهم، الذي هربوا منه وأسسوا عائلات وأعمال في بلدان أمّنت لهم الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي. وهو ما يفتقده لبنان باسيل، على عكس لبنان رفيق الحريري. أما النجاح الذي قصده وزير الخارجية بعبارة “مسيحيين ومسلمين متساوين ومتناصفين أمام القانون والدستور والميثاق”، فهو نجاح زائف، فالأحكام منحازة للوساطات السياسية والدينية، وليس للقانون. والمغتربون يعرفون ذلك، لأن رائحة الفساد والنفايات والفوضى.. وصلت إلى أرجاء الكوكب. 

وللأمانة، جلّ ما قد ينجح باسيل في كسبه، هو أموال بعض المستثمرين المغتربين المحسوبين عليه وعلى حزب الله، فهؤلاء قد يغامرون ببعض أموالهم للمساهمة في رفع شأن باسيل والحزب اقتصادياً. لكن كحالة عامة، فإن المستثمرين المنتشرين في أفريقيا وأميركا الشمالية وأوروبا الغربية، لن يتجاوبوا مع شعبوية باسيل، ما لم تؤمّن لهم البنى التحتية والاستقرار الأمني والسياسي. كما أن هؤلاء لن يخاطروا بسمعتهم أمام الدول الكبرى، في ظل عقوبات أميركية على حزب الله والمتعاملين معه. وهذه النقطة، هي أيضاً عقبة أمام بعض المستثمرين المؤيدين لحزب الله عاطفياً، والمتواجدين في أميركا اللاتينية، لأن تحويل أموالهم إلى لبنان سيمر تحت عيون الولايات المتحدة الأميركية، وهذا إجراء غير مشجّع.

تغيير قواعد اللعبة
سَقَط جبران فيما نجح الحريري، حتى في المنطق الشعبوي، فرئيس الوزراء الأسبق كان ممثلاً أوحداً فعلياً للسنّة في لبنان وأباً روحياً للمستثمرين، أما باسيل فنصّب نفسه زعيماً للمسيحيين، وأحاط نفسه ببعض المستثمرين لغايات انتخابية.

وفي المحصلة، إن أراد باسيل إحداث فارق اقتصادي في هذه الظروف الصعبة، عليه اجتراح معجزة تتلخّص في إيلاء أهمية للقطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة، كما عليه أن يلغي منطق التحاصص من قاموس الزعامات السياسية. أما الأمر الأصعب، فهو إجراء الإصلاحات الإدارية والسياسية والاقتصادية والتنموية.. وتلك عملية تحتاج إلى إعادة النظر بأسس النظام القائم بعد اتفاق الطائف. وهنا تكمن الإستحالة، مقارنةً مع سهولة ما كان أمام رفيق الحريري الذي يعتبر من مؤسسي النظام الحالي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*