الرئيسية / home slide / (4) آخر اجتماع روسيّ مع صدّام ذكّر كولوتوشا بـ”مستشفى المجانين”!

(4) آخر اجتماع روسيّ مع صدّام ذكّر كولوتوشا بـ”مستشفى المجانين”!

08-10-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

صدّام حسين.

“بعد ساعة تقريباً أعاد وزير الخارجية شفرنادزه الإتصال بي ولكن من منزله الصيفي وسأل عن مشروع الرسالة فقرأتُ له النص المطلوب ونال رضاه من حيث المبدأ، وقال إن موافقة غورباتشوف على توجيه رسالة الى مبارك تم الحصول عليها، ثم سأل كيف سنسلمها الى ال#مصريين؟”، أجاب فاسيلي كولوتوشا صاحب “حكايا ونوادر المترجم العجوز” (المرفوعة عنها السرية): “الأفضل توجيه الرسالة عبر سفير مصر في موسكو مترجمةً حرفياً الى العربية. بذلك تتوافر الفرصة لأن تتسلّمها وزارة الخارجية في القاهرة صباحاً وترسلها فوراً الى مكتب الرئيس مبارك كي يطّلع عليها قبل افتتاح القمة. وافق شفرنادزه على ذلك. فاتصلت بالسفير المصري ودعوته الى مكتبي وسلّمته إياها، ولكن بعدما أمليتها عليه بالعربية لضيق الوقت، فانزعج كثيراً لكنه قام بالعمل معي ثم عاد الى سفارته للقيام باللازم. عقب ذلك تعاونت مع السفير المصري أحمد ماهر الديبلوماسي القدير، ومع سفير الكويت الدعيج اللطيف والصريح والمنفتح والدافئ. أما سفير #العراق فكان كل مرة ألتقي به يترك لديّ شعوراً بالدهشة والذهول. كيف كان يمكن تعيين شخص مثله غير إجتماعي وغير مطلع ومنغلق على نفسه سفيراً في عاصمة إحدى أكبر الدول الخمس في العالم؟ كان نادراً ما يزورنا وعلى غير رغبة منه، وكانت تنبعث منه دائماً رائحة الكحول الذي يفرط في شربه. للحقّ هو كان يُحسب قريباً ل#صدام حسين ومن تكريت “الوطن الأمّ” للديكتاتور العراقي. منذ بدء “الأزمة الكويتية”، أضاف كولوتوشا، “صار الشغل الشاغل لنا في وزارة الخارجية إجلاء خبرائنا وأفراد عائلاتهم على وجه السرعة من العراق وكان عددهم يتعدّى 8000 شخص عموماً، فشكّلنا لجنة وزارية برئاسة نائب رئيس وزراء الإتحاد السوفياتي لذلك. لكن مع الأسف لم يتفق الجميع في موسكو في الرأي مع وزارة الخارجية في موضوع الترحيل لأسباب متنوّعة. كنتُ مضطراً في حينه لخوض جدال محاولاً إثبات وجهة نظرنا. لكننا توافقنا في النهاية على ضرورة إجلاء خبرائنا من العراق. احتاج الأمر الى اتصالات مكثّفة مع القيادة العراقية. لكن رضا وزيري شفرنادزه عني لم يدُم. السبب الإنقسام الحاد في الدائرة المحيطة بغورباتشوف وتحديداً خلافه الشخصي مع بريماكوف وكانا عضوين في مجلسه الرئاسي. اتصل بي بريماكوف بعد أسابيع من تولّي منصبي في وزارة الخارجية وقال: “فاسيلي، عمل المستعربين في الخارجية ناقصٌ وخصوصاً عملك أنت كمدير إدارة بلدان الشرق الأوسط”. ثم شرح موقفه من غزو العراق للكويت فاعترف بأن صدام حسين “تورّط فعلاً في مغامرة غير محسوبة للآخر، ومهمتنا الآن مساعدته على الخروج من المأزق بأقل خسائر ممكنة لعلاقتنا مع هذا البلد والمنطقة عموماً. الولايات المتحدة لها أهدافها وحساباتها مع صدام. يجب ألّا نلعب دور العبيد لها في الشرق الأوسط أو في العالم. نعم يجب إقناع صدام بالإنسحاب من الكويت. لكننا نعرف طبع الديكتاتور. يجب أن نساعده على الإنسحاب بكرامة بحيث يتمكّن من حفظ ماء الوجه”. وكانت لشفرنادزه وجهة نظر أخرى. بدا لي موقف بريماكوف أكثر جاذبية، إذ كان مقرراً انعقاد قمة سوفياتية – أميركية في هلسنكي في سبتمبر (أيلول) 1990 لمناقشة حل الأزمة في الخليج. كان في نيّة الرئيس بوش الأب الحصول من موسكو على مباركة ودعم لاستخدام القوة ضد العراق لإرغامه على الإنسحاب من الكويت. كان غورباتشوف مذبذباً ومتردّداً بين نداءات شفرنادزه لعدم التخلّي عن التنسيق مع واشنطن من جهة، وبين نصائح بريماكوف بإجراء حوار ثنائي مع القيادة العراقية من جهة أخرى. في الأيام الأولى من بداية سبتمبر (أيلول) دعوتُ وزير الخارجية طارق عزيز لزيارة موسكو. كان مهماً جداً لنا تلقّي إشارة عراقية واضحة في شأن الإستعداد للإنسحاب من الكويت، إذ تسمح لنا بالإصرار في قمة هلسنكي على عدم اللجوء الى القوة لتحرير الكويت. في الخامس من سبتمبر (أيلول) استقبل غورباتشوف طارق عزيز في حضور نائب وزير الخارجية وتحدّث في “عموميات” وذكّر عزيز بالأحداث التي سبقت الحرب العربية – الإسرائيلية عام 1967 وبالتصريحات والتصرفات الموتورة لرئيس مصر عبد الناصر ورد إسرائيل عليها بحرب ألحقت بمصر هزيمة عسكرية ساحقة وبالأردن وسوريا. وتساءل غورباتشوف: “أليس من واجب القيادة العراقية مراعاة هذه التجربة والموقف ودرسهما جيداً مع العواقب المحتملة لا سيما وأن احتلال الكويت إنتهاك فظّ لقواعد القانون الدولي من دون أي جدال؟”، غير أن رد فعل طارق عزيز وهو أكثر شخص “مستنير” في دائرة القادة العراقيين كان، تابع كولوتوشا “تلقائياً وغير متوقّع، إذ شعر بالإستياء من مقارنة العراقيين بالمصريين “غير الجادّين والمتهوّرين بعكسنا تماماً نحن العراقيين، كما من مقارنة جيش العراق بجيش مصر. نحن صمدنا في أشرس حرب ضد إيران، أما جيش مصر فيمكنه الإستعراض فقط في الإحتفالات أو الإنتصارات على القبائل المتخلّفة في اليمن الشمالي. تقارنون صدام بعبد الناصر؟ الثاني “كلمنجي” ومتحدّث لبق بعكس رئيسنا الذي يهتم بالفعل وليس بالقول. نحن لا نخشى الأميركان وإذا اقتربوا من شنّ الحرب فسوف يندمون طويلاً. كل الخليج سيشتعل وكل العرب سيثورون”. استمعتُ الى عزيز وشعرت بأن حلقي على وشك القيئ. وفي اجتماعه بغورباتشوف في 9 فبراير (شباط) طالب بريماكوف بضمّي الى وفد سيرافقه الى بغداد قبيل المرحلة الأرضية لعملية “عاصفة الصحراء”. في الإجتماع مع غورباتشوف قبل السفر الى العراق تحدّث الماريشال يازوف فقال: “تشير معلوماتنا الى أن الأميركيين غطّوا سماء العراق كلها بالأقمار الصناعية التجسّسية. يعني ذلك أن بدء العملية العسكرية سيكون خلال أيام”. فسأل غورباتشوف المشاركين في الاجتماع: “ماذا سنفعل؟” فكان الجواب: بذل محاولة أخيرة مع صدام حسين. واتُفق على ذهاب بريماكوف الى بغداد مع وفد كنتُ عضواً فيه (كولوتوشا). وصلنا الى العاصمة العراقية فأُخِذنا الى ملجأ وكان صدام حسين في انتظارنا ومعه فريقه الكامل: طارق عزيز وزير الخارجية وعزّت إبراهيم نائب صدام حزبياً وطه ياسين رمضان رئيس حكومة عملياً وسعدون حمّادي أحد القريبين من صدام ومحيي الدين معروف نائب رئيس العراق. لم يكن منظرهم جيداً، بدوا منهكين ومنتقعي الوجوه. شرح بريماكوف الموقف كما يراه الإتحاد السوفياتي وهو أن الأميركيين لن يجدوا مشقّة في عزل القوات العراقية في الكويت وحصارها. لا يمكن تفادي ذلك إلا بالإعلان الفوري عن بدء الإنسحاب من الكويت. ردُّ صدام أصابني بالذهول إذ رسم علامة الدهشة على وجهه بشكل استعراضي واعترض قائلاً: “أنت يا بريماكوف تدفعني الى طريق الإستسلام؟ ماذا سيقول رفاقي في القتال الذين صنعت معهم الثورة؟ إذا تصرّفت أنا وفق ما تقترحه عليّ سيُطلق رفاقي عليّ النار وسيردونني قتيلاً في مكاني كخائن. وسوف يكونون محقّين…”. انتهى اللقاء والعبارة الوحيدة التي وثبت الى عقلي (كولوتوشا) “مستشفى المجانين”.

Sarkis.naoum@annahar.com.lb