حروب داحس والغبراء حول هلال عيد الفطر

رأي القدس
القدس العربي
05062019

ليست شؤون السياسة والأمن والاقتصاد والمصالح الضيقة هي وحدها أسباب انقسام غالبية الأنظمة العربية الحاكمة وتشتت مواقفها إلى درجة التآمر وفرض الحصار وشنّ الحروب، بل ثمة عنصر دائم في هذا السبيل هو رؤية هلال شهر شوال الذي يعلن أول أيام عيد الفطر المبارك، والتباين في هذا بين بلد وآخر أو حتى بين بلدين متجاورين ومتلاصقين تجمعهما بقعة جغرافية واحدة.

ففي سوريا لم يتمكن القاضي الشرعي الأول التابع للنظام من رؤية الهلال، فأعلن أن الأربعاء هو أول ايام عيد الفطر، بينما اقتدى المجلس الإسلامي السوري التابع للمعارضة بأقطار مجاورة رأت الهلال فثبّت العيد يوم الثلاثاء. لكن الجارة العراق اختلفت حول التماس الهلال ذاته، بين ديوان الوقف السني الذي أعلن العيد ليوم الثلاثاء، مقابل رأي مكتب المرجع الشيعي علي السيستاني الذي طلب التريث لأن نهار الإثنين يصادف الثامن والعشرين من رمضان. وأخيراً وليس آخراً، في ليبيا اختلف ظهور الهلال بين الهيئة العامة للأوقاف التابعة لحكومة الوفاق في طرابلس، ودار الإفتاء التابعة لما تسمي نفسها الحكومة المؤقتة في شرق البلاد.

وليت الأمر اقتصر على مرجعيات مذهبية أو سياسية مختلفة داخل الدولة الواحدة، إذْ أن حال الشقاق في تثبيت يوم العيد انتقلت إلى المدينة الواحدة، كما حدث في رام الله حين خالف حزب التحرير الإسلامي إعلان المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، واختار تسييس المسألة على نحو عجيب هو أنه “لا عبرة بحدود حظائر سايكس بيكو”. وفي محافظة دير الزور السورية اختلف الناس حول العيد بين قرى تابعة للمعارضة وأخرى ما زالت تحت سيطرة النظام، حتى من دون الاتكاء على العنصر الشرعي المتمثل في رؤية هلال شوال من عدمها.

ورغم أن التطورات التكنولوجية الهائلة في ميادين علوم الفلك والفضاء باتت تتيح التيقن من ظهور الهلال على نحو بيّن يقطع كل شك، ورغم أن اجتهادات ومؤتمرات إسلامية عديدة أباحت اللجوء إلى هذه الطرائق العلمية استناداً إلى مبدأ القياس الفقهي الشهير الذي يقول بأن القطعي مقدّم على الظني، فإن حروب داحس والغبراء حول التماس هلال العيد لا تتواصل كسابق عهدها فقط، بل تشتد وتتفاقم وتزداد ضراوة. وكان في وسع مؤسسات الإفتاء والقضاء الشرعي العربية، وبصرف النظر عن مراجعها الفقهية والمذهبية، أن تقتدي بوزراء الداخلية العرب الذين وضعوا جانباً الخلافات بين أنظمتهم وأحسنوا التنسيق فيما بينهم حول أفضل السبل لقهر الإنسان العربي!

ومن نافل القول إن أول ضحايا هذا الوضع المزري هي الشعوب العربية ذاتها، حيث يجري التلاعب بأفراحها البسيطة وأعيادها التي تحمل القليل فقط من البهجة والوئام العائلي والسكينة الإنسانية، وهي لحظات قليلة في أتون القمع والاستبداد والفساد الذي تعاني منه هذه الشعوب على أيدي الغالبية الساحقة من حكامها. كذلك لا يخفى أن افتعال خلافات من هذا النوع يستهدف أيضاً إلهاء الناس عن المشكلات الحقيقة، المعيشية في المقام الأول، التي تطحن الشعوب وتحيل أيامها إلى بؤس دائم وضنك متواصل، حتى في مناسبة عابرة وقصيرة ورمزية تحمل بعض السعادة للصغار والكبار معاً.

كلمات مفتاحية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*