الرئيسية / مقالات / المواد الأولية

المواد الأولية

تشتغل ثريا وزوجها شكيب، في أحد مطاعم بيروت. وعندما تشتد عليهما الأزمة المعيشية، تلح ثريا على شكيب بأن يطالب صاحب المطعم بزيادة في الأجر، فيروح هذا يعدِّد اسباب الضيق وغلاء المواد الأولية. وبعد انتهائه يقول شكيب لثريا: ألم تري أنه كان يتطلع فيي كلما تحدث عن المواد الأولية؟

هذا مشهد من مسرحية زياد الرحباني “بالنسبة لبكرا شو”؟ يعود إليَّ كلما كثرت في حياتنا عبثيات الهراء التي تمارسها السلطة على الأهالي. فكلما طالبوها بالتعقل في حياتهم ومصيرهم ومستقبل ابنائهم، القت عليهم خطاباُ مقززاً في غلاء المواد الأولية، وحمَّلت الناس مسؤولية الديون والبطالة وسواد الأيام ومخاوف الاستقرار والاستمرار. وأمام الانهيار الاجتماعي السفيه، لا يبقى أمام شكيب سوى ان يطلب من ثريا، بكل مذلة وصوت مكسور، أن “تساير الزبون الاسباني قليلاً”.

لم تكن الفكرة، أو الصورة التي رسمها زياد رحباني جديدة. الجديد فيها أسلوبه. لكن هذا هو حال الناس مع الاحكام الغاشمة في كل الازمنة، كما قال عالم الاجتماع العراقي علي الوردي. فالوعّاظ والمتملّقون وطالبو الحصص والقسائم، يتركون الطغاة والمترفين يفعلون ما يشاؤون، ويبحثون عن زلات الفقراء وينغّصون عليهم عيشهم. وقد وجد الطغاة في الوعاظ خير معوان لهم: “إنهم يأخذون جانب الحاكم ويحاربون المحكوم. يبررون له بأنه اجتهد فاخطأ” أما الفقراء فيهددونهم بكل ويل.

الفارق بين العقول التي اعتادت الممارسة الديموقراطية وعقول أنظمة الاستعباد، كما يقول توفيق الحكيم، أن المسؤول في الأولى هو المسؤول، أما في الفكر الاستبدادي الاستعلائي المزدري ارادة الناس، فالمسؤول هو الضحية. هذا هو دورها الوحيد في المجتمعات المستسلمة: أن تكون الضحية! وإذا ما كفَّت يوماً عن التصفيق ونزلت الى الشارع، تستنكر مد اليد الى ما بقي من رغيفها، شعرت السلطة بالغضب الشديد على المارقين وناكري الجميل. ألا يكفيكم من الحياة أننا أسيادكم؟ ألا تشاهدون صور الاجتماعات ومعالم البهجة على الوجوه؟

لا أعرف من كان يتوقع شيئاً مغايراً لما نحن فيه، بعد نحو ثلاثة أعوام من دون رئيس دولة، وعامين من دون حكومة، وعام من دون أي اشارة جدية الى مجموعة “سيدر”. ولا نعرف ماذا وجب أن نتوقع في دولة يعتكف اركانها بعضهم ضد البعض. ولا نعرف كيف تنظر الدول الى دولة متعادية في ما بينها، في شأن مسائل مثل النازحين والحدود والعلاقة مع سوريا ومع السعودية ومع الولايات المتحدة وفرنسا. ولا أعرف كيف ان لرئيس الجمهورية من يمثله لدى دولة مثل روسيا، فيما يمثل رئيس الوزراء رجل آخر، بينما سفيرنا في موسكو لا يمثل أحداً.

واقبح الانقسام هو الخلاف على الدستور الذي يُفترض أنه وسيلة الجمع، وتوافق الجماعة. والدستور في الامم الطبيعية ليس النصوص والمواد والفقرات، بل النيات والاخلاق. فهو قد وضع من أجل أن يكون مرجعاً رمزياً وملتقى روحياً وليس موضع مشادات ومماحكة يومية. والدستور الذي يحتاج الى اعادة تفسير يومية، ويكون موضوع جدل بدل أن يكون طريق السماح، تحول الى مضرة وسبب للخلاف، إضافة الى ما يلقى من ازدراء وغطرسة وتعنت.

نحن في هذا المربَّع من الانهيار، لأن الانزلاق بدأ منذ زمن طويل. والنتيجة كانت واضحة من زمان، بكل فصولها. فقد تحولت الدولة الى مجموعة ديكتاتوريات صغيرة لا يجمعها حتى سقف واحد. مؤسسة تعيش بالنقار وتستمر بالتراضي. طلاق معلق وبقاء بالاكراه. بيت واحد، يرفع اعلاماً ورايات كثيرة، كل واحدة تريد الربح لنفسها والهزيمة للفريق الآخر. كيف يمكن مثل هذا المنزل المشلع أن تعيش فيه الناس بالرضا، ويأمل فيه الابناء بالمستقبل؟

جميع السياسيين يتحدثون عن الفساد، ثم يتطلعون في الناس. المواد الأولية! الهدر والسرقة والاعتداء، وفوقها جميعا الافتراء على البسطاء والعزَّل، اعداء الاصلاح والتغيير. بماذا يمكن أن تعزي هذه الجموع البائسة واليائسة والمقهورة والحزينةُ نفسها حتى الموت؟ ربّتها وقل لها، إنها المواد الأولية.

تمضي الجمهورية أشهراً وسنوات مسمومة البدن، ذليلة النفس، محزونة القلب، بسبب خلاف السلطة على وزير، أو وزارة. وتعين كل ديكتاتورية صغيرة وزراءها وتحدد حقائبهم، وفقاً لحجم موازنتها. أما الكفاءة والنزاهة والاداء فليست شروطاُ ملزمة إلا عند من خاف ربه وعزَّت عليه نفسه.

الحكم ليس هبّات عابرة. تقوم فلسفة الحكم في الصين على قاعدتين: ارادة الشعب ومشاعر الشعب. الأولى عابرة معرضة للتغيير، الثانية مستقرة وبعيدة المدى. يجب أن تلقي بالك دوماً الى مشاعر الناس وكرامتهم، وأن تحترم قناعاتهم – ولو كاذبة – بأنهم هم من اوصلك، وأنك في الحكم ممثل لهم. لقد مضى زمن الامبراطور، وآخرهم امضى سنواته الأخيرة بستانياً يقلّم الشجر.

معبود، ربما. معصوم، لا. الانبياء والرسل أحاطوا أنفسهم بالحواريين. وفلاسفة اليونان امتحنوا صحة افكارهم من خلال النقاش. والرشيد كان يتدروش في الليل لكي يعرف بنفسه مشاعر الرعية. وكان يرتعد من أمرين: اعتلال الصحة وتذكر الناس. وكان يكافىء من يصارحه. وهذه كانت مهمة ابن خلدون وابن بطوطة. والذين انتقوا لأنفسهم مستشاريهم من المهرجين كثر ظلمهم وقل حكمهم.

مأساة عبد الناصر الكبرى كانت في الامال والوعود التي اعطاها، أو التي توقعتها الجماهير تلقائياً. ومع ذلك رفضت الناس تنحيه واستقالته لأنها لم تشك في صدق نياته أو في محبته الحقيقية لها. ارتكب اخطاء غير بسيطة، إلا الخطأ القاتل: الغطرسة. ولذلك، خرج في جنازته ما وصفته “التايمس” بأنه أكبر تجمع بشري في التاريخ. لم يكن هذا حال زين العابدين بن علي، وبوتفليقة، وعمر البشير، ومعمر القذافي، وصدام حسين، الذين لم يحبوا إلا أنفسهم، وحولوا منازلهم الى بنوك مركزية. لقد اشتهى أهل أخصب أرض “ما بين النهرين” حبوب العدس، وكانت ليبيا الغنية بالنفط تقف بالطوابير من أجل علبة كلينكس. وصار الدولار في السودان، ذات يوم، أكبر وأخصب بلدان افريقيا، صار يساوي 72 الف جنيه بدل سبعة. وفي اللحظة التي اعتقل فيها البشير، بدأ الجنيه بالتحسن.

يقول الدكتور بطرس لبكي إن 50% من خريجي لبنان يهاجرون كل عام. الباقون لم يعثروا، على الأرجح، على مهجر. تحرص البنوك، لسلامة البلد، على عدم نشر عدد الافلاسات. الشوارع مليئة بالمضربين. موظفو البنك المركزي ومتقاعدو القوات العسكرية، في الساحات. القضاة في الاعتصام. والاباطرة يهددون الناس بليرتهم إن هم لم يرعووا ويتعظوا ويصغروا للتقشف.

يبدّد صراع الديكتاتوريات الصغيرة ما بقي من الوطن والدولة. وفوق الصدور اليائسة والمقهورة تخاض حروب الرئاسات والتشكيلات. وتبلغ عبادة الذات ما بعد المتخيَّل فيما يظن القابضون على السلطة ان استغاثة ركاب “التيتانيك” هتاف لهم.

اضف رد