ثمة ضرورة لأن تتبنى دول المنطقة استراتيجية الانفاق الواسع على البحث والتطوير بهدف ابتكار أو امتلاك تقنيات متطورة في النفط والطاقة

غادة المطيري 
باحثة ومخترعة وسيدة أعمال سعودية
https://www.independentarabia.com
@adah_almutairi
 الثلاثاء 7 مايو 2019 13:00

شكّلت تقنية النفط الصخري تحديّاً ضخماً في أسواق الطاقة والنفط. ما هي الاستجابة التكنولوجية الملائمة في مواجهتها؟ (المصدر: “آباوت إينرجي. كوم”)

ذات مرّة، لاحظ رجل حاذق جداً أنه إذا أردت تغيير نموذج قائم، لا تحاربه بل اعمل على جعله شيئاً قديماً ومتأخراً. يمثّل سوق الطاقة أحد التحديّات الرئيسة التي نواجهها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، خصوصاً دول الخليج العربي. وبالنسبة لنا، ذلك هو الواقع الموجود فعليّاً.

تعتمد دول “مجلس التعاون الخليجي” على سوق النفط والغاز الذي يتأثر بثلاثة عوامل هي: الاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا السياسيّة، مع ملاحظة أن النفط الصخري يشكّل تقنية تغييريّة في ذلك السوق، لكنها تقوده أيضاً. وفي رأيي، إذا أردنا إحداث تغيير في الواقع الموجود فعليّاً، فبإمكاننا الانخراط في سباق تكنولوجي من أجل مستقبل الطاقة، بدلاً من مقارعة النفط الصخري الذي هو الواقع الموجود والمسيطر حاضراً. في المقابل، إنّ مقارعة صناعة النفط الصخري عبر تجفيف مصادر تمويلها، سوف تزيدها قوّة، إذ تجعلها أكثر كفاءة. كما أنّ شركات النفط الصخري التي نجت من الضغوط التي مورست ضدّها، عاودت الصعود بقوة ارتداديّة مزمجرة. وعلى الجانب نفسه من ذلك السيف المزدوج الحدين، ظهرت إيجابيّات في سياق تلك الحرب على النفط الصخري.  يتمثّل الأمر أساساً في ارتفاع حدّة الوعي لدى مجتمعات دول “مجلس التعاون الخليجي”، بشأن الحاجة إلى اقتصاد متنوّع ومبني على المعرفة. لذا، سوف أتَفَكّر معكم في الأساسيّات المطلوبة للمنافسة في الاقتصاد المبني على المعرفة. وأسعى إلى اقناعكم بأن الاستراتيجيّة الأكثر استدامة، والبديلة من الحرب على النفط الصخري أيضاً، تتمثّل في خوض غمار حرب التكنولوجيا التي يكون كل ما نفعله هو مجرد اقتراض الوقت. إذ تحتاج دول منطقة الخليج العربي كلّها أن تصير من قادة التكنولوجيا في سوق الطاقة.

وأحاجج لمصلحة القول بأن الثروة التي أنفقت على حرمان صناعة النفط الصخري من التمويل، كان ممكناً إنفاقها على التعليم من مراحله الابتدائيّة إلى العالية، وكذلك تمويل عمليات البحث والتطوير، في دول “مجلس التعاون الخليجي”، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، بل في أرجاء العالم، بهدف ابتكار وامتلاك التقنية التغييريّة المقبلة في الطاقة.

تُنفِق معظم الاقتصادات المتطوّرة والتنافسيّة والمبنيّة على المعرفة، ما يتراوح بين 2% و4% من الناتج المحلي الإجمالي، على عمليات البحث والتطوير. لقد مكّن تبني استراتيجيّات وتوظيف استثمارات في المقاربة التكنولوجيّة، إلى صنع معجزات اقتصاديّة في أمكنة مثل سان دييغو، وسنغافورة وهونغ كونغ. إذ استطاعت تلك الدول والمُدُن كلّها تحقيق قفزات صاروخيّة في الازدهار الاقتصادي، جاء الشطر الوازن منها نتيجة للاستثمار القوي والمستمر في التعليم العالي وعمليات البحث والتطوير.

لنتفحص وضع مدينة “سان دييغو” التي كانت قبل 35 سنة، بلدة هادئة تنام قرب البحر، مع وجود عسكري قوي منذ الحرب العالمية الثانية يعتمد عليه اقتصادها، إضافة إلى السياحة الموسميّة. ما الذي صنع من “سان دييغو” ثالث أضخم حاضنة للتقنيات اللاسلكية والبيولوجيّة في الولايات المتحدة.

أنه السبب نفسه الذي جعل من ولاية كاليفورنيا سادس أضخم اقتصاد عالميّاً… إنها “جامعة كاليفورنيا- سان دييغو”. لا يتجاوز عمر تلك الجامعة 50 سنة، لكنها تصّنف ضمن أفضل 50 جامعة عالميّاً.  

كيف حققت الجامعة ذلك خلال ما لا يزيد عن خمسين سنة؟ كيف أثّرت الجامعة على مدينة “سان دييغو” وقفزت بها قُدُماً لتغدو ثالث أضخم حاضنة

للتقنيات اللاسلكية والبيولوجية في الولايات المتحدة؟

بدأ الأمر عقب الحرب العالمية الثانية، عندما تضخّم عدد السكان في كاليفورنيا، على غرار ما يحصل حالياً في دول “مجلس التعاون الخليجي”.

تمثّل نجاح ولاية كاليفورنيا عموماً ومدينة “سان دييغو” خصوصاً، في توفير منافذ للوصول إلى مصادر تأتي من سكان ولاية كاليفورنيا ممن يعطون قيمة كبيرة للتعليم العالي. وأُضِيفَ إلى ذلك تصميم الحكومة الفيدراليّة الأميركيّة على تعزيز العلوم ضمن استجابتها للتحدي الذي فرضه آنذاك، إطلاق القمر الصناعي الروسي الأول “سبوتنيك”، وكذلك ظهر التزام مؤسساتي بإرساء البنية التحتيّة للازمة لإنجاز العلوم الأكثر تقدّماً.

 وقبل تلك النقطة، توجّب على طلبة الكليات دفع مبالغ كبيرة إلى كليّاتهم كي يدرسوا فيها ويتخرجوا منها، على مستوى مُشابه لما يُنفقه من يتخرّج طبيباً أو محامياً.  

بُذِلَ جهد لزيادة أعداد الطلبة في حقول صُنّفَتْ بوصفها حاجة وطنية، تمثّل في تأسيس نظام للمنح الدراسية. استفدت بنفسي من منح الحكومة الفيدرالية الأميركيّة، عندما كنتُ طالبة في كلية الكيمياء. وأدى ذلك الدعم المالي إلى زيادة أعداد الطلبة المتخرجين في حقول العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (يُشار إليها متجمعة بمصطلح “ستيم” STEM). قبل تلك الجهود، كانت “سان دييغو” بلدة ناعسة للسياحة والجنود.

مؤشر دخول الكليات في الجامعات الأميركية  (رسم خاص من د. غادة المطيري)

لنتأمل في مؤشر الدخول إلى الكليّات (أنظر الجدول أعلاه مباشرة). من بين كل مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة، يتفرّد نظام جامعة كاليفورنيا بقدرته في إعطاء سكان تلك الولاية تعليماً جامعيّاً ممتازاً، بدل أن يقتصر ذلك على نخبة منهم.  وبذا، صارت تلك الجامعة هي المحرك الاقتصادي لولاية كاليفورنيا. إذ قررت تلك الولاية عدم الاكتفاء بتدريس مجموعة صغيرة من الطلبة الموهوبين ممن تستطيع أسرهم دفع تكاليف دراستهم الجامعية، وعمدت إلى فتح أبوابها أيضاً أمام الطلبة الاكثر ذكاءً مع جعل سكان الولاية كلهم يتحمّلون تكلفة ذهاب أبنائهم إلى الجامعة.

 الدكتوراه، والتفكير فيما ترغب في تحقيقه فعليّاً، بل أن المال الذي تحصل عليه يوازي ما يجنيه أستاذ في العادة.

 آمل أني تمكّنت من إقناعكم بعدم وجود طريق آخر للمضي قُدُماً سوى الاستثمار في البحث والتطوير، وذلك يتكفل بدفع الاقتصاد إلى الأمام وصنع مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوبنا في منطقة الخليج العربي.

كذلك سأترك لكم أن تتفكروا في مساحتين مهمتين بشكل حاسم، وتتطلبان الاهتمام بهما وطنيّاً:

الاستثمار في التعليم الطبي. إن متوسط العمر المتوقع عيشه في بلداننا منخفض، بالمقارنة مع ما نحوزه من ثروات.

تحتاج دول “مجلس التعاون الخليجي” إلى توظيف ثرواتها واحتياطياتها في عمليات البحث والتطوير محليّاً وعالميّاً بهدف ابتكار تقنيات (أو امتلاكها أو الحصول على تراخيصها)، تتكفل بجعل النفط الصخري تقنية متخلّفة عن التاريخ. إن استراتيجية محاربة تلك الصناعة عبر تخفيض أسعار النفط بما يؤدي إلى قطع التمويل عن صناعة النفط الصخري، وكذلك عن أنفسنا بما يضطرنا إلى العيش على المدّخرات المالية، هي تبديد لأموال كان يمكن انفاقها على تمويل “اختراقات علميّة موجّهة الأهداف” بهدف التصدي لمشكلة الطاقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*