عالم عربي مُحزن!

مرة جديدة يضرب العدو الإسرائيلي في عمق السيكولوجيا العربية، ومرة جديدة يتعمد دفع الرأي العام العربي، ليس الى الدهشة من عملية إستعراضية جديدة يقوم بها، بل الى القنوط عبر ممارسة مقارنة حتمية بين حال العرب وحال إسرائيل.

تماماً كما حصل في ٤ تموز من عام ١٩76 عندما طار الكومندوس الاسرائيلي مسافة ٤٠٠٠ كيلومتر لتحرير رهائن طائرة الخطوط الفرنسية في عينتيبي، بعد أسبوع من إختطافها وعلى متنها ٢٤٦ راكباً، ما أثار دهشة العالم. الآن يعلن بنيامين نتنياهو ان إسرائيل إستعادت بعد مرور ٣٧ عاماً، رفات أحد الجنود الإسرائيليين الذين فقدوا في معركة الدبابات ضد القوات السورية في السلطان يعقوب في البقاع اللبناني، بداية الإجتياح عام ١٩٨٢.

تمت العملية عبر دولة ثالثة نقلت رفات الجندي زخاري باومل الى إسرائيل وقالت القناة الثالثة في التلفزيون الإسرائيلي، إن روسيا ساعدت تل ابيب على تحديد موقع الرفات وإستعادته، لكن “الجبهة الشعبية” ترجّح ان تكون تركيا هي التي سلّمت الرفات بعدما نقلته المجموعات الإرهابية في مخيم اليرموك الى أنقرة!

ليس مهماً من الذي ساعد إسرائيل على هذا، المهم الآن في أذهان الكثيرين شيء واحد، كيف لم تنسَ إسرائيل رفات قتلاها رغم مرور ٣٧ سنة على سقوطهم في السلطان يعقوب، وكيف ظلّت تسعى الى استعادته كل هذا الوقت، رغم ان القصف حرث سوريا كلها ومخيم اليرموك ودمّر معالمه. والسؤال الثاني، من الذي احتفظ بالرفات كل هذا الوقت، وكيف تم التوصل الى معرفة المقبرة التي كان مدفوناً فيها وفي سوريا خلّفت الحرب آلاف المقابر، فكيف تابع الإسرائيلي عملية البحث عن رميم عمره ٣٧ سنة!

ليس مهماً إذا كانت هذه العملية المثيرة تشكّل بياناً إنتخابياً تعمّدت جهة ما تقديمه الى نتنياهو عشية الإنتخابات الإسرائيلية، المهم ان العملية جاءت متقاطعة تقريباً مع توقيع دونالد ترامب الإعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتلّ منذ ٥٢ سنة، بما سيدفع المصابين بالألم والقهر وأنا في مقدمهم الى السؤال، كيف تستعيد إسرائيل رفات أحد جنودها المفقودين، وكيف يمكن ان تفقد سوريا ومعها العرب هضبة الجولان التي تنام على ثروات مائية ونفطية هائلة؟

كيف يبحث نتنياهو عن رفات جنوده بعد عشرات السنين، وقت يواصل عبر عدوانه على غزة مثلاً قتل الكثيرين من الفلسطينيين، وكيف يستطيع ان يقنع الروس أو الأتراك، وقبلهم “المناضلين” الذين كانوا يعرفون أين دفن الرفات، بأن يساعدوه في هذه العملية، والروس والأتراك الذين نقول إنهم أصدقاء وحلفاء لا يحمون الأحياء في سوريا وغيرها، لكنهم يهتمون بتسليم الرفات الى إسرائيل؟

لست في حاجة الى برم السكين في الجرح أكثر، عبر التذكير مثلاً بمقدمة البيان الختامي الذي صدر عن قمة تونس وما فيه من مزاعم وأوهام، ولا الى التذكير بصور بعض الزعماء العرب نائمين هنيئاً في تلك القمة، لكن لأن العملية العسكرية التي أعادت الرفات أطلق عليها إسم “مغنٍ حزين”، دعوني أقل: لا هذا عالم عربي مُحزن!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*