تبديد الميراث

سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
04042019

تُقتنى الكتب من عناوينها، كما يقال. وقد سارعت قبل أيام إلى شراء كتاب عنوانه: «أهل النهضة: تراجم الذين صنعوا العصر الحديث». يضمّ الكتاب سيَر 300 شخصية عاشت بين بداية القرن الخامس عشر وبداية السابع عشر. أذهلني وأنا أقرأ في تاريخ تلك المرحلة أن 68 شخصاً من أصل الثلاثمائة، كانوا من إيطاليا. ومن بين هؤلاء ليوناردو دافنشي وكريستوفر كولومبوس ونيكولو مكيافيلي. حتى البولندي نيكولاوس كوبرنيكوس عاش ودرس في إيطاليا حيث غيّر مسارات اتجاه العلم مكتشفاً أن الأرض تدور حول الشمس، وكذلك الكواكب الأخرى، وليس العكس. أي أنه الرجل الذي جرح كبرياء أهل هذا الكوكب عندما أكّد لهم أنه ليس مركز الكون، وإنما تلك الشمس الحارقة والمضيئة في أرجائه.
نحو سبعين في المائة من صنّاع النهضة في الرسم والفن والفكر والسياسة والعلم، إيطاليون. أي أن روما القديمة لم تقصّر في ولادة إرث جديد يعتبر في الغرب أنه منارة العالم وبوابة التقدّم والخروج من مجاهل الإنسانية. استخدمت مصطلح «المذهل»، لأن روما القديمة ووريثتها الكبرى، حُصرت اليوم في دولة أوروبية متوسّطة يصعب عليها العثور على مكان لائق، وسط الحضارات الأخرى التي جعلت من إيطاليا مجرّد بلد فائق الجمال يقدّم الغناء والمعجنات الطيبة. وبين 300 اسم نسب إليهم مؤلفو الكتاب أصول النهضة وأركانها، هناك اسم يوناني واحد هو مانويل كريسولوراس. أي أن الحضارة اليونانية القديمة التي هي إحدى أمهات العلوم، أصابها جفاف عظيم لا يزال قائماً حتى اليوم. لقد نشأت تلك الحضارات ونمت، بسرّ من الأسرار أو سبب من الأسباب، في حوض المتوسط. ومن هذا الحوض أيضاً، قامت حضارات كثيرة أخرى على الساحل الليبي والساحل التونسي والساحل اللبناني، إضافة إلى ما وقع منه ناحية مصر، حيث كانت الإسكندرية داراً عظمى من دور العلوم.
أين هو هذا المتوسط اليوم، الذي تفرح روسيا بأنها أصبحت فيه، ولا تزال إيران تقاتل من أجل ميناء على شواطئه؟ أم أن هذا مصير الحضارات المحتوم في كل المراحل التاريخية ومعظم جهات الأرض. إن المتوسط، اليوم، هو حوض التراجع والانحسار. اليونان في أزمة وجودية، وليبيا في حرب رديئة، وتونس تتباهى بالوقوف عند الحافة بدل الهاوية. ولبنان معتلّ. وسوريا مدمّرة. والجانب الفرنسي من المتوسط، مصاب بالأرق. والإسكندرية تحاول استعادة شيء من الوهج في مكتبتها الكبرى بإدارة المصري المستنير والغزير الثقافة، الدكتور مصطفى الفقي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*