أرشيف “النهار” – وطن بلا نصارى… خسارة!

  • المصدر: أرشيف”النهار”
  • 18 آذار 2019 | 07:00
  • النهار

حريصا في بداية القرن العشرين (أرشيفية)

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه عبد الرحمن عبد المولى الصلح في “النهار” بتاريخ 4 تموز 2008، حمل عنوان “وطن بلا نصارى… خسارة!”.

كم كنا محتاجين الى الاحد ما قبل الماضي (22/6/2008) حين جرى في وسط العاصمة، الذي اراده الرئيس رفيق الحريري ملتقى اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، احتفال تطويب الاب يعقوب الحداد الكبوشي. ويا لها روعة ان يجرى التطويب على مقربة من اكبر مساجد لبنان، مسجد محمد الامين، لنتذكر، او بالاحرى، ليعاد تذكيرنا بأن الجناح الآخر للطائر اللبناني هو جناح مسيحي، ولولاه، وبدونه، لا قيامة للبنان، ولا قدرة للطائر على ان… يطير!

وبقدر ما كان المشهد رائعا اثار الاحتفال في نفسي شيئا من الحسرة والالم. ذلك ان عظمة الاحتفال ذكرتني بالوجه الآخر للمناسبة: انحسار الدور المسيحي السياسي الرائد في لبنان ونكوص بعضهم – واعني العماد ميشال عون – ممن هم في سدة المسؤولية السياسية عن الاضطلاع بدور قيادي رائد في استعادة لبنان لحيويته وحركيته وسيادته واستقلاله، وذلك نتيجة حسابات خاصة وخاطئة. وربما كان العذر الوحيد لعون انه لا يريد ان يخسر لقب رجل الحسابات الخاطئة! فهو، في حرب الالغاء، تعاضد مع الرئيس العراقي صدام حسين، في حين كان العالم كله ضده. وذهب الى الدوحة آملا في تأجيل الانتخابات الرئاسية، في حين كانت دول العالم قاطبة اجمعت على انتخاب الرئيس ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.

أود المعذرة، قبل الاسترسال في الكلام، لاستعمال مصطلحات طائفية. فانا علماني التوجه أؤمن بالمجتمع المدني، الا ان متطلبات المقال تحتم ذلك، لاقول كم ان الدور المسيحي الرائد ملح اكثر من اي وقت مضى، بخاصة في زمن الشقاق السني – الشيعي الذي اظهرته الى العلن وعمقته الممارسات البشعة التي ارتكبها مسلحو “حزب الله” وحركة امل في 7 ايار في بيروت والجبل. وهو مطلوب ايضا وبالحاح في هذه المرحلة التي تثبت اكثر من اي وقت مضى، مع الاسف، انه في زمن “الشدائد” تعود الجماعات نفسها ليس في لبنان فحسب، بل في شرقنا العزيز، الى التمسك باطرها الدينية، عاجزة عن وضع بدائل لصياغة مستقبل افضل. وكان وزير الخارجية الراحل شارل مالك كتب منذ اكثر من ثلاثين عاما “ان التمييزات الاساسية في الشرق كلها دينية. هذه الحقيقة تحرج الغرب العلماني في تعامله مع منطقتنا. واتوقع ان يُمنى الغرب باخفاقات اخرى. فاذا اصر على فهمه للشرق على اساس مفاهيم سياسية او مجتمعية او اقتصادية او امنية وحسب، فالغرب لا يعرف الحقيقة. ولا يستطيع الانسان ان يخطئ ضد الحقيقة الى ما لا نهاية. الوجه الدائم لهذه المنطقة هو الدين”.

ويا له بونا شاسعا بين دور مسيحي رائد كان له الفضل في ايجاد الكيان اللبناني ووضع الاساس للدولة وتحفيز المجتمع وبين دور يعمق، من خلال مواقف النائب ميشال عون، الخلاف السني – الشيعي لمآرب شخصية لا تمت الى مصلحة لبنان وقراره الحر والسيادي بصلة. والثابت ان النمط المسيحي الحاضر في سلوكيات عون الآنية يعبر عن خفة وتجاهل للنموذج الذي شكل الضمان الاساسي لدور لبنان الرائد، ولمكانة المسيحيين فيه. ولعل الرد الباهت للنائب عون حول ارتباط الامين العام لـ”حزب الله” بتعليمات “الولي الفقيه” في ايران خير دليل.

ان لب المشكلة يتجسد في مواقف النائب عون التي سوف تؤدي الى زعزعة الصيغة اللبنانية والميثاق الوطني، والا كيف نفسر عدم الحرص على انتخاب رئيس جمهورية جديد وابقاء سدة الرئاسة الاولى شاغرة 6 اشهر، ناهيك بعرقلة تأليف اول حكومة في عهد الرئيس الجديد ميشال سليمان؟ ان اغفال حقيقة الصراع على السلطة في لبنان يجب ان يشكل حالة قلق لدى اللبنانيين عامة والمسيحيين خاصة. وخوفي، كل خوفي، ان يأتي يوم يُلقى خطاب في المجلس النيابي يقال فيه… “فلبنان ذو وجه فارسي”! لنترحم، اذذاك، الف مرة، على الرئيس رياض الصلح!

لقد كان للمسيحيين الدور الابرز في تأسيس الدولة وانفتاحها على الغرب، ولولا وجودهم لما ابدى الغرب اهتماما بلبنان، الامر الذي ساهم في تميز لبنان عن الدول العربية الاخرى، بخاصة المحيطة به على الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالصيغة اللبنانية وتركيبتها سمحتا على اثر حوادث 1958 بلجم العواطف الاسلامية حيال سياسات التأميم والاشتراكية التي افقرت البلدان العربية التي اعتمدتها، واثرت سلبا في المستويات التعليمية، ناهيك بانها تبنت اساليب القهر والسلطوية في التعامل مع شعوبها باسم العروبة ومحاربة العدو الصهيوني. والمطلوب اليوم من المسيحيين خصوصا واللبنانيين جميعا عموما، العمل بكل كد للجم اي “دينية سياسية” ليس لمصلحتهم وحدهم، بل لمصلحة اللبنانيين جميعا. وآمل في ان تكون حوادث الشمال الاخيرة فتحت عيني العماد عون وعيون من يسيرون في ركابه، على ان على شمالهم سلفية سنية وعلى جنوبهم شيعية سياسية مرتبطة بايران (واخيرا في اعالي جبل صنين…!!) وليس لهم مفر سوى تفعيل دورهم والعمل الحثيث على قاعدة استقلال لبنان واستعادة قراره الحر. والخطأ الذي ارتكب انهم لم يتلقفوا اعادة السنة في لبنان بوصلتهم الى الداخل اللبناني وانحيازهم الى “لبنان اولا” والى مشروع الدولة ثانيا. وكان الاجدى بهم ملاقاتهم على الطريق نفسه. صحيح ان عدد المسيحيين اللبنانيين في تناقص، لكن الامر لم يكن ابدا يتعلق بالعدد، بل بالعدة! وعدة المسيحيين كانت دائما مميزة في جميع القطاعات.

ان الشيعية السياسية التي تحالف معها العماد عون مصيرها كسابقاتها من سنية ومارونية سياسية الى افول. وليت النائب عون يدرك اليوم قبل اي وقت مضى ان اي “دينية سياسية” هي النقيض بعينه لما جاء في الارشاد الرسولي الذي اعلنه البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته للبنان، عام 1997، حين وصف لبنان بلبنان الرسالة، وبالتالي ليس الهدف احياء “المارونية السياسية” التي ادت بالبلاد الى نتائج وخيمة ليس على المسيحيين بل على كل اللبنانيين، بل المطلوب هو العودة – وإن متأخرة – الى الخط الاستقلالي الذي رسمه في بدايات نضاله ضد نظام الوصاية، والتخلي عن “العصبية” المسيحية لمصلحة العصبية اللبنانية (والتي تؤمن بعروبة البلد ولا تنكرها…) وينضوي تحت لوائها الماروني والارثوذكسي والشيعي والسني من دون تفرقة او تمييز، والتي ترتكز على اسس المجتمع المدني والعلماني. اذذاك، يصبح تخطي الطائفة ككيان سياسي ممكنا ويتوقف التماهي مع زعيم الطائفة ليتم العبور الى سياسيين من طوائف اخرى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كنت اعتبر ان نهج الرئيس الراحل فؤاد شهاب، وهو الماروني العتيق، كان ولا يزال نهجي، وان السادة غسان تويني ونسيب لحود وطارق متري (وغيرهم) يمثلونني اليوم بمقدار ما يمثلني النائب سعد الحريري. وفي السياق نفسه، يجدر التذكير بما حصل في مجلس الوزراء ابان عهد الرئيسين بشارة الخوري وسامي الصلح (بابا سامي، ابو الفقير، سامي بك، كما كان يكنى… هل من يذكر؟) حين اعترض سامي بك على الاسماء المتعلقة بالتعيينات الادارية، فطلب منه الرئيس الخوري ابداء رأيه، فكانت المفاجأة انه عرض مجموعة من الاسماء لمديرين عامين من الطوائف المسيحية لا الاسلامية!! آخ!! سقى الله ذلك الزمن!

في الستينات، وكنت يافعا، زارنا صديق لوالدي لبناني من اصل سوري كان ينشط في قطاع الاعمال والمال. ولا ادري كيف وجدتُ نفسي في غرفة الاستقبال اصغي الى حديثهما. اذكر، ان الزائر، قال لوالدي في جملة ما قاله: “ما دام العدرا فاتحة ذراعيها بحريصا ما في خوف ع البلد”. بعد مغادرته منزلنا، سألت والدي – ندّى الله تربته – عما اراد الزائر قوله، فرد علي بمثل ذكر انه حفظه عن المرحوم والده: “حارة بلا نصارى… خسارة”! واذكر جيدا انه تدارك قائلا… الافضل ان تقول: وطن بلا نصارى… خسارة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*