الصراع على الزعامة الشيعيّة في لبنان (10 من 10)

  • حازم صاغية – كاتب لبناني
  • ۲۷ فبراير ۲۰۱۹
  • درج
  • https://daraj.com
(Photo by AFP)

في هذه الغضون، وفي 1992 تحديداً، انشقّ الحدث الصاخب عن اسم جديد. إنّه حسن نصر الله.

ابن الثانية والثلاثين، الذي تولّى الأمانة العامّة لحزب الله، لم يُعرَف عنه الكثير يومذاك، كما لم يُوحِ بالكثير. سيّدٌ وشيخٌ شابٌّ من قرية البازوريّة في قضاء صور، عاش طفولته في ضاحية بيروت الشرقيّة، ومع الحرب انتقل مع عائلته إلى قريته. انتسب إلى “أمل” وشارك في مواجهاتها الدمويّة مع التنظيمات اليساريّة والفلسطينيّة حيث تجاورَ القتلُ الصريح والاغتيالُ الموارب. توجّه إلى النجف لتحصيل علوم دينيّة. هناك تعرّف إلى عبّاس الموسوي الذي سيسبقه بعد سنوات في الأمانة العامّة للحزب، كما سيرعى خطواته الأولى. تعرّف أيضاً إلى مؤسّس حزب الدعوة العراقيّ محمّد باقر الصدر. بعد عودته إلى بلده، بات واحداً من المنشقّين عن “أمل” ممّن أسّسوا الحزب الجديد وتولّوا مهامّ أمنيّة فيه.

أسرتُه متواضعة اجتماعيّاً، وهو خجول وإن كان من صنف حماسيّ. الخطابة بدت الوسيلة إلى احتواء الخجل فيه، مصحوبةً بتغليب نوع من الغضب ذي الصوت المرتفع.

قراراتٌ كبرى ومآسٍ عدّةٌ سجّلتها التسعينات صنعت لنصر الله كاريزماه. بنتيجتها صار ذاك “الساحرَ” الذي رآه ماكس فيبر شرطاً لزعامة الزعيم: في العقد المذكور دخل الحزبُ الحياة السياسيّة، فيما انفجر الصراع، بعد مؤتمري مدريد وأوسلو، حول السلام في المنطقة، وكالعادة استقرّ الجزء الوازن من هذا الصراع في جنوب لبنان. التحوّلات تلك رافقها عنصر راسخٌ في النفوس صبّ كسباً صافياً في رصيد المولود الجديد: إنّه قدسيّة المقاومة. قاومْ وبعدذاك افعلْ ما تشاء…، هذه هي الحكمة الضمنيّة التي رسّختْها عشرات السنين العربيّة بخطابتها وتعليمها وأحزابها وصلواتها وأغانيها وأدبها، ولكنْ أيضاً بالكثير من المكائد والموت والزنازين.

الداخل والخارج

منذ البدايات الأولى، بدا أنّ نصر الله يملك الاستعداد المطلوب. هو بالتأكيد ليس القائد إذا كانت القيادة تعني تغيير قناعات موروثة، لكنّه القائد، بألف ولام التعريف، بمعنى تثبيت تلك القناعات ورفعها إلى سويّة الخرافة التي تتفرّع حُججاً يُدجَّج بها الجمهور. سحره ليس مصنوعاً لنزع السحر عن العالم بل لتوسيع قاعدة المسحورين.

التجديد المتواصل لنصر الله على رأس حزبه، وعبادة الشخصيّة التي صُنعت له، وابتكار هتافات خاصّة به، وتنزيهه عن العاديّ واليوميّ…، هذه كلّها تعابير أكّدت موقعه الممتاز. إنّه الأوّل في حزبه وهو أيضاً الأخير. بهذا كان يستأنف كلّ التقاليد المعروفة في الحياة السياسيّة العربيّة ويرفعها إلى سويّةٍ – مثال. تقبيله يد المرجع الإيرانيّ علي خامنئي، وقوله إنّه جنديّ في جيش ولاية الفقيه، لم يحدّا من ذلك. لقد بات في وسعه، بالاعتماد على القوّة التي تجمّعت في يديه والتقاليد التي غرف منها، أن يحوّل طاعته لإمامه سلطةً له على آخرين، وأن يوسّع نفوذَه ومكانته كلّما تواضعَ شخصُه.

1992 كان زاخراً بالأحداث: لقد شارك الحزب في الانتخابات النيابيّة بعد فتوى خامنئي التي أجازت ذلك. حظي بكتلة ضمّت 12 مقعداً. إنّها بشائر “لبننة الحزب”، بحسب بعض المتسرّعين وبعض الرغبويّين. بعد 12 سنة سيشارك في الحكومة للمرّة الأولى مُكرّساً نهجه الجديد. لكنّ نهايات 1992 شهدت تطوّراً من نوع آخر، تطوّراً سجّل مدى ارتباط الحزب بالخارجيّ والحدوديّ: لقد أبعدت إسرائيل 400 ناشط من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلاميّ” الفلسطينيّتين إلى مرج الزهور في الجنوب. هناك توثّقت العلاقة بين التنظيم اللبنانيّ والتنظيمين الفلسطينيّين وتمّ تبادل للخبرات المفيدة. حزب الله، مسلّحاً بضرباته الانتحاريّة في الثمانينات، التي طالت سفارات ومراكز عسكريّة، كان صاحب الخبرات الأهمّ والأغنى. إنّه إذاً المعلّم الإقليميّ والاستثمارُ الإيرانيّ الأنجح في الخارج.

(Photo by RABIH MOGHRABI / AFP)


عام 1993 عمّق الحزبُ، كما عمّقت إسرائيل، هذا المنحى: إطلاق صواريخ كاتيوشا من الجنوب ردّت عليه الدولة العبريّة بعدوانيّتها المعتادة وعقابها الجماعيّ. سبعة أيّام من القتال أعقبها تفاهم غير مكتوب على وقف الكاتيوشا ووقف الردود. الحزب، الذي “تتفاهم” معه إسرائيل، تزداد هيبته ويُحمَل على محمل الجدّ. في أيلول، مع توقيع اتّفاق أوسلو الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، دعا الحزب إلى تظاهرة في الضاحية الجنوبيّة احتجاجاً على الاتّفاق المذكور. المتظاهرون، بحسب الرواية الرسميّة، أطلقوا النار على الجيش. الجيش، بحسب رواية الحزب، أطلق النار على المتظاهرين. الدولة قالت: سقط 5 قتلى. الحزب قال: 13.

الواضح أنّ تلك الحادثة جاءت من خارج كلّ سياق، وأغلب الظنّ أنّها نجمت عن نقص في التنسيق بين حلفاء: وزير الداخليّة يومذاك، بشارة مرهج، مقرّب جدّاً من الحزب ومن دمشق. مع هذا أكّدت الحادثة إيّاها أنّ حزب الله أكثر جذريّة من حلفائه السوريّين في معارضة التسوية الفلسطينيّة – الإسرائيليّة.

إسقاط أوسلو استدعى نشاطاً يفوق ما استدعاه الاعتراض عليه. هذه القناعة هي ما انطوت عليه الإرادة السوريّة – الإيرانيّة، فبات تصعيدُ الحزب أمر اليوم: “عناقيد الغضب” في 1996 ومجزرة قانا التي تأدّت عنها مطّتْ قامتَه. الرأي العام العالميّ الذي هاله ما نقلته شاشات التلفزيون ساهم في ذلك. براءة الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل أُعيد تدويرها براءةً لحزب الله. في الحالات كافّة، جُدّد اتّفاق 1993 في “تفاهم نيسان” المكتوب هذه المرّة. “التفاهم” ذاك حظي برعاية أميركيّة وفرنسيّة وسوريّة وإيرانيّة. رفيق الحريري كان لولب هندسته الديبلوماسيّة.

هذا لم يكن أوّل احتكاك بين الحزب والحريري، لكنّه كان الأكبر حتّى ذاك الحين. مشروع التعويل على المقاومة ومشروع التعويل على السلام الإقليميّ تعايشا بصعوبة، وإن تعاونا أحياناً. ما كان مشتركاً بينهما أنّ كلاًّ منهما يتجاوز لبنان ويُدرجه في مشروع إقليميّ ناجز، مشروعٍ قليل الحفول بالمشاريع الأخرى. بيد أنّ الانتصاف والتعادل شملا كلّ شيء تقريباً ولاحا إنذاراً بالاستقطاب الأخطر: نصر الله مقابل الحريري. الحزب مقابل تيّار المستقبل. الضاحية مقابل بيروت. المنار مقابل تلفزيون المستقبل. الحرب مقابل السلام. “الشهادة” مقابل “النجاح”. وقبل هذا وبعده، إيران مقابل السعوديّة.

العام 1997، أضاف مأساة شخصيّة وعائليّة إلى سيرة نصر الله. نجله هادي، ابن الـ 18 سنة، قضى في عمليّة عسكريّة ضدّ الإسرائيليّين. خصوم “السيّد” على اختلافهم احترموا ألمه وتعاطفوا مع حزنه. مأساةٌ شخصيّة كهذه تمنح صاحبها صدقيّة غير معهودة في السياسيّين اللبنانيّين.

داخل البيت الواحد

النصف الثاني من التسعينات أظهر تصدّعات في داخل البيت الواحد. فقبل حركة صبحي الطفيلي التي كادت، في 1997 – 1998، تهدّد وحدة الحزب، نشب الخلاف مع محمّد حسين فضل الله، “المرشد الروحيّ لحزب الله”. الأزمة بدأت حين طرح فضل الله نفسه مرجع تقليد، نافياً جدارة خامنئي بالمرجعيّة. والحال أنّ فضل الله لم يكن أصلاً من المؤمنين بـ “ولاية الفقيه”، مفضّلاً عليها نظريّة “شورى الفقهاء”. كُفّر “المرشد الروحيّ” وأطلقت النار على منزله واضطُهد مؤيّدوه، كما وُزّعت الكتب والمنشورات التي تُدينه وتشهّر به في قم والنجف والضاحية. فضل الله شرع يتمايز سياسيّاً وفقهيّاً مُتبنّياً آراء أكثر رحابة في التأويل، وأشدّ انسجاماً مع واقع التعدّد اللبنانيّ. في بعض الحالات، كما في دفاعه عن الطفيلي بوصفه “مظلوماً”، ارتكب ما اعتبره الحزبيّون هرطقات لا تُغتَفَر.

محمّد مهدي شمس الدين، نائب رئيس المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى، ثمّ رئيسه، كان مصدر إزعاج آخر. فتاواه وآراؤه كانت توحي بسجال ضمنيّ دائم يُجريه مع الحزب. “الدولة” كانت فكرة محوريّة لديه، فيها تصبّ “المقاومة” التي هي عمل “الشعب اللبنانيّ كلّه”، لا عمل طائفة أو منطقة بعينهما. عند شمس الدين، بدت “الدولة” غاية، و”المقاومةُ”، في أحسن أحوالها، وسيلة.

محمد مهدي شمس الدين

وعلى رغم العداء الإيديولوجيّ والفقهيّ المديد بينهما، بدا موقفا شمس الدين وفضل الله إحراجاً لحزب دينيّ يفتقر إلى غطاء الدين كما يمثّله أبرز علمائه.

حال الأخوة لم تكن أفضل من حال الآباء: في 1998 حلّت الانتخابات البلديّة الأولى بعد الطائف، ليتبيّن أنّ معظم المواجهات التي يخوضها حزب الله، في الجنوب والضاحية، مواجهاتٌ مع “أمل”. إذاً “الأُخوَّة” المُدّعاة محصورة في بيروت، لا تتعدّاها إلى عائلات الأطراف المفجوعة بحروب الأمس والمسكونة بعصبيّات ضاربة في تربة التاريخ المحلّيّ.

لكنّ الرصيد الذي كانت تُنقصه تلك التطوّرات كانت تعوّضه الصواريخ التي مضت تتدفّق مصحوبةً بمعونات شتّى ماليّة وخدَميّة. الرعايتان الإيرانيّة والسوريّة كمّلت إحداهما الأخرى تصديراً للسِلَع المرغوبة وتوصيلاً وحمايةً. الطاقة الصاروخيّة لم تتوقّف عن التنامي. الكثير من التصدّع الأهليّ كان سبباً آخر في استدعاء الكثير من الصواريخ.

مع التصاعد في العنف، لم يعد نصر الله قائد عمليّات. صار قائد حروب. الذين قالوا إنّ حزبه ليس ميليشيا من النوع الذي اعتاده اللبنانيّون في حروبهم الأهليّة، عثروا على دليلهم الساطع. لكنّ الذين قالوا إنّ هذا الحزب يقودنا تعريفاً إلى حروب بلا نهاية، عثروا أيضاً على دليل لا يقلّ سطوعاً.

رؤساء الجمهوريّة والحكومة الذين تعاقبوا بعد الطائف بات رضا نصر الله عليهم شرطاً شارطاً لنجاحهم في الرئاسة. محازبوه وجدوا في تكريم “عليّة القوم” له تكريماً لهم. أخبار شبكات الحزب في الخارج أقنعتهم بأنّه بات يشبه الدول العظمى. الخدمات التي يوفّرها جسّرت الهوّة بين أفعال غير مَرئيّة تحصل في أمكنة بعيدة وأفعال ملموسة ومَرئيّة جدّاً يرونها في أحيائهم ومدارسهم وبيوتهم ومشافيهم.

بعد الانسحاب الإسرائيليّ

في 2000 انسحب الإسرائيليّون من طرف واحد. ولأنّ الحرب كان ينبغي لها أن تستمرّ إيرانيّاً وسوريّاً، وقع الانسحاب وقع الكارثة على طالبيه. مسألة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا سريعاً ما اختُرعت بوصفها مانعاً لنزع السلاح. لكنّ الاختراع جاء مشفوعاً بالاستدراكات: حتّى لو تحرّرت هذه المزارع والتلال، فذلك لا يعني نهاية القتال. أدبيّات الحزب وخطابات أمينه العامّ وكلّ ما يصدر عنهما بدت قاطعة في لزوم الحرب لهذا المولود الحربيّ. أحياناً كان بناء الدولة القويّة والجيش القويّ يردان كشرط لنزع السلاح. أحياناً أخرى كان يُذكر تحرير فلسطين والصلاة في القدس.

في دمشق زاد الإعجاب بنصر الله مع رحيل حافظ الأسد ووراثة نجله بشّار. الأخير لم يعد يرى فيه الحليف الأصغر الذي رآه والدُه، بل شيئاً أقرب إلى الأب البديل. فوق هذا، وفّر “السيّد” المشهديّة الدراميّة المتواصلة التي كفّ حافظ الأسد عن توفيرها منذ حرب 1973، حين كان بشّار في الثامنة. الأمر لم يبدُ للرئيس الشابّ لعباً بالنار، إذ اتّفاق فصل القوّات يحمي سلطته في دمشق. إذاً هي نار تندلع في الذهب: تُطهّر من غير أن تحرق.

مع هذا كان الحريق يحاصر دمشق وطهران من جهة بغداد التي حلّ فيها الأميركيّون عام 2003. تصاعد المطالبة برحيل القوّات السوريّة ثمّ معركة التجديد لإميل لحّود وصدور القرار 1559، أحداث جعلت حزب الله يضع يده على الزناد. رفيق الحريري الموصوف في بيئة الحزب العريضة بالعمالة و”الهرولة” إلى السلام مع إسرائيل، ما لبث أن اغتيل. السياسة في لبنان بدأت تشبه الأطوار الجيولوجيّة: الجيش والأمن السوريّان انسحبا من لبنان، بعد أن تلقّى قائدهما رستم غزالة هديّة رمزيّة من نصر الله هي “بندقيّة المقاومة”. الحزب، الذي نظّم تظاهرة ضخمة لـ “شكر سوريّا”، حلّ محلّ القوّات السوريّة في لبنان. لقد بات هو قائد الجبهة الممانعة. حركة 14 آذار، في تجاهلها الشيعة وامتناعها عن مخاطبتهم، أوحت أنّها تستهدفهم بالعزل والتهميش. هذا ما صلّب الطائفة حول نصر الله وحزبه. التأويل الذي أشاعه الأخيران ولفيفهما مفاده أنّ إسرائيل هي التي اغتالت “عميلها” الحريري. المسحورون بالساحر “اقتنعوا”. في وقت لاحق، اتّهمت المحكمة الدوليّة – التي حاول نصر الله بما أوتي من قوّة الحؤول دونها – عناصرَ من حزبه.  

كان لا بدّ من كارثة لنقل مواضع التركيز في وجهة أخرى. استعداداً للكارثة، وبهدف توفير غطاء لبنانيّ واسع لها، كان “تفاهم مار مخايل” مع ميشال عون وتيّاره. أشهرٌ قليلة فصلت بين “تفاهم” شباط وحرب تمّوز. الإسرائيليّون الذين قالوا إنّهم لم ينتصروا لأنّهم، في ردّهم على خطف الجنديّين، لم يجتثّوا حزب الله، وضعوا لأنفسهم مهمّة مستحيلة أتاحت للحزب أن يعلن انتصاره. ذاك أنّ ما صحّ في العلاقة بمقاتلي منظّمة التحرير الفلسطينيّة في 1982 لا يصحّ في مقاتلين من أبناء البلد نفسه.

إسرائيل إذاً هُزمت لأنّها لم تنتصر انتصاراً ساحقاً. الحزب انتصر لأنّه لم يُهزَم هزيمة ماحقة. الانتصار هذا ما لبث أن صار “إلهيّاً”، رغم اعتراف نصر الله بأنّه لو علم بالنتيجة لما أقدم على شنّ الحرب. الحاسم، على أيّ حال، لم يكن هذا الكلام أو ذاك، بل القرار الدوليّ 1701 الذي أنهى القتال على الجبهة اللبنانيّة – الإسرائيليّة. ما تبقّى من رصيد ديبلوماسيّ وعلاقات دوليّة للبنان استُنجد به لبلوغ هذه النتيجة.

(Photo by SANA / AFP)



إلى سوريّا…

حرب 2006 بروايتها الانتصاريّة أدّت إلى رفع صور نصر الله في مدن العالم الإسلاميّ. لكنّ الهجوم على بيروت في 2008 أدّى إلى نزع معظم الصور. زعامته انكمشت إلى حدود شيعيّة واجهتها الأكثريّات السنّيّة بموقف يتفاوت بين التحفّظ والعداء. بعد اتّفاق الدوحة، زاد وزن نصر الله الداخليّ، إلاّ أنّ الكراهية له ولحزبه زادت أيضاً.

انتخابات 2009، كما انتخابات 2005 قبلها، كانت هزيمة للحلف الذي يقوده حزب الله، لكنّ الأخير فعل كلّ ما يوحي بأنّ نتائج الانتخابات آخر ما يهمّه. السلطة، عنده، لا تنبع إلاّ من فوهة البندقيّة.

مع الثورة السوريّة بدأ تأليف الحجج التي تبرّر التدخّل. بعدذاك حصل التدخّل ولم تعد الحجج مطلوبة. الحزب الذي قال إنّ علّة وجوده مقاومة الاحتلال صار احتلاليّاً. سوريّا حلّت محلّ إسرائيل. “التكفيريّون” تصدّروا قائمة المطلوبين. “حلف الأقليّات” الذي ولد مع “تفاهم مار مخايل”، صارت أسنانه الحليبيّة أنياباً تُغرَز في اللحم السوريّ.

فوق هذا، انقلبت الأدوار: نصر الله هو الذي ينقذ بشار الأسد. لبنان نفسه تحوّل إلى وظيفة استراتيجيّة مفادها “حماية ظهر المقاومة” التي ساد الظنّ أنّها وُجدت لحماية ظهر الوطن.

لقد تمكّن الحزب من إنشاء محيط “إمبراطوريّ” حوله، يضمّ دروزاً وسنّة من الأرياف ومسيحيّين ويساريّين على أنواعهم. لكنْ من جرّاء هذه العمليّة قضى آلاف الشبّان على جبهات الشرق وفي العمق السوريّ، بعد آلاف من إخوتهم الأكبر سنّاً الذين قضوا على جبهات الجنوب. الموت بات موضوعة مركزيّة في ثقافة تؤسّس لمجتمع مضادّ، مجتمعٍ يقسّم البشر ويدفع الكثيرين، سرّاً أو علناً، إلى التفكير بتقسيم للأرض. هذا الموت المُعمّم قد يكون النتيجة المنطقيّة للزعامة الطائفيّة المدفوعة إلى الأقصى، بل للنظام الطائفيّ حين يلغي التسوية ويُحلّ التنازع المصحوب بفرض النظرة الواحدة والحقيقة الواحدة.

ونصر الله، في هذه الحدود، حقّق نجاحات باهرة: فإذا كان موسى الصدر “السيّد موسى”، فهو “السيّد” من دون حاجة إلى أيّة إضافة. وإذا كانت الأحزاب تستدعي نعتها بالقوميّة أو الشيوعيّة أو اللبنانيّة أو الديمقراطيّة، فإنّ حزبه هو “الحزب”. وألف ولام التعريف هنا يشيان بنهاية كلّ الأحزاب، وربّما بنهاية كلّ شيء آخر.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*